نازحو رأس العين بين قسوة المخيمات وأمل العودة: 14 ألف عائلة تسجل أسماءها وسط ترتيبات حكومية


هذا الخبر بعنوان "نازحو رأس العين يتطلعون للعودة.. 14 ألفًا يسجلون أسماءهم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع بزوغ فجر كل يوم، تغادر رشدة الخلف خيمتها في مخيم التوينة غربي الحسكة، باحثة عن نسمة هواء تخفف من وطأة حرارة الصيف المتزايدة. تراقب رشدة، وهي في الأربعينات من عمرها، أبناءها وهم يستعدون ليوم جديد داخل المخيم، بينما تستعيد في ذهنها صورة منزلها وأرضها الزراعية في رأس العين، التي اضطرت لمغادرتها قبل سنوات. تعيش رشدة، شأنها شأن آلاف المهجرين، حالة من الترقب الممزوج بالأمل والحذر، بين واقع النزوح القاسي وأخبار متداولة عن قرب انطلاق رحلات العودة.
ففي الوقت الذي تتزايد فيه الأحاديث عن ترتيبات لإعادة المهجرين إلى مدينة رأس العين، لا تزال معاناة آلاف النازحين مستمرة داخل مخيمات محافظة الحسكة. تتداخل الأزمات الخدمية والمعيشية مع تراجع الدعم الإنساني، مما يجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة عاماً بعد آخر.
يعبر عدد من نازحي رأس العين المقيمين في مخيم التوينة عن استيائهم من الظروف المعيشية والخدمية القاسية، مؤكدين أن فصل الصيف يفاقم معاناتهم بسبب ضعف خدمات الكهرباء والمياه واستمرار المشكلات الصحية والخدمية داخل المخيم.
أوضح النازح موسى العبد الله أن الحياة داخل المخيم أصبحت أكثر صعوبة مقارنة بالسنوات السابقة، في ظل تراجع الدعم الإنساني الذي كانت تقدمه المنظمات خلال السنوات الأولى من النزوح. وأضاف أن العديد من الأسر باتت تواجه أعباء إضافية نتيجة نقص الخدمات الصحية وتراجع مستوى الرعاية المقدمة للأطفال، مما يدفع الأهالي إلى تحمل تكاليف العلاج على نفقتهم الخاصة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة. وأشار العبد الله إلى أن السنوات الأولى بعد التهجير شهدت حضوراً أكبر للمنظمات الإنسانية وبرامج الدعم والإغاثة، إلا أن هذا الحضور تراجع بشكل ملحوظ مؤخراً، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع السكان داخل المخيم. ويرى العبد الله أن أي خطة مستقبلية للعودة ينبغي أن تتضمن تعويض المتضررين وإعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية قبل عودة الأهالي إلى مناطقهم الأصلية، لضمان استقرارهم وعدم تعرضهم لموجة نزوح جديدة.
من جهتها، أكدت النازحة رشدة الخلف أن معاناة النزوح لم تعد مرتبطة فقط بفقدان المنزل أو الأرض، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيم. وأوضحت أن فصل الشتاء يجلب معه العواصف والأمطار التي تؤثر في الخيام ومرافق المخيم، بينما تتفاقم خلال الصيف المشكلات المتعلقة بالمياه والكهرباء والحرارة المرتفعة، مما يجعل الظروف المعيشية أكثر قسوة. وأكدت أن مطلب العودة لا يزال يمثل أولوية بالنسبة لمعظم النازحين، إلا أن المخاوف الأمنية المستمرة تحول دون تحقيق هذا الهدف حتى الآن. وقالت إنها تتطلع إلى العودة إلى قريتها واستئناف العمل في أرضها الزراعية والعيش مجدداً في منزلها، معتبرة أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة إلى المناطق الأصلية.
بدورها، أوضحت النازحة فاطمة السالم أن سكان المخيم يواجهون تحديات مستمرة تتعلق بتأمين المياه والكهرباء والرعاية الصحية، إضافة إلى مشكلات الصرف الصحي التي تنعكس بشكل مباشر على الواقع الصحي للأهالي. وأضافت أن استمرار هذه المشكلات يثير قلق السكان، خاصة مع وجود أطفال وكبار سن يحتاجون إلى خدمات صحية مستمرة لا تتوافر بالشكل المطلوب داخل المخيم. وترى السالم أن أي عملية عودة يجب أن تستند إلى توفير بيئة آمنة ومستقرة تسمح للأهالي باستئناف حياتهم الطبيعية، مؤكدة ضرورة إزالة الألغام والمخلفات الحربية الموجودة في بعض المناطق، إلى جانب إعادة إعمار المنازل المتضررة وتعويض السكان عن خسائرهم. وتؤكد شهادات النازحين أن تحسين الظروف المعيشية داخل المخيمات أو توفير مقومات العودة الآمنة والكريمة ما يزالان في مقدمة المطالب التي يرفعها المهجرون بعد سنوات طويلة من النزوح.
بالتوازي مع استمرار هذه المعاناة، عاد ملف عودة نازحي رأس العين إلى الواجهة مجدداً خلال جلسة حوارية عقدتها “لجنة مهجري رأس العين” في مدينة الحسكة. وشارك في الجلسة عدد من أهالي المدينة ووجهاء العشائر والشخصيات المجتمعية، بهدف مناقشة آخر المستجدات المتعلقة بملف العودة والاطلاع على الخطوات التي أُنجزت خلال الفترة الماضية.
وخلال اللقاء، أكدت المتحدثة باسم اللجنة، زهرة سماعيل، أن اللجنة أنجزت إحصائية شاملة لأهالي رأس العين المهجرين، تضمنت تسجيل أسماء نحو 14 ألف عائلة أبدت رغبتها بالعودة إلى المدينة. وقالت إن القوائم أُرسلت إلى الحكومة السورية، في إطار الجهود الرامية إلى تنظيم العملية وضمان حقوق السكان الراغبين بالعودة. وأشارت إلى أن العمل مستمر لاستكمال الإجراءات المطلوبة تمهيداً لإطلاق أولى دفعات العائدين، موضحة أن رحلات العودة الخاصة بأهالي رأس العين ستبدأ بعد الانتهاء من ترتيبات عودة نازحي مدينة عفرين.
ورغم التقدم الذي تتحدث عنه اللجنة في ملف الإحصاءات والترتيبات الإدارية، لا تزال مجموعة من القضايا المرتبطة بالضمانات الأمنية تشكل محوراً رئيسياً في النقاشات الدائرة بين النازحين. وبحسب اللجنة، فإن بعض الإجراءات المتعلقة بترتيبات العودة والضمانات الأمنية لا تزال قيد المتابعة مع الجهات المعنية، في وقت يجري فيه العمل على استكمال الخطوات اللازمة لإطلاق الدفعة الأولى من العائدين. وشهدت الجلسة الحوارية نقاشات موسعة بين أعضاء اللجنة والحضور، حيث طرح الأهالي مجموعة من التساؤلات المرتبطة بالأوضاع الأمنية والخدمية في المدينة، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بواقع السكن والخدمات وفرص العمل بعد العودة. وأكد المشاركون أهمية توفير ضمانات واضحة وملموسة قبل تنفيذ أي عملية عودة واسعة، بما يضمن سلامة العائدين وقدرتهم على الاستقرار في مناطقهم دون التعرض لمخاطر أمنية أو إنسانية. من جانبها، أوضحت اللجنة أنها ستقوم بجمع الآراء والمقترحات التي طُرحت خلال اللقاء ورفعها إلى الجهات المسؤولة عن ملف العودة للاستفادة منها في المراحل المقبلة.
خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة إعادة النازحين إلى مناطقهم، بالتزامن مع تفاهمات سياسية وأمنية بين الحكومة السورية و”قسد”، شملت ملفات الإدارة المحلية والخدمات وعودة السكان، حيث عادت 6 قوافل إلى عفرين وفق ما رصدته عنب بلدي، بعدد كلي بلغ 4300 عائلة. وحول عودة نازحي رأس العين؛ قال عضو الفريق الرئاسي، مصطفى عبدي، عند إشرافه على آخر قافلة عائدة إلى عفرين: “هناك فوج أو فوجين آخرين من المتوقع انطلاقهما لاحقاً باتجاه عفرين، قبل الانتقال إلى مرحلة نقل نازحي مدينة رأس العين من مدن محافظة الحسكة إلى مناطقهم الأصلية”. وتأتي عمليات العودة ضمن اتفاق 29 كانون الثاني الموقّع بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والذي تضمّن بنوداً تتعلق بتسهيل عودة النازحين إلى مناطقهم وأراضيهم.
بعد نحو سبع سنوات على نزوح آلاف العائلات من رأس العين، لا يزال مستقبل هذه الأسر معلقاً بين واقع المخيمات القاسي ووعود العودة التي تتجدد بين الحين والآخر. وفي الوقت الذي يرى فيه كثير من النازحين أن العودة تمثل الحل الأكثر استدامة لإنهاء معاناتهم، فإنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن هذه العودة يجب أن تكون آمنة وطوعية وكريمة، وأن تترافق مع إجراءات فعلية تعيد لهم القدرة على استئناف حياتهم الطبيعية. وبين خيام التوينة التي تزداد حرارة في الصيف وبرودة في الشتاء، يستمر انتظار آلاف المهجرين لليوم الذي يستطيعون فيه العودة إلى منازلهم وأراضيهم، بعد سنوات طويلة من النزوح التي تركت آثارها على مختلف جوانب حياتهم المعيشية والاجتماعية والاقتصادية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي