الإجراءات الاحترازية في سوريا: "دولة الموافقات" تخنق الاستثمار وتدفع الاقتصاد نحو الظل


هذا الخبر بعنوان ""دولة الموافقات".. كيف تخنق الإجراءات الاحترازية حركة الاستثمار في سوريا؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتزايد الشكاوى في الأوساط التجارية السورية من التوسع الملحوظ في الإجراءات الاحترازية والرقابية التي تستهدف الشركات والتجار. وتحذر هذه الأوساط من أن المناخ الاقتصادي الراهن يدفع المستثمرين نحو تجميد أعمالهم أو تقليصها، في وقت أحوج ما تكون فيه البلاد إلى بيئة مستقرة لجذب رؤوس الأموال وتنشيط الأسواق.
وفي تصريحات لـ"هاشتاغ"، أوضح رجال أعمال ومستثمرون سوريون أن المشكلة لم تعد مقتصرة على الضرائب أو ضعف السيولة أو العقوبات الخارجية، بل تتعداها إلى ما يصفونه بـ"دولة الموافقات". فقد أصبحت العديد من الإجراءات التجارية والمصرفية تتطلب سلسلة طويلة ومعقدة من الموافقات والتقارير والقيود، مما قد يؤدي إلى تعطيل شركة بأكملها أو تجميد نشاط مستثمر لأشهر طويلة.
ووفقاً للمصادر، فقد خلقت هذه البيئة حالة من الخوف الحقيقي داخل السوق، حيث يمكن لأي شكوى أو تقرير أو إخبار أن يتحول سريعاً إلى منع سفر أو حجز احتياطي أو تجميد حسابات أو تعطيل سجل تجاري، حتى قبل استكمال التحقيق أو صدور حكم قضائي.
تشير مصادر تجارية إلى أن عدداً متزايداً من المعاملات المرتبطة بالشركات والسجلات التجارية والحسابات المصرفية بات يتطلب إجراءات إضافية وموافقات معقدة. وهذا يشمل حتى الملفات التي تعتبر روتينية، مثل استخراج وثائق الشركة أو تعديل بياناتها أو تحريك حساباتها المصرفية.
يقول أحد التجار إن "الاقتصاد تحول إلى مساحة انتظار دائمة، لأن أي إجراء بسيط قد يبقى معلقاً بين أكثر من جهة رقابية أو مالية أو إدارية". ويضيف أن المشكلة لا تكمن فقط في بطء المعاملات، بل في البيئة التي تنتجها هذه الآليات، حيث تنشأ تلقائياً شبكات من الوسطاء والسماسرة القادرين على تسريع الموافقات أو تسهيل الإجراءات مقابل مبالغ مالية أو علاقات خاصة.
ويرى مستثمرون أن هذا الواقع يعيد إنتاج جزء من البنية القديمة التي كانت تتحكم بالسوق عبر النفوذ والوساطات، حتى وإن تغيرت الأسماء والعناوين الإدارية.
الجزء الأكثر إثارة للقلق، بحسب رجال أعمال تحدثوا لـ"هاشتاغ"، يتعلق بتوسع قرارات الحجز الاحتياطي ومنع السفر وتجميد الحسابات المصرفية. هذه القرارات قد تُتخذ أحياناً بناءً على تقارير أولية أو شكاوى لم تُحسم قضائياً بعد.
ويوضح مستثمر سوري أن "الأصل أن تكون هذه الإجراءات استثنائية ومحدودة ومبنية على قرار قضائي واضح، لكن ما يحدث عملياً هو أن التاجر قد يجد نفسه ممنوعاً من السفر ومجمدة حساباته ومتوقفاً عن العمل قبل أن يبدأ التحقيق الفعلي". ويضيف أن الجمع بين الحجز المالي وتعطيل الحسابات والسجلات التجارية لا يضغط فقط على الشخص المعني، بل ينعكس سلباً على الموظفين والموردين والعقود والتزامات الشركات بأكملها.
وترى مصادر اقتصادية أن المشكلة لا تتعلق فقط بحق الدولة في ملاحقة الفساد أو الأموال غير المشروعة، بل بطريقة تطبيق الإجراءات واتساعها وتحولها أحياناً إلى عقوبات مسبقة قبل صدور أي حكم نهائي.
يحذر تجار من أن تقييد الحركة المصرفية بهذا الشكل يدفع جزءاً متزايداً من النشاط الاقتصادي نحو التعاملات النقدية والقنوات غير الرسمية. فبحسب المصادر، لم يعد بعض أصحاب الأعمال يشعرون بالأمان الكافي للاعتماد الكامل على المصارف أو الحسابات الرسمية، خوفاً من التجميد المفاجئ أو تعقيد إجراءات السحب والتحويل وتحريك الحسابات.
ويقول أحد رجال الأعمال إن "أي اقتصاد طبيعي يحتاج إلى ثقة بين المستثمر والمصرف والدولة، لكن عندما يشعر التاجر أن حسابه قد يتوقف بسبب تقرير أو إجراء إداري، فإنه سيبحث تلقائياً عن طرق أخرى لإدارة أمواله". وترى المصادر أن هذه البيئة تعيد إنتاج جزء من اقتصاد الظل والسوق السوداء، وتضعف الشفافية المالية والضريبية التي تقول السلطات إنها تسعى إلى تعزيزها.
في بلد يحتاج إلى إعادة إعمار واستثمارات وفرص عمل، يرى رجال أعمال أن الرسائل الحالية الصادرة إلى السوق تبدو متناقضة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطات عن جذب رؤوس الأموال وتشجيع المستثمرين السوريين في الداخل والخارج، يشعر كثير من أصحاب الأعمال أن السوق تُدار بعقلية الشبهة والرقابة أكثر من عقلية التنمية والإنتاج.
وتقول المصادر إن المستثمر لا يبحث فقط عن الربح، بل عن الاستقرار القانوني وإمكانية إدارة أعماله دون خوف من قرارات مفاجئة قد تعطل نشاطه لأشهر أو سنوات. ويؤكد مستثمرون أن حماية المال العام وملاحقة الفساد تبقى ضرورة أساسية، لكن ذلك لا يتحقق عبر تحويل السوق بأكمله إلى مساحة خوف وترقب، ولا عبر توسيع الإجراءات الاحترازية إلى درجة تصبح فيها الشركات والتجار تحت ضغط دائم.
سياسة
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد