تحليل توماس فريدمان: ترامب وحرب إيران.. ثمن باهظ لصفقة غير مثالية


هذا الخبر بعنوان "توماس فريدمان في نيويورك تايمز.. كم كأسا مُرّة سيتجرعها ترامب في حرب إيران؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عمود رأي بصحيفة "نيويورك تايمز"، يطرح الكاتب توماس فريدمان سؤالين جوهريين حول الحرب الأمريكية على إيران. يتساءل أولاً عن حجم المرارة التي سيتجرعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء هذا الصراع بأقل قدر من الإنجازات، وثانياً عما إذا كان ترامب سيصف هذه المرارة بأنها "وجبة فاخرة".
يشير فريدمان إلى أنه لا يمانع في أن يضطر ترامب لتجرع كؤوس عديدة من المرارة، كعدم تحقيق "الاستسلام غير المشروط" لإيران الذي وعد به، إذا كان ذلك سيؤدي إلى تخلي إيران عن حوالي 1000 كيلوغرام من اليورانيوم القريب من درجة صنع السلاح النووي. ويرى أن هذا الإجراء من شأنه أن يزيل التهديد المباشر بامتلاك إيران قنبلة نووية.
ومع ذلك، يشدد فريدمان على أن تأمين هذا اليورانيوم عالي التخصيب، حتى لو تم، لا يخولنا القول إن ترامب انتزع صفقة مثالية أو مغرية. فمثل هذه الصفقة لن تُبقي النظام في السلطة فحسب، مع احتفاظه بنحو 10 أطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب، بل ستقويه بشكل مقلق. ويضيف أن التاريخ سيذكر أن ترامب ونائبه جيه دي فانس ووزير الحرب بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو هم الفريق الذي منح إيران فرصة جديدة للحياة في اللحظة التي كانت فيها بأضعف حالاتها أمام شعبها.
ويرى فريدمان أن الطريقة الوحيدة التي ستتخلى بها إيران عن اليورانيوم القريب من درجة صنع القنبلة النووية ستكون في إطار اتفاق يرفع الحظر الأمريكي على صادرات النفط الإيرانية ويفكك شبكة العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على طهران. وهذا من شأنه أن يمنح النظام مصدراً مالياً ضخماً يستخدمه لشراء ذمم المعارضة، ومواصلة قمع الشارع، وتمويل وكلائه في لبنان والعراق واليمن.
وينقل الكاتب عن روبرت ليتواك، خبير الحد من التسلح ومؤلف كتاب "الدول المارقة والسياسة الخارجية الأمريكية"، قوله إن ترامب أطلق هذه الحرب بهدف تغيير النظام في طهران، لكنه الآن على وشك إنهائها عبر صفقة ستكون نسخة معدّلة من الاتفاق الذي فاوض عليه أوباما عام 2015 وقيد طموحات إيران النووية قبل أن يتخلى عنه ترامب "بتهور" عام 2018.
ويضيف فريدمان أن ترامب وفريقه للأمن القومي لم يضعوا -على ما يبدو- أي سيناريوهات قبل الحرب، واعتمدوا فقط على وعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن النظام الإيراني سيتهاوى ويسقط بعد أسابيع قليلة من القصف العنيف. وقد فشلوا في توقع ما يمكن أن تفعله إيران وهي في موقف المحاصر. فقد كان أول ما فعلته إيران هو إغلاق مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحن النفط والذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم الخام، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.
بالإضافة إلى ذلك، اكتشفت إيران قدرتها على خنق الاقتصاد الأمريكي والعالمي فقط ببعض الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز وعناصر قليلة من الحرس الثوري، وفقاً لفريدمان. وبعبارة أخرى، افترض ترامب ونتنياهو أن منظومتهما العسكرية العملاقة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات يمكن استخدامها لقصف إيران وإجبارها على التخلي عن مكونات سلاح دمار شامل، لكنهما مكّنا إيران من اكتشاف "سلاح التعطيل الشامل" الذي تملكه.
ويشدد الكاتب على أن هذه الخطوات المتهورة مكنت النظام الإيراني من اكتشاف أهمية سلاحه الدائم الذي لا يقدر بثمن، وهو إغلاق أهم صنبور نفط في العالم متى شاءت. ويشير إلى أن فشل ترامب في توقع هذا الأمر طبيعي لأنه يعتقد أنه يعرف كل شيء، بينما هو في الواقع لا يعرف شيئاً.
ويحيل فريدمان إلى الدرس الذي ألقاه الرئيس الأمريكي ونائبه على ضيف البيت الأبيض فولوديمير زيلينسكي عندما قالا له إنه لا يملك أوراقاً وعليه الخضوع لإرادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويتخيل فريدمان ما لو أن ترامب وفانس كانا فضوليين ومتواضعين، وسألا زيلينسكي عن سر قدرته المدهشة على مقاومة القوة الروسية العظمى. عندها كان زيلينسكي سيقول: "سيد ترامب، سيد فانس، دعني أشرح لكما كيف أعادت الطائرات المسيّرة تشكيل ساحة المعركة الحديثة، ومكّنت الصغير من التصرف كأنه كبير، والضعيف من التصرف كأنه قوي".
وربما كان ترامب عندها سيسأل هيغسيث قبل أن يبدأ هذه الحرب بضربات ضخمة: "اسمع يا بيت، ماذا لو فعلت إيران مثل أوكرانيا، وألقت فقط ببضع طائرات مسيّرة لا يتجاوز ثمن الواحدة منها 30 ألف دولار في مضيق هرمز وأغلقته؟ ماذا نفعل عندئذ؟" ولأن ترامب، فيما يبدو، لم يطرح هذا السؤال أبداً، ولأن هيغسيث كان جاهلاً أو خائفاً أكثر من أن يطرحه، فإن الحرس الثوري الإيراني "حقق ما يعادل وظيفياً سلاحاً نووياً، من خلال قدرته على خنق الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز، واحتجاز البنية النفطية والمدنية لدول الخليج رهينة"، كما قال ليتواك.
ويرى فريدمان أن ترامب، بتصرفاته ومقترحاته المرتجلة، يبعث برسالة مقلقة إلى إيران وحلفاء واشنطن مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً يمكن الوثوق بثباته. ويستدل على ذلك بدعوته المفاجئة جميع الدول، بما فيها تركيا وباكستان ومصر والأردن والسعودية وحتى إيران، إلى توقيع اتفاقات أبراهام فوراً، رغم أن بعضها لديه أصلاً سلام مع إسرائيل، وبعضها الآخر يرفض التطبيع أو يربطه بحل الدولتين.
ويعتبر فريدمان أن طرح فكرة انضمام إيران إلى اتفاقات سلام مع إسرائيل بعد الحرب أمر غير واقعي إلى حد السخرية، ويكشف غياب التخطيط والخبرة. ويضيف أن هذا النوع من المواقف يزيد قلق الحلفاء العرب والإسرائيليين من أن الحليف الأمريكي تقوده شخصية غير مستقرة ولا يمكن التنبؤ بقراراتها.
ويختتم فريدمان بالقول إن إسقاط النظام الإيراني وإنهاء طموحاته النووية كانا سيخدمان مستقبل الشرق الأوسط، لكن ذلك يتطلب خطة محكمة، وسيناريوهات مدروسة، وتحالفات واسعة وشرعية دولية. لكن ترامب و"فريقه الفوضوي" لم يفعلوا أي شيء من ذلك، بل منحوا في المقابل النظام الإيراني فرصة جديدة للبقاء، ونفوذاً دائماً على إمدادات النفط العالمية، وموارد إضافية لمواصلة زعزعة المنطقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة