مستقبل الصحافة السورية وحرياتها: لقاءات باريسية تقيّم التقدم وتحدد التحديات بعد سقوط نظام الأسد


هذا الخبر بعنوان "لقاءات في باريس تناقش واقع الحريات ومستقبل الصحافة السورية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
استضاف معهد العالم العربي (IMA) في باريس سلسلة من الجلسات الحوارية تحت عنوان: “أي حريات للصحفيين في سوريا؟”، حيث ناقشت هذه اللقاءات واقع الإعلام السوري بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، والتحديات الجسيمة التي تواجه الصحفيين ووسائل الإعلام في المرحلة الراهنة. وتناولت الجلسات بعمق حرية الصحافة في سوريا، ودور النقابات والجمعيات المهنية في توفير الحماية للصحفيين، بالإضافة إلى استشراف مستقبل الإعلام السوري في ظل التحولات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها البلاد. كما ركزت النقاشات على دور وسائل الإعلام السورية في مجتمع لا يزال يعيش حالة من الاستقطاب، وبحثت أوضاع الصحفيين السوريين المقيمين في المنفى، وإمكانية عودتهم لممارسة عملهم من داخل سوريا بعد سنوات طويلة قضوها خارج البلاد.
“مراسلون بلا حدود”: سوريا تحقق تقدمًا ملحوظًا على مؤشر الحرية
في هذا السياق، صرح جوناثان داغر، رئيس مكتب الشرق الأوسط في منظمة “مراسلون بلا حدود”، لـ سوريا 24 بأن سوريا شهدت تقدمًا غير مسبوق على مؤشر حرية الصحافة عقب سقوط نظام الأسد، حيث ارتفعت 36 مرتبة دفعة واحدة، وهو تحسن نادر لا تشهده الدول عادة في فترة زمنية قصيرة. وأوضح داغر أن سوريا كانت تحتل المرتبة 179 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة قبل سقوط النظام، وهو تصنيف عكس حجم القمع والانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون والإعلاميون خلال سنوات الحرب. وأضاف أن هذا التقدم يعزى بشكل كبير إلى الجهود الدؤوبة للصحفيين والناشطين السوريين الذين عملوا طوال سنوات الثورة من أجل الدفاع عن حرية التعبير وبناء إعلام مستقل يليق، على حد وصفه، “بتضحيات السوريين وطموحاتهم الديمقراطية”.
لكن داغر شدد في الوقت نفسه على أن هذا التحسن لا يعني أن واقع الصحافة في سوريا قد أصبح مثاليًا، موضحًا أن المقارنة الحالية لا تزال تُقاس بمرحلة كانت فيها البلاد واحدة من أخطر البيئات على العمل الصحفي في العالم. وقال: “المطلوب اليوم ألا نقارن أنفسنا فقط بزمن الأسد، بل أن نطمح إلى نموذج إعلامي حر ومستقل يواكب تطلعات السوريين”. وأشار داغر إلى أن العديد من الصحفيين ما يزالون يواجهون تحديات ومخاطر مهنية وأمنية، خاصة الصحفيات وبعض الصحفيين المنتمين إلى أقليات دينية، الذين لا يتمتعون، بحسب قوله، بنفس مستوى الفرص والحريات. كما لفت إلى أن التوترات الأمنية، بما في ذلك التصعيد الإسرائيلي في جنوب سوريا، تؤثر بشكل مباشر على قدرة الصحفيين على العمل والتنقل والوصول إلى المعلومات.
دعوات لتحقيق العدالة لأكثر من 280 صحفيًا قُتلوا خلال الحرب
وأكد داغر أن تحقيق العدالة للصحفيين الذين قُتلوا خلال سنوات النزاع يجب أن يكون أولوية قصوى بالنسبة للسلطات السورية الجديدة، موضحًا أن أكثر من 280 صحفيًا سوريًا قُتلوا خلال السنوات الماضية، منهم 183 صحفيًا قضوا على يد قوات النظام السابق. وأضاف: “لا يمكن بناء صحافة حرة من دون محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين”. كما دعا إلى الكشف عن مصير أكثر من 45 صحفيًا ما يزالون في عداد المفقودين، مشيرًا إلى أن عائلاتهم ما تزال تنتظر إجابات منذ سنوات. ورأى داغر أن مستقبل الحريات العامة في سوريا مرتبط بشكل مباشر بحرية الصحافة، واصفًا الصحافة بأنها “أم الحريات”، وشدد على أهمية إقرار تشريعات تضمن حق الوصول إلى المعلومات وتحمي استقلالية المؤسسات الإعلامية وسياساتها التحريرية. واختتم حديثه بالقول إن الطموح اليوم لا يقتصر على تحسين ترتيب سوريا مقارنة بالماضي، بل يتعداه إلى الوصول إلى صحافة مستقلة وحرة بالكامل، معربًا عن أمله بأن تصبح سوريا مستقبلًا من بين الدول العشر الأولى عالميًا على مؤشر حرية الصحافة.
اتحاد الصحفيين السوريين: إلغاء قيود سابقة وفتح الانتساب أمام صحفيي الخارج
من جهته، أفاد محمود أبو راس، أمين الشؤون المهنية في اتحاد الصحفيين السوريين، بأن جلسات النقاش التي عُقدت في معهد العالم العربي بباريس شكّلت مساحة “متنوعة وإيجابية” لمناقشة واقع الإعلام السوري والتحديات التي يواجهها في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أهمية وجود شخصيات ومؤسسات غير سورية مهتمة بالملف السوري وداعمة للصحفيين السوريين. وأضاف أبو راس أن هذه اللقاءات تعكس حجم الاهتمام الدولي بمستقبل الإعلام في سوريا، خاصة بعد التحولات السياسية الأخيرة، موضحًا أن العديد من الصحفيين السوريين تمكنوا خلال السنوات الماضية من اكتساب خبرات مهنية كبيرة في مؤسسات ومنصات إعلامية مختلفة حول العالم. وفيما يتعلق بواقع العمل الصحفي داخل سوريا، رأى أبو راس أن البيئة الحالية أصبحت “إيجابية” مقارنة بالسنوات السابقة، وأن الصعوبات التي قد تواجه الإعلام المستقل والتمويل مفهومة، معربًا عن أمله بعودة المؤسسات الإعلامية السورية للعمل من داخل البلاد، إلى جانب عودة الصحفيين السوريين الذين راكموا خبرات واسعة خلال سنوات العمل في الخارج.
أما بالنسبة لـ “مدونة السلوك” الخاصة بالعمل الإعلامي، فينظر إليها أبو راس على أنها تمثل إطارًا أخلاقيًا ومهنيًا التزمت به المؤسسات الإعلامية التي وقعت عليها، مشيرًا إلى أن الخطوة المقبلة تتمثل في تشكيل لجنة مختصة لمراقبة تطبيق المدونة وآلية التعامل مع أي خروقات أو تجاوزات تتعلق بها. وقال إن اتحاد الصحفيين يعمل حاليًا على توثيق الانتهاكات المهنية المرتبطة بمدونة السلوك من خلال إعداد تقارير دورية، على أن يكون للاتحاد دور مباشر مستقبلًا ضمن لجنة مراقبة الخروقات وآليات التعامل معها، بالتنسيق مع الجهات التي شاركت في إعداد المدونة وإقرارها. وفيما يخص الانتساب إلى اتحاد الصحفيين، كشف أبو راس أن قرارًا صدر بإعادة جميع الصحفيين الذين فُصلوا سابقًا لأسباب مالية أو بسبب مواقفهم المرتبطة بالثورة، مع تسوية أوضاعهم الإدارية والمالية دون إلزامهم بتسديد المستحقات السابقة المتراكمة عليهم. وأضاف أبو راس أن الاتحاد ألغى عددًا من الشروط التي فُرضت خلال حقبة النظام السابق، ومن بينها القيود التي كانت تمنع الصحفيين السوريين المقيمين خارج البلاد من الانتساب إلى الاتحاد، مؤكدًا أنه جرى فتح المجال أمامهم للانتساب مجددًا، إلى جانب خريجي كليات الإعلام. وأوضح أن الاتحاد وضع في المقابل حدًا أدنى من الشروط المهنية والعلمية للانتساب، بحيث يكون الصحفي حاصلًا على شهادة الثانوية العامة على الأقل، إضافة إلى امتلاكه خبرة عملية في المجال الإعلامي. وبحسب أبو راس، بلغ عدد المنتسبين إلى اتحاد الصحفيين السوريين نحو 3500 صحفي، بينهم قرابة 920 صحفيًا متقاعدًا.
التحدي اليوم هو استدامة وسائل الإعلام السورية
بدوره، قال منار رشواني، المدير في مؤسسة “سراج” والمراسل السوري ضمن برنامج “صحافة ميديا”، إن الورشات الحوارية التي عُقدت في معهد العالم العربي بباريس جاءت بتنظيم من جمعية “صحافة ومواطنة” الفرنسية، التي يندرج ضمنها برنامج “صحافة ميديا” المعني بتغطية قضايا دول جنوب المتوسط، إضافة إلى العراق واليمن. وأوضح رشواني أن ورشة هذا العام خُصصت لمناقشة واقع الإعلام السوري بعد عام على التحرير، والتقدم غير المسبوق الذي حققته سوريا على مؤشر “مراسلون بلا حدود” لحرية الصحافة، معتبرًا أن هذه اللقاءات تمثل فرصة لتقييم التحولات التي يشهدها القطاع الإعلامي السوري بعد سنوات طويلة من الحرب والقمع. وأضاف أن الهدف الأساسي من هذه الورشات يتمثل في “توجيه التحية للصحفيين السوريين”، سواء لأولئك الذين قُتلوا أو جُرحوا خلال سنوات النزاع، أو للصحفيين الذين ما يزالون يعملون داخل سوريا وخارجها رغم التحديات، ويواصلون أداء دورهم المهني. وأشار إلى أن الصحافة السورية حققت خلال سنوات الثورة “إنجازات كبيرة ومهمة”، سواء على مستوى التغطيات الميدانية أو بناء منصات إعلامية مستقلة، معتبرًا أن التحدي اليوم يتمثل في كيفية الحفاظ على وسائل الإعلام السورية وضمان استدامتها واستقلاليتها في المرحلة المقبلة. وقال رشواني إن هذه اللقاءات تتيح مساحة حوار بين الصحفيين السوريين ونظرائهم الفرنسيين، بما يساعد على تبادل الخبرات وتطوير المهارات المهنية ومواكبة التحولات الحديثة في قطاع الإعلام، خصوصًا في مجالات الإعلام الرقمي وأساليب العمل الصحفي المعاصر. وأضاف أن المنظمين كانوا يأملون بحضور عدد أكبر من الصحفيين السوريين القادمين من الداخل، بهدف تعزيز التواصل المباشر وتوسيع النقاش حول مستقبل الإعلام السوري والتحديات المهنية التي يواجهها بعد سنوات طويلة من الانقسام والنزاع.
ورغم التقدم الذي شهدته سوريا على مؤشر حرية الصحافة بعد سقوط النظام السابق، فإن المشاركين في اللقاءات أجمعوا على أن الطريق ما يزال طويلًا أمام بناء بيئة إعلامية حرة ومستقلة بالكامل. فبعد سنوات من القمع والانتهاكات والانقسام، تبدو الصحافة السورية اليوم أمام اختبار جديد: الانتقال من مرحلة النجاة والبقاء إلى مرحلة ترسيخ المعايير المهنية وحماية الحريات واستقلالية المؤسسات الإعلامية. وبينما عبّر المشاركون عن تفاؤل حذر بإمكانية بناء مشهد إعلامي مختلف في سوريا، شددوا في الوقت نفسه على أن تحقيق هذا الهدف يبقى مرتبطًا بضمان العدالة للصحفيين الذين قُتلوا أو فُقدوا خلال سنوات الحرب، وإقرار تشريعات تحمي حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات، إلى جانب توفير بيئة آمنة تتيح للصحفيين العمل بعيدًا عن الضغوط السياسية والأمنية. وفي ختام النقاشات، بدا واضحًا أن الرهان الأكبر لا يتعلق فقط بتحسين ترتيب سوريا على المؤشرات الدولية، بل ببناء صحافة قادرة على مواكبة تطلعات السوريين أنفسهم، بعد سنوات طويلة كان فيها الصوت الحر أحد أكثر الأصوات استهدافًا في البلاد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة