تصدعات في حصانة ترمب السياسية: انتكاسات متتالية تهز صورة الرئيس "الذي لا يُقهر"


هذا الخبر بعنوان "5 أيام تهز صورة ترمب.. هل تلاشت هالة الرئيس الذي لا يُقهر؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الوقت الذي كان فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يقترب من عامه الثمانين، محاطًا بمظاهر القوة والاستعراض السياسي، بدأت مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة بإرسال إشارات متزايدة تفيد بأن الرئيس، الذي بدا في الأشهر الماضية وكأنه يتجاوز كل القيود، لم يعد يتمتع بالحصانة السياسية ذاتها. فمن أروقة الكونغرس إلى المحاكم، ومن استطلاعات الرأي إلى أوساط حزبه الجمهوري، تتراكم المؤشرات على بداية مرحلة جديدة تتمثل في اختبار حدود نفوذ الرئيس ترمب وقدرته على فرض أجندته داخليًا وخارجيًا.
حدود سلطة ترمب تتضح
رصدت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، في تقرير لمراسلها في واشنطن جيمس بوليتي، سلسلة من الانتكاسات السياسية التي تعرض لها ترمب خلال أسبوع واحد. واعتبرت الصحيفة أن هذه الانتكاسات تمثل ضربة قوية لصورة "الرئيس الذي لا يُقهر" التي لازمته منذ عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 2025.
ووفقًا للتقرير، واجه ترمب هزائم متزامنة على عدة جبهات؛ فقد أمر قاضٍ بإزالة اسمه من مركز كينيدي الثقافي في واشنطن. وفي تطور آخر، صوّت مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، على تقييد استمرار العمليات العسكرية ضد إيران دون تفويض صريح من الكونغرس. كما رفض مجلس الشيوخ تمويل مشروع قاعة الاحتفالات الضخمة التي كان ترمب يسعى لبنائها في البيت الأبيض.
ولم تتوقف الضربات عند هذا الحد، إذ اضطر الرئيس إلى التخلي عن مشروع صندوق بقيمة 1.8 مليار دولار، كان مخصصًا لتعويض من يعتبرون أنفسهم ضحايا "تسييس العدالة"، وذلك بعد تعرض المشروع لانتقادات واسعة النطاق باعتباره صندوقًا لمكافأة حلفائه وأنصاره.
تراجع الشعبية وتمرد جمهوري صامت
نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مات داليك، المؤرخ وأستاذ الإدارة السياسية في جامعة جورج واشنطن، قوله إن "سياسات ترمب تؤدي إلى تغذية التضخم، وهو لا يحظى بشعبية واسعة، والأمريكيون لا يعجبهم هذا الوضع". وأضاف داليك أن "العالم كله لا يرحب بسياساته، وحتى عدد صغير من الجمهوريين لم يعد يحبها أيضًا"، معربًا عن اعتقاده بأن "هذا المزيج قد أرسى حقبة جديدة من القيود على ترمب"، في إشارة إلى استعادة المؤسسات الأمريكية لدور أكثر فاعلية في كبح السلطة التنفيذية.
تأتي هذه "الانتكاسات" بالتزامن مع تراجع ملحوظ في مستويات تأييد الرئيس الأمريكي في استطلاعات الرأي، التي أظهرت فقدان الشارع الثقة في إدارته للملفين الاقتصادي والسياسي الخارجي. ورغم أن ترمب ما زال يحكم قبضته على القاعدة الجمهورية، فإن الأشهر الأخيرة كشفت عن تصدعات داخل الحزب. وأشار التقرير إلى أن مرشحين من حركة ماغا المؤيدة له نجحوا في إقصاء عدد من النواب الجمهوريين البارزين في الانتخابات التمهيدية للحزب.
وتشير التوقعات إلى إمكانية خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بل إن سيطرتهم على مجلس الشيوخ أصبحت في خطر نتيجة دعم ترمب لمرشحين يوصفون بالمتطرفين. وقد تجلى هذا التمرّد الحزبي بوضوح في تصويت مجلس النواب لتقييد العمليات العسكرية ضد إيران بدون إذن الكونغرس، وهو تصويت رمزي شارك فيه 4 نواب جمهوريين. وفي هذا السياق، عبّر النائب الجمهوري توم باريت عن هذا الموقف عبر منصة إكس قائلاً: "لقد حان الوقت لكي يحدد الكونغرس الحدود المناسبة لاستخدام القوة في إيران". وفي المقابل، هاجم ترمب هذا القرار بحدة عبر منصته (تروث سوشيال)، واصفًا الخطوة بأنها "عمل غير وطني".
وطبقًا لفايننشال تايمز، لم تقتصر الخلافات على الملف العسكري، بل امتدت لتشمل التعيينات السياسية؛ عقب تعيين بيل بولتي -المسؤول الفيدرالي عن قطاع الإسكان- مديرًا مؤقتًا للاستخبارات الوطنية رغم افتقاره للخبرة في هذا المجال، مما أثار استياءً واسعًا أجبر ترمب على التراجع جزئيًا والتأكيد على أن المنصب مؤقت ولن يكون دائمًا.
ترمب ليس ملكًا: صراع مع الواقع
من ناحية أخرى، أوردت الصحيفة في تقريرها تصريحًا لجوليان زيليزر، المؤرخ السياسي في جامعة برينستون، قال فيه إن ترمب يختلف عن معظم السياسيين التقليديين لأنه "مستعد للمخاطرة بالاستقرار الدستوري ولا يشعر بثقل الإحراج السياسي كما يفعل الآخرون". لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن التمرد داخل الحزب الجمهوري قد يكون عابرًا، مضيفًا أنه من الممكن أن يعود المشرعون الجمهوريون إلى الاصطفاف خلف الرئيس إذا اقتضت مصالح الحزب ذلك.
أما داليك فكان أكثر حدة حين قال: "قبل عام كان كثيرون يعتقدون أن ترمب يتجاوز جميع القيود ويتجاهل كل أدوات الرقابة على سلطته، لكن هذه الضوابط بدأت تعيد فرض نفسها تدريجيًا". وأضاف بنبرة لافتة: "ترمب ليس إلهًا، ولا ملكًا، حتى لو كان يعشق تقمص هذا الدور".
وفي زاوية رأي نشرتها صحيفة إندبندنت، قدّم الكاتب شين أوغرادي قراءة أكثر قسوة للرئيس الأمريكي مع اقتراب عيد ميلاده الثمانين، معتبرًا أن الأيام الأخيرة كشفت عن انفصال متزايد بين ترمب والواقع. وسخر الكاتب من سلسلة تصريحات وأفكار طرحها الرئيس مؤخرًا، من بينها رغبته في تحويل فعاليات بطولة الفنون القتالية المختلطة، المعروفة اختصارًا بــ"يو إف سي" (UFC)، إلى جزء دائم من المشهد في واشنطن، وحديثه عن أحجام المسطحات المائية والنصب التذكارية، إضافة إلى إعلانه المتكرر عن قرب انتهاء نزاعات وحروب لم تنتهِ فعليًا.
ويرى أوغرادي أن ترمب يعيش في "عالم متخيل" يعتقد فيه أنه حل جميع أزمات العالم وحقق أعظم اقتصاد في التاريخ، مشيرًا إلى تراجع ظهوره العلني خلال الفترة الأخيرة وتقليص نشاطاته الجماهيرية والمؤتمرات الصحفية. ونقل الكاتب عن أندرو بيتس، المتحدث السابق باسم البيت الأبيض في عهد الرئيس جو بايدن، قوله إن غياب ترمب المتزايد عن الأنظار يمثل أزمة حقيقية للمرشحين الجمهوريين، لأن الناخبين باتوا يرون بصورة أوضح انشغاله بمشروعاته الشخصية وصراعاته الخاصة.
وأضاف بيتس أن "تواري ترمب يتجلى في عدم قدرته المتزايدة على التظاهر بالاهتمام بأي شيء سوى جني الأموال من المكلفين بالضرائب وبناء نصب تذكارية لنفسه. وعندما يظهر، يقول إنه لا يفكر في الموارد المالية للأمريكيين ولو قليلاً، بينما يستمر خلف الكواليس في كتابة منشورات غاضبة".
ويرى المحللون أن هذه "الانتكاسات" لا تعني أن دونالد ترمب فقد قبضته على المشهد السياسي الأمريكي، لكنه يواجه للمرة الأولى منذ عودته إلى البيت الأبيض مؤشرات واضحة على أن سلطته لم تعد مطلقة كما بدت في الأشهر الماضية. فبينما تتراجع شعبيته وتتصاعد الاعتراضات داخل مؤسسات الدولة وحتى داخل حزبه الجمهوري، يزداد السؤال إلحاحًا في واشنطن: هل تمثل هذه التطورات مجرد عثرات عابرة لرئيس اعتاد تجاوز الأزمات، أم أنها بداية مرحلة جديدة تستعيد فيها المؤسسات الأمريكية قدرتها على كبح نفوذ رجل هيمن طويلاً على الساحة السياسية العالمية؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة