الوردة الشامية في المراح: إرث يتحدى الجفاف والتهميش في ريف دمشق


هذا الخبر بعنوان "ريف دمشق: زراعة الوردة الشامية في المراح تكافح للبقاء" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في السفوح الجافة لجبال القلمون بريف دمشق، تتشبث قرية المراح بإرثها الزراعي العريق الذي منحها شهرة تجاوزت حدود سوريا. لقد تحولت الوردة الشامية إلى جزء لا يتجزأ من هوية المكان وسكانه، ورمز لعلاقة طويلة بين الإنسان والأرض في واحدة من أبرز القرى المنتجة لهذا النوع النادر من الورد. تقع المراح، وهي قرية تركمانية، إداريًا ضمن مدينة النبك في منطقة القلمون، ويبلغ عدد سكانها نحو ستة آلاف نسمة. اشتهرت القرية منذ عقود بزراعة الوردة الشامية، إلى جانب التين والكرمة والزيتون، إلا أن الطبيعة القاسية للمنطقة وقلة الموارد المائية جعلتا الزراعة وحدها غير كافية لتأمين دخل مستقر للسكان، ما دفع كثيرين للعمل في مهن موسمية إلى جانب اهتمامهم بالأرض.
يكشف رئيس المجلس المحلي في المراح، محمد الخطيب، في حديث خاص لموقع سوريا 24، أن المساحات المزروعة بالوردة الشامية كانت تتجاوز قبل عام 2012 نحو 2600 دونم من الأراضي الصالحة للزراعة. إلا أن تلك المساحات تقلصت بشكل ملحوظ بعد اندلاع الثورة السورية، رغم ما وصفه بالدعم الذي كان يقدمه النظام السابق عبر وزارة الزراعة. وأوضح الخطيب أن ذلك الدعم لم يكن شاملًا، بل اقتصر على فئات موالية للنظام، حصلت على استثناءات وتسهيلات مكّنتها من توسيع الأراضي المزروعة، في حين تعرض المزارعون الذين وقفوا ضد النظام للتهميش، وخسر كثير منهم أراضيهم ومحاصيلهم ومصادر رزقهم، ما أدى إلى تراجع زراعة الوردة بدلًا من توسعها.
يحدثنا أهالي القرية أن الجفاف الذي شهدته سوريا خلال السنوات الماضية ساهم أيضًا في عزوف عدد من المزارعين عن الاهتمام بالوردة الشامية، والاتجاه نحو أعمال أخرى. ويضاف إلى ذلك ما وصفوه بـ"الدعم غير المدروس" الذي لم يحقق النتائج المرجوة، خاصة مع إدخال أصناف جديدة لا تتناسب مع طبيعة المنطقة ولا تشبه الصنف الأصلي المزروع في المراح. وأكد الأهالي أن الوردة المزروعة في شمال سوريا تختلف كليًا عن الوردة الدمشقية الموجودة في المراح، سواء من حيث الحجم أو التركيبة العطرية والخصائص الكيميائية، مؤكدين أن وردة المراح تتميز بتركيز عطري مرتفع منحها شهرة عالمية، وأسهم في تسجيلها ضمن قوائم التراث اللامادي.
وبيّن الخطيب أن محاولات نقل غراس الوردة إلى مناطق أخرى، مثل النبك والقسطل والساحل السوري وسهل الغاب بريف حماة، لم تحقق النتائج ذاتها، رغم الدعم الذي قدمته جهات مرتبطة بالنظام السابق، بينها "الأمانة السورية للتنمية". وأرجع ذلك إلى اختلاف البيئة الجغرافية ونوعية التربة وطبيعة المناخ. وأشار إلى أن ما يمنح وردة المراح خصوصيتها هو اعتمادها على الزراعة البعلية القائمة على مياه الأمطار، بعيدًا عن الأسمدة الكيميائية والمبيدات، الأمر الذي جعل المنتج أكثر نقاء وجودة صحية مقارنة بمنتجات أخرى.
وفيما يتعلق بالإنتاج، أوضح الخطيب أنه لا توجد إحصائيات دقيقة للكميات المنتجة خلال السنوات السابقة، معتبرًا أن النظام السابق استخدم الوردة الشامية ضمن "بروباغندا إعلامية" للترويج لأسماء الأسد وبشار الأسد، عبر مهرجانات سنوية وأرقام مبالغ فيها عن حجم الدعم والإنتاج. وقال إن ما كان يعلن عن توزيع عشرات آلاف الغراس أو تقديم دعم واسع للفلاحين لم يكن يعكس الواقع، إذ اقتصر فعليًا على أعداد محدودة وفئة صغيرة من المستفيدين المرتبطين بالنظام.
وأضاف أن الموسم الحالي شهد تحسنًا نسبيًا بفعل الأمطار، رغم تأثر الإنتاج بالتقلبات الجوية والرياح الشديدة التي ضربت المنطقة في بداية الموسم، ما أدى إلى تأخر موعد القطاف وخسارة بعض المزارعين نحو ربع إنتاجهم نتيجة تساقط البتلات مع الرياح. ويعتمد المزارعون في المراح على الوردة الشامية في إنتاج ماء الورد وشراب الورد والمربيات، إضافة إلى بعض الصناعات الطبية والتجميلية، إلا أن هذه الصناعات ما تزال ضمن نطاق ضيق، بسبب ضعف الإمكانيات وقلة الدعم الفني والتسويقي.
وحول التسويق، أشار الخطيب إلى وجود محاولات من وزارات السياحة والثقافة والزراعة لدعم المنتجات المرتبطة بالوردة الشامية، إلا أن تلك الجهود ما تزال محدودة وغير قادرة على تطوير الصناعة بالشكل المطلوب أو فتح أسواق تصدير حقيقية. وأوضح أن جزءًا من الإنتاج يباع كتلات ورد لتجار في سوق البزورية بدمشق، حيث يعاد تصديره إلى الخارج، بينما تعمل فئة أخرى من المزارعين على تصنيع المنتجات محليًا، لكن بكميات محدودة. وانتقد الخطيب محدودية الدعم الحكومي بعد سقوط النظام، مؤكدًا أن وزارة الزراعة لم تقدم حتى الآن دعمًا كافيًا لصيانة الآبار أو توفير المحروقات والآليات والأسمدة اللازمة للفلاحين، في وقت تعاني فيه الجمعيات الزراعية في القرية من شح كبير في الموارد.
وأثر ارتفاع تكلفة حراثة الأراضي بشكل كبير على استصلاح الأراضي من قبل المزارعين الذين لم يحصلوا على أي دعم فعلي خلال الموسمين الماضي والحالي، معربين عن أملهم في أن تشهد المواسم المقبلة اهتمامًا أكبر بهذا القطاع. وفي مواجهة هذه التحديات، قال الخطيب إن المجلس المحلي سعى إلى بناء علاقات مع منظمات زراعية خارج سوريا، خاصة منظمات تركية، بهدف الاستفادة من خبرات مهندسين زراعيين في مكافحة الآفات التي تصيب الوردة الشامية، إضافة إلى العمل على مشاريع لصيانة الآبار ودعم المنشآت المرتبطة بهذه الزراعة.
ورغم سنوات الحرب والجفاف والتهميش، ما تزال الوردة الشامية في المراح تحافظ على حضورها بوصفها أكثر من مجرد محصول زراعي؛ فهي ذاكرة جماعية لسكان القرية، وإرث اقتصادي وثقافي يسعى الأهالي للحفاظ عليه في وجه التغيرات المناخية والظروف الاقتصادية القاسية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي