نقيب المحامين السوريين: اكتشاف الأدلة الكيميائية يمثل تقدماً نوعياً في ملاحقة جرائم النظام البائد ويؤسس للعدالة الشاملة


هذا الخبر بعنوان "نقيب المحامين لـ سانا: الأدلة الكيميائية المكتشفة تعزّز بناء ملف قضائي ضد النظام البائد" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكد نقيب المحامين السوريين محمد علي الطويل أن العثور على ذخائر كيميائية ومواد تدخل في تصنيع غاز السارين، تعود لحقبة النظام البائد، يُعد دليلاً مادياً بالغ الأهمية في بناء أي ملف قضائي يتعلق بجرائم استخدام هذه الأسلحة ضد السوريين. وأوضح الطويل، في تصريح خاص لوكالة سانا، أن هذه الأدلة تربط بشكل مباشر بين القدرة التقنية والتنفيذ العملي للهجمات، وتمثل تقدماً نوعياً في مسار إزالة مخلفات البرنامج الكيميائي وملاحقة المتورطين فيه.
وأشار الطويل إلى أن القانون الجنائي الدولي يعتبر الأدلة المادية من أقوى وسائل الإثبات، خاصة إذا اقترنت بسلاسل حفظ وتوثيق دقيقة وتقارير خبراء وشهادات ناجين وأوامر عسكرية أو اتصالات داخلية. وبيّن أن هذه الأدلة قد لا تكون حاسمة بمفردها دائماً، لكنها تُشكّل ركيزة مركزية لإثبات وقوع الجريمة وطبيعة السلاح المستخدم وربط المتهمين بالبنية التشغيلية للبرنامج الكيميائي.
وأوضح نقيب المحامين أن اعتقال ضباط وخبراء من البرنامج الكيميائي يفتح الباب لكشف «سلسلة القيادة» التي تُعد جوهر المسؤولية الجنائية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ولفت إلى أن المساءلة لا تقف عند المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى من أصدر الأوامر أو سهّل أو غطّى على الجريمة. ومن خلال التحقيقات، يمكن تتبع آليات اتخاذ القرار العسكري والأمني، ما يعزز تطبيق مبدأ «مسؤولية القائد» ويكرّس عملياً مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وهو أحد أهم مبادئ العدالة الدولية الحديثة.
وبيّن الطويل أن الرسالة الرادعة من اعتقال كوادر البرنامج الكيميائي تتمثل في أن استخدام الأسلحة المحظورة دولياً لا يسقط بالتقادم، لأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأن مرتكبي هذه الجرائم يمكن ملاحقتهم مهما طال الزمن. كما أن المعلومات المستخلصة من التحقيقات قد تساعد في تحديد أماكن التخزين، وآليات النقل، والجهات الممولة أو الداعمة، ما يعزز ملفات التعويض وجبر الضرر أمام المحاكم المدنية أو محاكم العدالة الانتقالية، ويمنح الضحايا أساساً أقوى لإثبات الضرر والمسؤولية.
ولفت الطويل إلى أن التعاون العلني مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يمنح سوريا مكسباً دبلوماسياً مهماً، لأنه يعكس التزام الدولة بالمعايير الدولية وباتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ويعيد بناء الثقة مع المجتمع الدولي بعد سنوات من الشكوك والصراع. ويساهم هذا التعاون في دعم جهود رفع العزلة السياسية، ويفتح المجال أمام شراكات تقنية وقانونية وأمنية، ويعزز صورة الدولة بوصفها شريكاً في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وأكد الطويل أن أثر اكتشاف أدلة الهجمات الكيميائية، مثل هجوم الغوطة الكيميائي وهجمات اللطامنة الكيميائية، لا يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل يمتد إلى البعد الإنساني والمعنوي لعائلات الضحايا. فهذه الأدلة تُعيد تثبيت الحقيقة التاريخية وتواجه محاولات الإنكار أو التشكيك، كما تمنح الأهالي شعوراً بأن معاناة أبنائهم موثقة ومعترف بها رسمياً. ويُعد حق الضحايا في معرفة الحقيقة من الحقوق الأساسية المعترف بها في القانون الدولي لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.
وأشار نقيب المحامين إلى أن العدالة الشاملة لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل جبر الضرر وإعادة التأهيل النفسي والطبي والاجتماعي للناجين. لذلك، فإن ربط جهود المساءلة الكيميائية ببرامج دعم الضحايا يُعد أمراً جوهرياً، سواء عبر إنشاء صناديق تعويض، أو برامج علاج طويلة الأمد للمتضررين من الغازات السامة، أو ضمان الرعاية الصحية والتأهيل المجتمعي. وهذا ينسجم مع مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الضحايا في الإنصاف والتعويض وضمان عدم التكرار.
وبيّن الطويل أنه يمكن لـ«مجموعة العمل الوطنية» التي شُكّلت عام 2025 أن تلعب دوراً محورياً في توحيد جهود التوثيق والأرشفة والتحقيق، بما يضمن بناء ملفات قضائية محلية متوافقة مع المعايير الدولية. كما يمكنها التنسيق بين الجهات القضائية والأمنية والطبية ومنظمات الضحايا، وتطوير قواعد بيانات وسلاسل أدلة قابلة للاستخدام أمام المحاكم الوطنية أو الدولية، بما يعزز السيادة القضائية السورية ويمنح القضاء الوطني دوراً رئيسياً في المحاسبة.
واعتبر الطويل أن التعاون الفني مع خبراء دوليين يسهم في نقل المعرفة وبناء قدرات الكوادر السورية في مجالات حساسة مثل التعامل مع المواد الخطرة، والتحليل الجنائي الكيميائي، وحفظ الأدلة، والتحقيق في جرائم الحرب. وهذا لا يقتصر على معالجة إرث الماضي، بل يؤسس لقدرات وطنية مستدامة تمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً وتعزز جاهزية المؤسسات السورية للتعامل مع أي تهديدات مماثلة.
وأوضح نقيب المحامين أن دمج التخلص من الإرث الكيميائي ضمن مسار العدالة الانتقالية، يضمن عدم التعامل مع الملف باعتباره قضية أمنية فقط، بل باعتباره جزءاً من عملية وطنية أشمل لكشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والمصالحة المجتمعية. وأن إزالة الترسانة الكيميائية يجب أن تترافق مع الاعتراف بالضحايا وتوثيق الانتهاكات وضمان الإصلاح المؤسسي، بما يرسخ الثقة بين الدولة والمجتمع ويمنع تكرار الانتهاكات.
ولفت الطويل إلى أنه من أبرز الدروس المستخلصة من التجربة السورية، أن الإفلات المبكر من العقاب يشجع على تكرار الانتهاكات، وأن ضعف آليات الردع الدولية قد يؤدي إلى استخدام أسلحة محرمة رغم الحظر القانوني الواضح. كما تؤكد التجربة أهمية سرعة التوثيق، وتعزيز استقلالية التحقيقات الدولية، وتطوير آليات إنذار مبكر واستجابة جماعية أكثر فعالية لمنع استخدام الأسلحة الكيميائية في النزاعات المستقبلية.
وشدد الطويل على أن الاكتشافات المعلنة تحمل أثراً قانونياً وسياسياً مهماً، لأنها تعزز مصداقية الروايات المتعلقة بوجود برنامج كيميائي نشط خلال حقبة النظام البائد، وتدعم مطالب استمرار التحقيقات الدولية والمساءلة. كما أنها قد تدفع المجتمع الدولي إلى زيادة دعمه الفني والسياسي لسوريا في ملف تفكيك الإرث الكيميائي، وخاصة مع دعوات المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى تكثيف التعاون الدولي لإنهاء هذا الملف بصورة نهائية، بما يحقق الأمن الدولي ويحفظ حقوق الضحايا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة