الفلسطينيون السوريون: استمرار الحرمان من التملك العقاري رغم التغيرات السياسية


هذا الخبر بعنوان "لماذا يستمر عقاب الفلسطينيين السوريين حتى بعد سقوط الأسد؟" نشر أولاً على موقع شبكة فلسطينيو سورية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ عقود طويلة، عاش فلسطينيو سوريا ضمن وضع قانوني وسياسي استثنائي. لم يُمنحوا الجنسية السورية الكاملة، لكنهم في الوقت ذاته لم يُعاملوا كأجانب. تأسس هذا الوضع رسميًا بموجب القانون رقم 260 لعام 1956، الذي نص على أن "يعتبر الفلسطينيون المقيمون في أراضي الجمهورية العربية السورية بتاريخ نشر هذا القانون كالسوريين أصلاً في جميع ما نصت عليه القوانين والأنظمة النافذة المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية".
كان هذا النص بمثابة حجر الزاوية في العلاقة القانونية بين اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى سوريا عام 1948 والدولة السورية، مما خلق شعورًا عامًا بالاستقرار والانتماء للمجال السوري، حتى مع غياب الجنسية والحقوق السياسية. إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير بشكل جذري بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011 وانخراط المخيمات الفلسطينية فيها، حيث بدأت مرحلة جديدة من العقاب والتضييق.
على الرغم من أن القانون رقم 260 لعام 1956 ذكر بوضوح "حقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم"، إلا أنه أغفل ذكر حق التملك العقاري بشكل صريح. هذا الإغفال، الذي كان يُفهم ضمنيًا على أنه سماح، تحول لاحقًا إلى مدخل لحرمان الفلسطينيين من حق مكتسب بحكم العرف الإداري والاجتماعي لأكثر من ستين عامًا. ورغم عدم وجود نص قانوني يمنع الفلسطينيين من التملك بشكل قاطع، إلا أن الطريق فُتح لإعادة تعريف الوجود الفلسطيني في سوريا بعد عام 2011، والسعي تدريجيًا لاعتبارهم "أجانب" بدلاً من "في حكم المواطن".
طوال أكثر من ستين عامًا، لم تكن هذه المشكلة واضحة. كان فلسطينيو سوريا يشترون المنازل ويفتحون المتاجر ويرثون العقارات بإجراءات مطابقة أو قريبة جدًا من إجراءات السوريين. وفي الحياة اليومية، كان الفرق محدودًا لدرجة أن كثيرين لم ينتبهوا لغياب نص قانوني صريح يحمي حق التملك. لكن السؤال القانوني الأهم في منهج القانون السوري هو: هل الأصل هو المنع أم السماح؟
مع انطلاقة الثورة السورية، سعى نظام الأسد إلى معاقبة الشعب وابتزازه، وانسحب هذا النهج على الفلسطينيين السوريين أيضًا. بدأت حرب شائعات رسمية تتهمهم بالتخريب، تلتها تهديدات بمصير مجهول وطرد، وتصاعدت هذه الإجراءات لتصل إلى تدمير المخيمات وتهجير الفلسطينيين للمرة الثانية. ضمن هذا السياق، ظهرت قوانين جديدة سعت تدريجيًا لسلب فلسطينيي سوريا حقهم في التملك العقاري عبر ثلاث مراحل امتدت بين عامي 2011 و2022.
بعد سقوط الأسد، ساد اعتقاد بأن السلطة الجديدة قد تعيد النظر في هذه السياسات، أو على الأقل تخفف القبضة الأمنية عن الملف العقاري الفلسطيني. لكن ما حدث حتى الآن يوحي باستمرار النهج ذاته إلى حد بعيد.
بدأت هذه المرحلة بقانون تملك غير السوريين رقم 11 للعام 2011. هذا القانون لم يمنع الفلسطينيين من التملك صراحةً، لكن تطبيقه العملي دفعهم تدريجيًا نحو خانة "الأجنبي". فقد نص القانون 11 على: "يجوز إنشاء أو تعديل أو نقل أي حق عيني عقاري في أراضي الجمهورية العربية السورية لاسم أو لمنفعة شخص غير سوري طبيعيًا كان أم اعتباريًا وفق الأحكام التالية..". أُسقطت عبارة "ومن في حكمه" من النص، مما طرح تساؤلاً حول ما إذا كان الفلسطيني قد أصبح أجنبيًا.
لاحقًا، في العام 2013، عاد الفلسطيني السوري إلى خانة "من في حكم السوري" بصدور قرار مجلس الوزراء رقم 2484 لعام 2013، الذي وضع التعليمات التنفيذية للقانون 11 لعام 2011. ونص القرار على: "يقصد بعبارة غير السوري، أي شخص طبيعي أو اعتباري لا يحمل جنسية الجمهورية العربية السورية، ولا تشمل أحكام هذا القانون الفلسطينيين الذين هم في حكم السوريين وفق أحكام القانون رقم 260 لعام 1956".
في العام 2021، صدر القانون 12 الذي عدّل القانون 11 السابق بخصوص تملك الأجانب. ثم أتت تعليماته التنفيذية في القرار 1555 بتاريخ 19 سبتمبر 2021. وهنا تم التمييز بين نوعين من الفلسطينيين: فمن كان مقيمًا في سوريا قبل العام 1956 يُعامل معاملة السوري، ومن كان مقيمًا بعد عام 1956 يُعامل بالشروط التي تحكم قوانين المواطنين العرب.
جاء القرار الفاصل وهو القرار 1011 الصادر عن رئيس مجلس الوزراء عام 2022، الذي شطب استثناء الفلسطينيين السوريين لتصبح عبارة "يقصد بعبارة غير السوري، أي شخص طبيعي أو اعتباري لا يحمل جنسية الجمهورية العربية السورية" هي التعريف الوحيد، وتم حذف "ولا تشمل أحكام هذا القانون الفلسطينيين الذين هم في حكم السوريين وفق أحكام القانون رقم 260 لعام 1956".
بموجب هذا القرار، أوقفت الدوائر الرسمية عمليات شراء العقارات للفلسطينيين، وأصبحوا يُعاملون معاملة الأجنبي. صاروا يحتاجون إلى موافقة أمنية تُقدم في وزارة المالية، وموافقة وزارة الداخلية أيضًا. كما يُشترط أن يكون طالب التملك حصرًا متزوجًا صاحب أسرة، وأن يكون سبب التملك هو السكن وليس التجارة، وأن يمتلك عقارًا واحدًا فقط بمساحة لا تقل عن 140 مترًا مربعًا ومسجلًا كـ"طابو أخضر"، مما يعني أن الفلسطيني لم يعد بإمكانه الحصول على تملك من نوع "كاتب بالعدل" أو "حكم محكمة".
إذن، نحن أمام واقع ومصير فلسطيني جمعي محكوم بـ"تعليمات تنفيذية" و"تفسيرات" سياسية للقوانين، تعتمد في نهجها على عقاب مجموعة بشرية وحرمانها من حقوقها تدريجيًا، مما غيّر تعريفها الوجودي.
بالإضافة إلى القوانين الجائرة التي استعملها النظام الأسدي خلال السنوات الأخيرة، يمكن رصد عدة طبقات ومراحل لعقاب الفلسطينيين السوريين فيما يخص حقهم في التملك العقاري:
بعد سقوط الأسد، ساد اعتقاد لدى كثيرين بأن السلطة الجديدة قد تعيد النظر في هذه السياسات، أو على الأقل تخفف القبضة الأمنية عن الملف العقاري الفلسطيني. لكن ما حدث حتى الآن يوحي باستمرار النهج ذاته إلى حد بعيد. فالموافقات الأمنية لا تزال مطلوبة ولا تُمنح أصلاً، والقيود الإدارية لا تزال قائمة، ولم تصدر قوانين واضحة تعيد تثبيت حق الفلسطيني في التملك بصورة صريحة وحاسمة. لم تسع السلطة التنفيذية الجديدة إلى إبطال "تعليمات تنفيذية" أصدرتها السلطة السابقة بشكل عقابي على الفلسطينيين، إنما تم استمرار العمل بها بشكل صارم إلى لحظة كتابة هذا المقال.
يتساءل الكاتب رامي العاشق عن سبب استمرار عقاب الفلسطينيين حتى اليوم بعد أن زال "الجلاد". هذا السؤال مشروع عن نهج السلطة الجديدة تجاه فلسطينيي سوريا، خاصةً وأن هذه الشريحة مهمشة بالأصل ولا تملك حقوقًا سياسية أو الحق في الجنسية، ولا يوجد لها ممثلون في البرلمان، ولا حتى لديها الحق بأن يكون لها ممثل، وينحصر إطار تمثيلها القانوني والسياسي والاجتماعي في هيئة حكومية تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة