سياسة

الفلسطينيون السوريون: استمرار الحرمان من التملك العقاري رغم التغيرات السياسية

شبكة فلسطينيو سورية١ حزيران ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٣ م44 مشاهدة
الفلسطينيون السوريون: استمرار الحرمان من التملك العقاري رغم التغيرات السياسية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا يستمر عقاب الفلسطينيين السوريين حتى بعد سقوط الأسد؟" نشر أولاً على موقع شبكة فلسطينيو سورية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ عقود طويلة، عاش فلسطينيو سوريا ضمن وضع قانوني وسياسي استثنائي. لم يُمنحوا الجنسية السورية الكاملة، لكنهم في الوقت ذاته لم يُعاملوا كأجانب. تأسس هذا الوضع رسميًا بموجب القانون رقم 260 لعام 1956، الذي نص على أن "يعتبر الفلسطينيون المقيمون في أراضي الجمهورية العربية السورية بتاريخ نشر هذا القانون كالسوريين أصلاً في جميع ما نصت عليه القوانين والأنظمة النافذة المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية".

كان هذا النص بمثابة حجر الزاوية في العلاقة القانونية بين اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى سوريا عام 1948 والدولة السورية، مما خلق شعورًا عامًا بالاستقرار والانتماء للمجال السوري، حتى مع غياب الجنسية والحقوق السياسية. إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير بشكل جذري بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011 وانخراط المخيمات الفلسطينية فيها، حيث بدأت مرحلة جديدة من العقاب والتضييق.

باب للعقاب: حق التملك العقاري

على الرغم من أن القانون رقم 260 لعام 1956 ذكر بوضوح "حقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم"، إلا أنه أغفل ذكر حق التملك العقاري بشكل صريح. هذا الإغفال، الذي كان يُفهم ضمنيًا على أنه سماح، تحول لاحقًا إلى مدخل لحرمان الفلسطينيين من حق مكتسب بحكم العرف الإداري والاجتماعي لأكثر من ستين عامًا. ورغم عدم وجود نص قانوني يمنع الفلسطينيين من التملك بشكل قاطع، إلا أن الطريق فُتح لإعادة تعريف الوجود الفلسطيني في سوريا بعد عام 2011، والسعي تدريجيًا لاعتبارهم "أجانب" بدلاً من "في حكم المواطن".

طوال أكثر من ستين عامًا، لم تكن هذه المشكلة واضحة. كان فلسطينيو سوريا يشترون المنازل ويفتحون المتاجر ويرثون العقارات بإجراءات مطابقة أو قريبة جدًا من إجراءات السوريين. وفي الحياة اليومية، كان الفرق محدودًا لدرجة أن كثيرين لم ينتبهوا لغياب نص قانوني صريح يحمي حق التملك. لكن السؤال القانوني الأهم في منهج القانون السوري هو: هل الأصل هو المنع أم السماح؟

تحول في التعامل: من حكم المواطن إلى الأجنبي

مع انطلاقة الثورة السورية، سعى نظام الأسد إلى معاقبة الشعب وابتزازه، وانسحب هذا النهج على الفلسطينيين السوريين أيضًا. بدأت حرب شائعات رسمية تتهمهم بالتخريب، تلتها تهديدات بمصير مجهول وطرد، وتصاعدت هذه الإجراءات لتصل إلى تدمير المخيمات وتهجير الفلسطينيين للمرة الثانية. ضمن هذا السياق، ظهرت قوانين جديدة سعت تدريجيًا لسلب فلسطينيي سوريا حقهم في التملك العقاري عبر ثلاث مراحل امتدت بين عامي 2011 و2022.

بعد سقوط الأسد، ساد اعتقاد بأن السلطة الجديدة قد تعيد النظر في هذه السياسات، أو على الأقل تخفف القبضة الأمنية عن الملف العقاري الفلسطيني. لكن ما حدث حتى الآن يوحي باستمرار النهج ذاته إلى حد بعيد.

المرحلة الأولى والمؤسسة: القانون 11 لعام 2011

بدأت هذه المرحلة بقانون تملك غير السوريين رقم 11 للعام 2011. هذا القانون لم يمنع الفلسطينيين من التملك صراحةً، لكن تطبيقه العملي دفعهم تدريجيًا نحو خانة "الأجنبي". فقد نص القانون 11 على: "يجوز إنشاء أو تعديل أو نقل أي حق عيني عقاري في أراضي الجمهورية العربية السورية لاسم أو لمنفعة شخص غير سوري طبيعيًا كان أم اعتباريًا وفق الأحكام التالية..". أُسقطت عبارة "ومن في حكمه" من النص، مما طرح تساؤلاً حول ما إذا كان الفلسطيني قد أصبح أجنبيًا.

لاحقًا، في العام 2013، عاد الفلسطيني السوري إلى خانة "من في حكم السوري" بصدور قرار مجلس الوزراء رقم 2484 لعام 2013، الذي وضع التعليمات التنفيذية للقانون 11 لعام 2011. ونص القرار على: "يقصد بعبارة غير السوري، أي شخص طبيعي أو اعتباري لا يحمل جنسية الجمهورية العربية السورية، ولا تشمل أحكام هذا القانون الفلسطينيين الذين هم في حكم السوريين وفق أحكام القانون رقم 260 لعام 1956".

المرحلة الثانية: القانون 12 لعام 2021

في العام 2021، صدر القانون 12 الذي عدّل القانون 11 السابق بخصوص تملك الأجانب. ثم أتت تعليماته التنفيذية في القرار 1555 بتاريخ 19 سبتمبر 2021. وهنا تم التمييز بين نوعين من الفلسطينيين: فمن كان مقيمًا في سوريا قبل العام 1956 يُعامل معاملة السوري، ومن كان مقيمًا بعد عام 1956 يُعامل بالشروط التي تحكم قوانين المواطنين العرب.

المرحلة الثالثة: القرار 1011 لعام 2022

جاء القرار الفاصل وهو القرار 1011 الصادر عن رئيس مجلس الوزراء عام 2022، الذي شطب استثناء الفلسطينيين السوريين لتصبح عبارة "يقصد بعبارة غير السوري، أي شخص طبيعي أو اعتباري لا يحمل جنسية الجمهورية العربية السورية" هي التعريف الوحيد، وتم حذف "ولا تشمل أحكام هذا القانون الفلسطينيين الذين هم في حكم السوريين وفق أحكام القانون رقم 260 لعام 1956".

بموجب هذا القرار، أوقفت الدوائر الرسمية عمليات شراء العقارات للفلسطينيين، وأصبحوا يُعاملون معاملة الأجنبي. صاروا يحتاجون إلى موافقة أمنية تُقدم في وزارة المالية، وموافقة وزارة الداخلية أيضًا. كما يُشترط أن يكون طالب التملك حصرًا متزوجًا صاحب أسرة، وأن يكون سبب التملك هو السكن وليس التجارة، وأن يمتلك عقارًا واحدًا فقط بمساحة لا تقل عن 140 مترًا مربعًا ومسجلًا كـ"طابو أخضر"، مما يعني أن الفلسطيني لم يعد بإمكانه الحصول على تملك من نوع "كاتب بالعدل" أو "حكم محكمة".

إذن، نحن أمام واقع ومصير فلسطيني جمعي محكوم بـ"تعليمات تنفيذية" و"تفسيرات" سياسية للقوانين، تعتمد في نهجها على عقاب مجموعة بشرية وحرمانها من حقوقها تدريجيًا، مما غيّر تعريفها الوجودي.

خمس طبقات من العقاب

بالإضافة إلى القوانين الجائرة التي استعملها النظام الأسدي خلال السنوات الأخيرة، يمكن رصد عدة طبقات ومراحل لعقاب الفلسطينيين السوريين فيما يخص حقهم في التملك العقاري:

  1. التلميحات والشائعات: تضمنت الحملة تلميحات وتسريبات وشائعات حول حرمان الفلسطينيين الذين غادروا سوريا بطريقة غير شرعية من أملاكهم. أما الذين هُجّروا داخل سوريا، فقد فقد كثير منهم أوراقهم، واصطدم آخرون بواقع أن عقود البيع والأحكام القضائية لم تعد كافية لحماية ملكياتهم.
  2. الاستيلاء بالقوة: بحسب مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، تم رصد العديد من عمليات الاستيلاء ووضع اليد بالقوة على أملاك ومنازل اللاجئين في المخيمات الفلسطينية بسورية، من قبل عناصر الأمن السوري أو بعض الميليشيات الموالية للنظام السوري والمتعاملين معهم والمتنفذين في الدولة، لدواعٍ أمنية أو بتهمة الإرهاب، أو الانتماء لفصيل فلسطيني رفض الوقوف مع النظام، أو لأن أصحابها ينتمون للمعارضة السورية.
  3. حرمان الإرث: هذه الطبقة هي ذروة النهج الذي بدأ بتجريد الفلسطينيين من تعريفهم القانوني، مما سمح بتجريدهم من حقوقهم في التملك، وسيكتمل بتجريدهم من الحق في التوريث كخطوة أخيرة لإنهاء وجود أملاك لفلسطينيي سوريا بشكل نهائي. فتطبيق قانون "الأجانب" على الفلسطينيين يعني حرمانهم أيضًا من ميراثهم، فلا يحق للفلسطيني المالك للعقار توريث عقاره لأبنائه بموجب أحكام المادة الثالثة من القانون 11. وعلى الورثة، وخلال سنتين من تاريخ وفاة الفلسطيني المالك، أن يقوموا بنقل ملكية العقار إلى مواطن سوري، أو إلى واحد من الورثة ممن تنطبق عليهم شروط التملك، وبعد الموافقة الأمنية. وفي حال مرور سنتين ولم يتم نقل الملكية، فإنه ستتم مصادرة العقار بموجب قانون الاستملاك ويصبح من أملاك الدولة.
  4. الوضع القانوني للأملاك الحالية: غالبية أملاك الفلسطينيين ليست من نوع "طابو أخضر"، بل هي إما "حكم محكمة" أو لدى "كاتب بالعدل" أو "عقود بيع قطعية"، بحكم طبيعة المناطق سواء المخيمات أو الريف أو المناطق الزراعية. وهذا بدوره يجعل انتقالها لفلسطيني، سواء من الورثة أو غيره، أمرًا مستحيلاً. بذلك يصبح نقل الملكية إلى سوري أو مصادرة العقار من قبل الدولة مصيرين لا ثالث لهما.
  5. عقوبات الالتفاف على القانون: إن قيام الفلسطيني بمحاولة الالتفاف على القانون من خلال تسجيل العقار بشكل صوري باسم شخص صوري أو حتى إبرام عقد شراء عقار بواسطة شخص آخر بغية التهرب من أحكام القانون، فإن هذا التسجيل أو العقد يكون باطلاً. ليس هذا فقط، بل يجب أيضًا أن تقوم النيابة العامة بتحريك الدعوى العامة ضد الفلسطيني والسوري المتواطئ معه، وذلك بموجب أحكام المادتين 10 و11 من القانون 11 لعام 2011 وتعديلاته اللاحقة، والتي من ضمنها: "يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة المعادلة لقيمة الأموال والحقوق التي تناولها العقد كل من أقدم على إجراء عقد لمصلحة شخص غير سوري خلافًا لأحكام هذا القانون أو توسط بإجرائه إضافة إلى مصادرة تلك الأموال والحقوق".

العهد الجديد: استمرار الظلم القديم

بعد سقوط الأسد، ساد اعتقاد لدى كثيرين بأن السلطة الجديدة قد تعيد النظر في هذه السياسات، أو على الأقل تخفف القبضة الأمنية عن الملف العقاري الفلسطيني. لكن ما حدث حتى الآن يوحي باستمرار النهج ذاته إلى حد بعيد. فالموافقات الأمنية لا تزال مطلوبة ولا تُمنح أصلاً، والقيود الإدارية لا تزال قائمة، ولم تصدر قوانين واضحة تعيد تثبيت حق الفلسطيني في التملك بصورة صريحة وحاسمة. لم تسع السلطة التنفيذية الجديدة إلى إبطال "تعليمات تنفيذية" أصدرتها السلطة السابقة بشكل عقابي على الفلسطينيين، إنما تم استمرار العمل بها بشكل صارم إلى لحظة كتابة هذا المقال.

يتساءل الكاتب رامي العاشق عن سبب استمرار عقاب الفلسطينيين حتى اليوم بعد أن زال "الجلاد". هذا السؤال مشروع عن نهج السلطة الجديدة تجاه فلسطينيي سوريا، خاصةً وأن هذه الشريحة مهمشة بالأصل ولا تملك حقوقًا سياسية أو الحق في الجنسية، ولا يوجد لها ممثلون في البرلمان، ولا حتى لديها الحق بأن يكون لها ممثل، وينحصر إطار تمثيلها القانوني والسياسي والاجتماعي في هيئة حكومية تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

شارك الخبر: