توم براك يعود بصلاحيات موسعة: استراتيجية ترامب الجديدة للمشرق وسوريا بين العقوبات والتعافي الاقتصادي


هذا الخبر بعنوان "براك يعود بصلاحيّات أوسع… سوريا تدخل “سلّة المشرق” في استراتيجيّة ترامب" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب توم براك إلى واجهة الملف السوري، مانحاً إياه صلاحيات أوسع في خطوة تهدف إلى دمج سوريا ضمن مقاربة إقليمية جديدة. تمتد هذه المقاربة لتشمل العراق وتركيا، وتتناول ملفات حيوية مثل "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، تنظيم "داعش"، أمن الحدود، الطاقة، والنفوذ الإيراني في المنطقة.
جاء توسيع مهمة براك بعد يوم واحد فقط من إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو انتهاء صفته السابقة كمبعوث خاص إلى سوريا، مؤكداً في الوقت ذاته أن براك سيواصل أداء دور قيادي في الملفين السوري والعراقي. يكشف هذا الانتقال السريع، من إنهاء مهمة براك السابقة إلى تكليفه مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق مع احتفاظه بمنصبه سفيراً لدى تركيا، حجم الرهان الذي تضعه إدارة ترامب عليه في إدارة مرحلة جديدة من ملفات المشرق.
كانت أول إشارة سورية إلى أهمية هذا التحول عبر اتصال الرئيس أحمد الشرع بالرئيس ترامب، حيث وضع رفع ما تبقى من العقوبات ودعم التعافي الاقتصادي في صدارة النقاش. لا يبدو هذا التزامن مجرد تفصيل بروتوكولي، فقد قرأت دمشق تعيين براك كإشارة مباشرة من البيت الأبيض إلى استمرار الانخراط الأميركي في الملف السوري، وذلك عبر شخصية تحظى بثقة ترامب وتملك هامش حركة يتجاوز حدود سوريا.
في البيان السوري، حضرت العلاقات الثنائية والتطورات السياسية والأمنية في المنطقة خلال الاتصال، لكن البعد الاقتصادي كان الأكثر وضوحاً. ركز الشرع على رفع العقوبات كمدخل لإعادة تنشيط الاقتصاد وجذب الاستثمارات، في محاولة لتحديد أولويات المرحلة المقبلة من منظور اقتصادي. في المقابل، كانت واشنطن تعيد رسم موقع سوريا ضمن خريطة أمنية وسياسية أوسع تمتد من العراق إلى تركيا. لم يقدم براك نفسه منذ دخوله الملف السوري كمبعوث لإدارة أزمة مؤقتة، فبعد لقائه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة، تحدث عن سوريا باعتبارها "فرصة يجب اغتنامها"، وبعد اجتماعه بالشرع في دمشق في 16 أيار/مايو، وصفها بأنها "مختبر لتحالف إقليمي جديد". هذه اللغة تنتمي إلى قاموس هندسة سياسية واقتصادية يراد لسوريا أن تكون جزءاً منها.
يمنح ضم العراق إلى تفويض براك مؤشراً إضافياً إلى طبيعة هذه الرؤية. فلم تعد ملفات شمال شرق سوريا منفصلة عن العراق، سواء فيما يتعلق بتنظيم "داعش" أو المخيمات والمعتقلات أو أمن الحدود أو مستقبل "قسد". كما أن النفوذ الإيراني لا يُقاس من الساحة السورية وحدها، بل عبر الامتداد الجغرافي الذي يربط العراق بسوريا ولبنان. من هذا المنطلق، يصبح اتصال الشرع بترامب أكثر من مجرد طلب اقتصادي.
تدرك دمشق أن الإدارة الأميركية تسعى إلى دمجها في منظومة أمنية إقليمية أوسع، بينما تحاول هي تثبيت أولوية مختلفة تقوم على رفع العقوبات وإطلاق الاستثمارات وربط الاستقرار بالنمو الاقتصادي. لكن الاقتصاد لن يكون منفصلاً عن الأمن في الحسابات الأميركية، ففتح الباب أمام الاستثمارات سيبقى مرتبطاً بمنع عودة "داعش"، ودمج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية، وتقليص النفوذ الإيراني.
تدخل إيران إلى المشهد من زاوية أخرى أيضاً، فواشنطن، بعد المواجهة العسكرية الأخيرة مع طهران وما تلاها من مفاوضات، تسعى إلى الحد من قدرة إيران على إعادة ربط خطوط نفوذها الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان. في المقابل، لا تبدو تركيا متحمسة لأن يتحول تراجع النفوذ الإيراني إلى فرصة لتمدد إسرائيلي غير مضبوط في المنطقة.
تجد دمشق نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تريد الاستفادة من الانفتاح الأميركي ورفع العقوبات، لكنها ستواجه في الوقت نفسه أسئلة وضغوطاً مرتبطة بملفات أمنية لا تملك وحدها مفاتيحها. كما أن تركيا، بحكم موقع براك في أنقرة، ستبقى حاضرة في قلب المعادلة، سواء فيما يتعلق بأمن الحدود أو ملف "قسد" أو التوازنات الإقليمية.
لا يمكن فصل صعود براك عن التحولات داخل إدارة ترامب نفسها. فطريقة إنهاء المسمى السابق ثم إعادة تثبيت الرجل بصيغة رئاسية تكشف تداخلاً واضحاً بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، وبين الدبلوماسية التقليدية والقنوات الشخصية للرئيس. كما أن ترقية مايكل نيدهام، مساعد روبيو القديم، إلى منصب نائب مستشار الأمن القومي تمنح وزير الخارجية وفريقه نفوذاً إضافياً داخل عملية صنع القرار. وبذلك، لا يظهر براك كشخصية مستقلة عن المؤسسات، ولا كموظف تقليدي داخلها، بل كحلقة وصل بين الرئاسة والخارجية وأنقرة ودمشق وبغداد، وكأحد مهندسي مقاربة ترامب الجديدة للمشرق.
في المقابل، تحمل دمشق تصوراً مختلفاً للأولويات؛ فهي لا تريد أن تدخل إلى البيت الأبيض من بوابة "قسد" و"داعش" فقط، بل من بوابة الاقتصاد وإعادة الإعمار والاستثمار. وفي هذا السياق، تنظر القيادة السورية إلى رفع العقوبات باعتباره نقطة البداية لا المكافأة النهائية، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار الذي تطالب به واشنطن لن يكون قابلاً للاستمرار من دون تعافٍ اقتصادي فعلي.
في المحصلة، لا يبدو تعيين براك مجرد تعديل في تسمية دبلوماسية، كما أن اتصال الشرع بترامب يتجاوز حدود المجاملة السياسية. فواشنطن تعمل على توسيع الخريطة الجيوسياسية للملف السوري، بينما تحاول دمشق ترجمة هذا الانفتاح إلى مكاسب اقتصادية مباشرة. وبين المقاربتين ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة، وما إذا كانت سوريا ستتحول إلى بوابة لترتيب إقليمي جديد، أم إلى ساحة جديدة لتقاطع مشاريع القوى الإقليمية والدولية.
ثقافة
سياسة
سياسة
سوريا محلي