كاليجولا في دمشق: رواية ابتسام تريسي تفكك بنية الاستبداد السوري وتعمق في جذوره النفسية


هذا الخبر بعنوان "رواية “كاليجولا في دمشق”.. قراءة أدبية في تشكل الطغيان وتحولات الذاكرة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حين يتحول الأدب إلى فضاء لمساءلة الخراب الإنساني، تتجاوز الرواية مجرد الحكاية لتصبح محاولة لفهم العنف المتولد عن سلطة الاستبداد عندما تنفصل عن الأخلاق والذاكرة والإنسان. في روايتها "كاليجولا في دمشق"، تتناول الروائية السورية ابتسام تريسي تفكيك بنية الاستبداد السوري خلال فترة النظام البائد، مقدمة نصاً سردياً يمزج بين التاريخ والسياسة والتحليل النفسي، ويعيد قراءة جرائم ذلك النظام بوصفها نتاج منظومة متجذرة من الخوف والقمع والمرض الأخلاقي.
صدرت الرواية عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر عام 2022 في 306 صفحات، وشكلت نقطة تحول بارزة في مسيرة تريسي الأدبية. اعتمدت الكاتبة تقنية سردية تستحضر شخصيات تاريخية وأدبية عالمية، وتسقطها على شخصيات تنتمي إلى بنية السلطة، بهدف الكشف عن التكوين النفسي والسياسي للطغيان، ليس كفعل فردي فحسب، بل كمنظومة حكم متكاملة تترك آثارها العميقة في الضحايا والمجتمع بأسره.
تتمحور الرواية حول شخصية "كاليجولا الهجين"، المستوحاة من الإمبراطور الروماني الشهير كاليجولا، الذي ارتبط اسمه تاريخياً بالهوس بالقوة والبطش. تعيد تريسي صياغة هذه القصة في سياق سوري معاصر، حيث يتحول الحاكم إلى شخصية مهووسة بالعنف والتدمير، ترى البشر مجرد أدوات في لعبة دموية. من خلال هذه الشخصية، تطرح الرواية سؤالاً قاسياً: كيف يتحول الإنسان إلى طاغية؟ وكيف يصبح القتل وسيلة لإثبات الذات والسيطرة؟
لا تكتفي تريسي بوصف الاستبداد من الخارج، بل تتعمق في جذوره النفسية للعائلة الحاكمة، بدءاً من الجد والأب وصولاً إلى الابن الذي يتفوق على الجميع في القسوة، لتقدم صورة لتراكم العنف داخل سلطة النظام البائد وتحوله إلى إرث سياسي ونفسي. كما تحضر في الرواية شخصيات رمزية أخرى، مثل "الملكة الحمراء" و"إيما بوفاري"، في تداخل بين التاريخ والمتخيل والسرد النفسي، مما يمنح النص أبعاداً متعددة للقراءة دون أن ينأى عن الواقع السوري وذاكرته الجريحة.
اعتمدت تريسي بناءً سردياً يقوم على المقاطع القصيرة المتشابكة، متنقلة بين دمشق وأوروبا، وبين الماضي والحاضر، لتتكامل اللوحة السردية تدريجياً أمام القارئ. تقوم الرواية على لعبة الإحالات الرمزية، حيث تحمل الشخصيات أسماء ذات دلالات تاريخية وأدبية، مما يدفع القارئ إلى البحث في خلفياتها لفهم أبعادها النفسية والفكرية. وتطرح الرواية أيضاً سؤال الحقيقة والسلطة، فلكل شخصية روايتها الخاصة للأحداث، بما في ذلك الطغاة أنفسهم الذين يسعون لإعادة كتابة ذاكرتهم وتبرير جرائمهم، ليصبح السرد هنا مواجهة للتزوير ومحاولة لاستعادة المعنى من بين ركام الدعاية والخوف.
من أكثر المقاطع قسوة في الرواية مشهد قتل الطاغية لفرس بيضاء داخل الإسطبل لمجرد التسلية، وهي صورة تختزل العبث الدموي الذي يحكم الشخصية، وتكشف عن علاقته بالعالم كمساحة لإنتاج الرعب. تكمن أهمية هذا المشهد في أنه لا يقدم العنف كقرار سياسي فحسب، بل كمتعة مرضية، وجزء من تكوين داخلي يرى في الكائنات الحية موضوعاً للسيطرة والإبادة.
تنتقل الرواية بعد ذلك إلى عالم الخادمات والعاملين داخل القصر، لتكشف عن طبقات أخرى من الخوف والقهر ضمن منظومة السلطة، حيث لا مكان للأمان حتى في التفاصيل اليومية الصغيرة. فالعنف لا يقتصر على السجون والقرارات الكبرى، بل يتسرب إلى البيوت والغرف والعلاقات الإنسانية، محولاً الحياة بأكملها إلى مساحة للمراقبة والقلق.
في تصريح لوكالة "سانا" حول الرواية، قالت الكاتبة ابتسام تريسي: "كان لديّ إحساس، رغم ضبابية المشهد السوري وقتامته، بأن النظام البائد سيسقط في هذا التوقيت، وربما لم أستطع رسم السيناريو الواقعي الكامل لنهايته، لكنني شعرت بأن زمنه يقترب". وأضافت: "أردت من خلال الرواية التأكيد على أن الطغاة مهما عاثوا فساداً وقتلاً وتجبروا، فإنهم إلى زوال، بينما تبقى إرادة الشعوب أقوى من الاستبداد". وأشارت تريسي إلى أن كتابة الرواية لم تكن سهلة، لأنها مزجت بين الواقع المرضي والمتخيل الروائي، في محاولة لتقديم تحليل نفسي لشخصيات تعيش داخل منظومة عنف معقدة.
يمكن النظر إلى "كاليجولا في دمشق" بوصفها إحدى الروايات السورية التي قاربت الاستبداد من زاوية نفسية ورمزية، لا من زاوية التوثيق المباشر وحده. فهي لا تكتفي بإدانة السلطة، بل تحاول فهم كيفية تشكل شخصية الطاغية، وتأثير السلطة العنيفة في المجتمع والأفراد المحيطين بها. تبرز قوة الرواية في قدرتها على الجمع بين الرواية السياسية والرواية النفسية، وبين الذاكرة والرمز، وبين الحكاية الفردية والسياق العام. ومع أن هذا الغنى الرمزي قد يجعل العمل أكثر تطلباً بالنسبة إلى القارئ العام، فإنه لا يحجب جوهر الرواية: نص عن الطغيان، والخوف، والذاكرة، وعن الإنسان حين يجد نفسه في مواجهة سلطة تسعى إلى سحقه مادياً ومعنوياً.
تُعد ابتسام تريسي من أبرز الأصوات الروائية السورية المعاصرة، وهي من مواليد مدينة أريحا في إدلب عام 1959، وخريجة كلية الآداب – قسم اللغة العربية في جامعة حلب. انشغلت في معظم أعمالها بالبيئة الاجتماعية السورية، وقضايا المرأة، والتحولات السياسية والاجتماعية، عبر لغة سردية تجمع بين الواقعية والتحليل النفسي. من أبرز أعمالها: "جبل السماق"، و"ذاكرة الرماد"، و"عين الشمس"، و"غواية الماء"، و"لعنة الكادميوم"، و"الشارع 24 شمالاً"، و"كتاب الظل"، و"بنات لحلوحة"، إضافة إلى "ليلاف: الثلج الجاف". وصلت روايتها "عين الشمس" إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2010، كما حازت عدداً من الجوائز الأدبية العربية، وكانت من أوائل الكتّاب السوريين الذين انسحبوا من اتحاد الكتاب العرب احتجاجاً على موقفه من الثورة السورية.
اقتصاد
ثقافة
اقتصاد
اقتصاد