الدرباسية بريف الحسكة: ألعاب "شيخ ورهان" تحافظ على روح العيد وبساطته لأربعة عقود


هذا الخبر بعنوان "أرجوحة تتأخر عن السقوط.. ذاكرة العيد في الدرباسية بريف الحسكة" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من شرفة سطح منزلها بالطابق الثالث، تتابع خالصة، البالغة من العمر أربعة وخمسين عاماً، مشهد الأطفال وهم يتناوبون على الأرجوحة الحديدية تحت ظلال أشجار الزيتون. ورغم صعوبة نزولها إلى الشارع بسبب المرض، إلا أنها تحتفظ بذاكرة حية لهذا المشهد المفعم بصرخات الصغار وضحكاتهم المتداخلة، وصوت الحديد القديم الذي يتحرك ببطء، وكأنه يقاوم السقوط. في الأسفل، تعود ألعاب والدها الراحل "شيخ ورهان" للدوران مجدداً، كما اعتادت أن تفعل في كل عيد على مدى أكثر من أربعة عقود.
في مدينة الدرباسية بريف الحسكة، لا يتطلب العيد وجود مدن ملاهٍ ضخمة ليحلّ الفرح، فمجرد ظهور "السفينة" المعدنية والأرجوحة القديمة في الشارع، كفيل بإعلان بدء أيام العيد للأهالي. لقد أصبح اسم "شيخ ورهان" جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المدينة، حيث تعاقبت ثلاثة أجيال على الانتظار بشغف لدورها في هذه الألعاب البسيطة، واليوم يقف الجيل الرابع في الطابور ذاته، بنفس اللهفة والعيون الواسعة التي حملها آباؤهم وأمهاتهم قبل سنوات طويلة.
قبل حلول العيد بأيام، كان "شيخ ورهان" يخرج إلى الشارع ليثبت ألعابه الصغيرة، تاركاً إياها حتى انقضاء أيام العيد. لم تكن هذه الألعاب حديثة أو براقة، بل كانت مجرد أرجوحة وسفينة قام بصنعهما بنفسه من الحديد الزائد في منزله، لكنه كان يرى فيهما قيمة تفوق كونهما مجرد ألعاب عابرة. يروي مقربون منه قبل وفاته أنه كان يقول إن هدفه الأساسي هو "إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال"، خاصة في مدينة صغيرة كالدرباسية لم تكن تعرف الحدائق العامة أو وسائل الترفيه الحديثة في ذلك الوقت. لقد صنع ألعاباً تشبه الدرباسية نفسها؛ متعبة، قديمة بعض الشيء، لكنها لا تموت. كانت السفينة المعدنية تصدر صريراً خافتاً مع كل دفعة للأمام، بينما يقف الأطفال تحت أشجار الزيتون، يترقبون دورهم بعيون متحمسة، وكأنهم أمام مدينة ملاهٍ متكاملة.
وفي شهادة لوالد الطفلة نور (10 أعوام) لـ"نورث برس"، يقول: "ألعاب شيخ ورهان أصبحت بالنسبة لنا هوية للعيد، فأولادنا عندما يأتون إلى هنا يعيشون أجواء مختلفة، ويشعرون بفرحة بسيطة وحقيقية". من جانبها، تعبر سمية صديق (35 عاماً) لـ"نورث برس" عن شعورها بأن رؤية هذه الألعاب في كل عيد يعيدها مباشرة إلى ذكريات طفولتها، قائلة: "كنا نفرح بوجودها أكثر من فرحتنا بسكاكر العيد نفسها، واليوم عندما أرى الأطفال يلعبون هنا، أشعر أننا ما زلنا قادرين على الحفاظ على جمال البساطة". وتضيف: "الأطفال اليوم لديهم هواتف وألعاب إلكترونية وأساليب ترفيه كثيرة، لكن وجود هذه الألعاب القديمة في منطقة صغيرة مثل الدرباسية ما يزال يجمع الناس حول فرحة واحدة".
بعد وفاة "شيخ ورهان"، ساد الخوف بين الكثيرين من أن تختفي هذه الألعاب معه، وأن يتحول المكان إلى مجرد ذكرى أخرى من أعياد المدينة القديمة. لكن خالصة رفضت أن تنتهي هذه الحكاية، فمنذ سنوات، تتولى هي وحدها مهمة إخراج الألعاب إلى الشارع في كل عيد، محافظة على الطقس ذاته الذي اعتاده الأهالي منذ عام 1984. وما يزال الأطفال يدفعون مبلغاً رمزياً، ليس بهدف الربح، بل لضمان التزام كل طفل بدوره ووقته المحدد في اللعب.
وتصرح خالصة لـ"نورث برس" قائلة: "لا أريد أن أغلق الصفحة التي فتحها والدي لرسم البسمة على وجوه الأطفال". ورغم حالتها الصحية الصعبة، تتابع كل تفاصيل المشهد من شرفة السطح أو من خلف النافذة، تشاهد الأطفال يركضون حول الألعاب، وتراقب الأمهات وهن يلتقطن الصور، وكأنها تشاهد فصلاً كاملاً من الحياة يدور في المكان ذاته منذ أربعين عاماً.
وبصوت هادئ، تقول: "الألعاب تتعرض للتلف كثيراً، وتحتاج إلى إصلاح مستمر، وبالتأكيد يجب أن تتغير وتتطور، لكن وضعي المادي لا يسمح بذلك، ولم يقدم أحد أي مساعدة لجلب ألعاب جديدة". لهذا السبب، تواصل خالصة إصلاح القطع القديمة بنفسها، محافظة على الألوان ذاتها تقريباً، وعلى الروح الأصيلة للمكان كما تركها والدها.
في زمن تبدلت فيه مظاهر الأعياد، وأصبحت الشاشات تجذب الأطفال بعيداً عن الشوارع، ما تزال ألعاب "شيخ ورهان" تقاوم الاندثار بصوت الحديد العتيق وضحكات الصغار. ربما لا تستطيع هذه الألعاب منافسة مدن الملاهي الحديثة، لكنها تنجح في تحقيق أمر أكثر صعوبة؛ وهو إعادة الروح الأولى للعيد. وبينما تدور الأرجوحة القديمة كل عام وسط أشجار الزيتون، يبدو أن "شيخ ورهان" لم يرحل تماماً بعد. تحرير: تيسير محمد.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي