واشنطن تعيد صياغة حضورها الإقليمي: مهمة توماس براك تتسع لتشمل سوريا والعراق وتركيا


هذا الخبر بعنوان "انتهاء مهمة توماس براك" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحليل رأي بقلم مازن بلال، يتضح أن واشنطن، بإنهائها صفة توماس براك كمبعوث خاص إلى سوريا، لم تسحب يده من الملفين السوري والعراقي، ولم تنهِ موقعه كسفير لدى تركيا. هذا التحول يعني أن براك فقد صفته الدبلوماسية المحددة، لكن مهمته اتسعت بشكل ملحوظ. فبدلاً من إدارة الملف السوري كقضية منفصلة، بات دوره يتمحور حول هندسة حزام إقليمي موحد يمتد من أنقرة إلى بغداد، مروراً بدمشق وشمال شرقي سوريا.
خلال عام واحد فقط، اضطلع براك بمهام متعددة شملت السفارة في أنقرة، والوساطة في دمشق، والتواصل الفعال مع القوى الكردية، بالإضافة إلى انخراطه في الترتيبات الأمنية والسياسية للعراق. إن إنهاء صفته الدبلوماسية لا يشير إلى تراجع حضوره، بل على العكس، يكشف عن توسع نطاق وظيفته التي تجاوزت الأطر التقليدية للمبعوثين الخاصين.
لم يعد براك مكلفاً بمتابعة الشأن السوري كملف منعزل، بل أصبح مسؤولاً عن إدارة شبكة معقدة من التوازنات المتداخلة في منطقة المشرق الشمالي. يشمل ذلك أمن الحدود بين سوريا وتركيا والعراق، وترتيبات شمال شرقي سوريا، وصولاً إلى ملف المقاتلين والمعتقلين، وتنظيم حركة المعابر، ومسارات الطاقة والتجارة، وجهود إعادة الإعمار.
بات موقعه أقرب إلى منسق إقليمي يعمل عند نقطة التقاء الجغرافيا العسكرية والاقتصاد السياسي. هذا يعني أن إدارة سوريا لم تعد تقتصر على دمشق وحدها، بل تتم عبر تفاهمات واسعة تمتد لتشمل أنقرة وبغداد، وتتصل بشكل مباشر بحسابات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المنطقة.
عملياً، تتعامل واشنطن حالياً مع سوريا كنقطة التقاء لأربعة مجالات حيوية: المجال التركي في الشمال، والعراقي في الشرق، و"الإسرائيلي" في الجنوب، واللبناني في الغرب. ورغم أن دمشق تمثل المركز السياسي، إلا أن أدوات الضغط موزعة خارج العاصمة، مما يضفي قيمة إضافية على موقع براك في أنقرة، نظراً لتأثير تركيا الكبير في الشمال السوري.
يتزامن هذا التحول مع تراجع النفوذ العسكري الأميركي المباشر على الأرض لصالح "جغرافيا وظيفية". فقد أنهت واشنطن وجودها العسكري في سوريا، وانتقلت من السيطرة المباشرة على مواقع محددة إلى التأثير في ترتيبات السلطة القائمة. تسعى الولايات المتحدة بذلك إلى خفض تكلفة الانخراط العسكري، مع الحفاظ على قدرتها على إدارة التوازنات المعقدة بين دمشق وأنقرة وبغداد والقوى المحلية.
يتجلى هذا التوجه للإدارة الأمريكية بوضوح في ملف معتقلي تنظيم الدولة، خاصة بعد نقلهم من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق. فقد مُنحت بغداد وظيفة أمنية تتجاوز مجرد استقبال المحتجزين، لتصبح مستودعاً قضائياً وأمنياً لإحدى أثقل تركات الحرب السورية. وبذلك، أصبح أمن الحسكة مرتبطاً بأمن الأنبار وبغداد، في مقاربة تعتبر المجال السوري-العراقي وحدة أمنية متكاملة.
يظهر جانب آخر من الربط الإقليمي في ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وإعادة رسم خريطة الشمال السوري بعد ضغط واشنطن لدمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية. تنظر أنقرة إلى هذه العملية من منظور أمنها القومي، بينما تراها سلطة دمشق مدخلاً لاستعادة نفوذها، وتراقبها بغداد من زاوية ضبط الحدود. لم يعد الشمال السوري مجرد ملف محلي، بل أصبح مختبراً لتحديد شكل الدولة السورية المستقبلي وحدود التفاهم الأميركي-التركي بشأنه.
في الختام، تكشف نهاية صفة توماس براك كمبعوث خاص أن واشنطن لا تنسحب من سوريا، بل تعيد صياغة حضورها بشكل استراتيجي. تنتقل الإدارة الأمريكية من إدارة القواعد العسكرية إلى إدارة العلاقات، ومن السيطرة المباشرة على المواقع إلى التأثير في خرائط الحركة الإقليمية. ضمن هذه المعادلة الجديدة، تستعيد سلطة دمشق بعض أدوات الدولة، لكن ضمن شبكة من التوازنات الخارجية التي تجعل السيادة السورية عملية تفاوضية متدرجة، وليست أمراً مكتملاً بذاته.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة