مستقبل المصارف الحكومية السورية: حوار دولي يكشف التحديات ويطرح سيناريوهات الإصلاح


هذا الخبر بعنوان "المصارف الحكومية على مشرحة الحوار مع القطاع الخاص" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار مؤتمر الحوار الحكومي مع القطاع الخاص السوري، الذي عُقد مؤخرًا، شهدت جلسة حوار دولي-سوري نقاشًا معمقًا حول واقع القطاع العام المصرفي في سوريا، والتحديات التي يواجهها، وضرورة إصلاح بنيته الهيكلية والتشريعية، بالإضافة إلى آثار العقوبات والمقترحات المطروحة للحلول.
أشار السفير الإيطالي في سوريا، ستيفانو رافانيان، خلال الجلسة، إلى أن القطاع المصرفي السوري "ليس جاهزًا" لاستقبال الاستثمارات، مؤكدًا أن القضية لا تقتصر على رفع العقوبات فحسب، بل تمتد لتشمل تأمين ربط فعال لقطاع الأعمال بين سوريا والخارج. جاء حديث السفير الإيطالي بحضور وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان. وشدد رافانيان على أهمية العمل لإعادة بناء الثقة الدولية في سوريا وإزالة المخاطر السابقة من الأذهان، لافتًا إلى تواصله المستمر مع مصارف إيطالية لبحث التعاون المصرفي مع سوريا.
كما أكد السفير رافانيان على ضرورة أن تمثل سوريا نفسها في الخارج، قائلًا: "نحن نحتاج إلى سفاراتكم في أوروبا لإقامة منتديات أعمال سورية، وإزالة الذهنية القائمة حول ارتفاع المخاطر المصرفية في التعامل مع القطاع المصرفي السوري". وأشار إلى الجهود السورية المبذولة لتأهيل المنشآت، لكنه نبه إلى أمور حيوية في القطاع المصرفي تتطلب الانتباه، مثل: الأمن في التعاملات المصرفية، واللوجستيات، ومشكلة الامتثال المفرط.
من جانبه، أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، في جلسة أخرى، أن المصرف يعمل على إعادة تفعيل المصارف العامة وحل مشكلاتها، وفتح باب الاستثمار في هذا القطاع وبقية المؤسسات المالية، بالإضافة إلى أتمتة العمليات المصرفية بالكامل. وأعرب الحاكم رسلان عن استغرابه من الربط بين ضخ الاستثمارات الأجنبية والتضخم، مؤكدًا أن هذه الاستثمارات تسهم في تنمية الاقتصاد الوطني وزيادة فرص العمل، ولا تؤدي إلى التضخم.
يعاني القطاع المصرفي في سوريا من تحديات هيكلية متراكمة نتيجة سنوات الحرب والعقوبات والتراجع الاقتصادي، حيث تواجه المصارف الحكومية مشكلات مثل ضعف السيولة، وتآكل القيمة الحقيقية للودائع، وقدم البنية التقنية والتشريعية. ويؤكد البنك الدولي في تقاريره أن الاقتصاد السوري تعرض لتدمير واسع، مما أثر سلبًا على أداء المؤسسات المالية والمصرفية.
الدكتورة رغد معصب، المتخصصة في إدارة الأعمال (DBA) والحاصلة على ماجستير في إدارة المصارف والتمويل من جامعة "دمشق"، أوضحت في حديثها إلى عنب بلدي، أنه لا يمكن إنكار وجود أخطاء أو حالات فساد أو ترهل إداري في المصارف العامة، لكن ذلك لا يبرر اختزال تجربة مؤسسات كاملة وآلاف العاملين بهذه الجوانب وحدها. وأشارت إلى أن المصارف العامة تضم كوادر واصلت العمل لسنوات تحت ضغوط قاسية، واستمرت في خدمة المواطنين رغم محدودية الإمكانات وضعف البنية التقنية.
وخلال السنوات الماضية، واجهت المصارف العامة السورية تحديات معقدة وغير مسبوقة، وفقًا للخبيرة، أبرزها: العقوبات المالية والمصرفية، انقطاع أو تقييد علاقات المراسلة والتحويلات الخارجية، تراجع النشاط الاقتصادي والإنتاجي، مخاطر أمنية مباشرة، نقص الكفاءات والموارد التقنية، وارتفاع معدلات التضخم. وتعتبر الدكتورة معصب أن تقييم المصارف العامة بمعايير الربحية وحدها تقييم غير مكتمل، لأنها مكلفة أيضًا بتنفيذ السياسات النقدية والاقتصادية للدولة، ودعم القطاعات الحيوية، وتمويل المشاريع التنموية، وضمان استمرارية الخدمات المالية الأساسية.
ترى الدكتورة رغد معصب أنه لا يمكن تقييم واقع المصارف العامة بموضوعية دون النظر إلى البيئة التشريعية والإدارية التي حكمت هذا القطاع لعقود، حيث كانت المصارف العامة تُعامَل كـ"أدوات لتنفيذ السياسات الحكومية أكثر من كونها مؤسسات مالية مستقلة تمتلك المرونة اللازمة للتطوير والمنافسة". وأضافت أن عددًا من السياسات والتشريعات المتراكمة حدّت من قدرة المصارف العامة على التحديث المؤسسي، منها: تعطل إصدار قانون خاص بإدارة المصارف العامة، استمرار إخضاعها لتشريعات إدارية تقليدية، وتعدد الجهات الرقابية وتداخل الصلاحيات، وتضخم الإجراءات البيروقراطية وبطء اتخاذ القرار. ولذلك، فإن تحميل المصارف العامة وحدها مسؤولية التراجع يمثل قراءة ناقصة وغير منصفة للمشكلة.
وفي حديثها لعنب بلدي، ذكرت معصب أن حملات الانتقاد الموجهة إلى المصارف العامة السورية تصاعدت مؤخرًا، حتى باتت تُصوَّر أحيانًا على أنها مؤسسات مترهلة أو حاضنة للفساد، مشيرة إلى أن هذه التحديات جاءت في ظل انكماش اقتصادي حاد وتراجع كبير في النشاط الإنتاجي والاستثماري، مما ضاعف الضغوط التشغيلية على القطاع المصرفي بأكمله.
رغم التحديات، استمرت المصارف العامة في أداء وظائفها الأساسية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي والنقدي، في حين فضلت أغلبية المصارف الخاصة تقليص المخاطر والانكفاء عن التمويل واسع النطاق، وفقًا للدكتورة معصب. ولبيان حجم الأعباء الملقاة على عاتق المصارف العامة، أشارت إلى أن كتلة الرواتب والأجور والتعويضات في موازنة 2023 بلغت نحو 2.1 تريليون ليرة سورية قديمة، ارتفعت إلى ما يقارب 3.5 تريليون ليرة سورية قديمة بعد الزيادات الاستثنائية، مما يمثل واحدة من أكبر عمليات إدارة التدفقات النقدية في الاقتصاد السوري.
وبحسب الدكتورة معصب، "تجاوز إجمالي القروض الممنوحة من المصارف العامة في العام ذاته 1.2 تريليون ليرة سورية، توزعت على قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري والسكني والخدمي". ووفقًا للأرقام، منح المصرف التجاري السوري قروضًا بنحو 450 مليار ليرة، والمصرف الزراعي التعاوني 249 مليارًا، ومصرف التسليف الشعبي 223 مليارًا، والمصرف العقاري 170 مليارًا، ومصرف التوفير 166 مليارًا، بينما بلغ حجم القروض الممنوحة من المصرف الصناعي 30 مليار ليرة سورية. هذه القروض أسهمت في استمرارية دورة الإنتاج وتأمين احتياجات السوق المحلية في ظروف اقتصادية معقدة.
اعتبرت الدكتورة معصب أن الدفاع عن المصارف العامة لا يعني رفض الإصلاح، بل إن الحاجة إليه أصبحت أكثر إلحاحًا لإنقاذ المنظومة المالية العامة وضمان استمراريتها والحد من مخاطر تسرب الكفاءات المصرفية. وقدمت الخبيرة مقترحات لإصلاح القطاع العام المصرفي، منها: معالجة فجوة الرواتب للعاملين، تحديث الأنظمة المصرفية والتقنية، تعزيز الشفافية والحوكمة والرقابة، إعادة هيكلة البيئة التشريعية، منح الإدارات مرونة أكبر، تطوير الكوادر البشرية، تبسيط الإجراءات، توحيد المرجعيات الرقابية، ومكافحة الفساد والمحسوبيات.
وفي خطوة مفصلية، أنهت شركة "أوليفر وايمن" (Oliver Wyman) العالمية المرحلة الأولى من تقييم شامل لأداء وهيكلية المصارف العامة الستة في أيار الماضي، في معلومات انفردت عنب بلدي بالحصول عليها. وعقد فريق متخصص من الشركة، يضم مصرفيين أجانب ولبنانيين، اجتماعات مكثفة مع إدارات المصارف (العقاري والتجاري والتسليف الشعبي والتوفير والزراعي التعاوني والصناعي)، ضمن مذكرة تفاهم بين وزارة المالية السورية و"صندوق قطر للتنمية" وشركة "أوليفر وايمن"، بدعم من جهات دولية مثل وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي.
وتكشف المعطيات الأولية أن المصارف الحكومية باتت أمام ثلاثة سيناريوهات كبرى: إعادة الهيكلة وتحويلها إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة بإدارات ورواتب جديدة، خصخصتها وفتح الباب أمام استحواذ مصارف خارجية عليها، أو إدخالها في شراكات استراتيجية مع بنوك عربية وأجنبية، يُرجّح أن يكون للخليج دور أساسي فيها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد