الخوارزميات وشبكات التواصل: كيف تعيد تشكيل وعي المراهقين وتصوغ هويتهم الرقمية؟


هذا الخبر بعنوان "الخوارزميات تعيد ترتيب عالمهم.. مراهقون في مصيدة الهوية الرقمية المستعارة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عصر تتسارع فيه وتيرة تدفق البيانات وتتنافس الشاشات على جذب الانتباه، يواجه الجيل الشاب تحديًا نفسيًا وتربويًا غير مسبوق. لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للترفيه، بل تحولت إلى شريك خفي يعيد تشكيل وعي المراهقين ويتحكم في بناء هوياتهم.
ترى استشارية علم النفس الأسري، الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديثها إلى عنب بلدي، أن هذا التغير يمثل ظاهرة جديدة تتجاوز الفجوة التقليدية بين الأجيال. فبعد أن كان تشكيل وعي المراهق يعتمد سابقًا على الأسرة والمدرسة والحي، دخلت الخوارزميات كلاعب رئيسي يتمتع بقدرة فائقة على التأثير.
وأشارت الدكتورة العرنوس إلى أن الخوارزميات تعيد ترتيب سلم الأولويات في عقل المراهق من خلال التحكم في المحتوى الذي يتعرض له وتحديد مجاله الإدراكي. وبمرور الوقت، لا يقتصر الأمر على تغيير معارفه فحسب، بل يمتد ليشمل طريقة رؤيته لنفسه وللعالم ولمستقبله، مما يؤدي إلى انتقال الاهتمام من بناء الشخصية الداخلي إلى التركيز على الحضور الخارجي والقبول الفوري من الآخرين.
حول آلية تأثير الخوارزميات في تكوين الآراء والقناعات لدى المراهق، أوضحت الدكتورة العرنوس أن بناء القناعات البشرية لا يستند إلى المنطق وحده، بل يتأثر بشكل مباشر بما يتكرر أمام الإنسان حتى يصبح مألوفًا لديه. وأضافت أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تستثمر هذه الحقيقة النفسية بكفاءة عالية لتوجيه أفكار اليافعين.
وشرحت الدكتورة العرنوس آلية هذا التأثير بالقول إن تعرض المراهق اليومي لمحتوى محدد يدفع عقله تدريجيًا إلى اعتباره انعكاسًا حقيقيًا للواقع الشامل، وليس مجرد زاوية ضيقة منه. وحذرت الاستشارية من خطورة هذا التدفق الموجه، لافتة إلى أن المراهق بات لا يرى العالم كما هو في الحقيقة، بل كما تعيد الخوارزميات ترتيبه وعرضه عليه.
وذكرت أن المنصات الرقمية تجاوزت أساليب الإقناع المباشر إلى مرحلة أكثر عمقًا وخطورة، تتمثل في إعادة تشكيل الإطار الفكري العام للمستخدم. وتكمن خطورة هذا التأثير النفسي، وفق الدكتورة العرنوس، في حدوثه دون وعي أو مقاومة، إذ يعيش المراهق “وهم الحرية الكاملة” في اتخاذ قراراته ومواقفه، بينما جرى تأطير خياراته الفكرية مسبقًا داخل مساحة ضيقة جُهزت بعناية بناءً على بياناته وسلوكه الرقمي، فالإنسان يقاوم عادة ما يُفرض عليه بالقوة، لكنه يستسلم تمامًا لما يظن أنه اختاره بمحض إرادته.
من منظور نفسي، باتت العلاقة بين المراهق والخوارزميات الرقمية تشبه “التخاطر”، بحسب استشارية علم النفس الأسري. وهو وصف مجازي يعكس تحول القدرة على معرفة ما يدور في ذهن الآخر من خانة “الخوارق التاريخية” إلى واقع رقمي يومي.
وأوضحت الدكتورة العرنوس أن الآلة لا تقرأ الأفكار مباشرة، بل تتبع آثارها بدقة، مثل رصد التردد قبل الضغط على الروابط، ومدة التوقف عند الصور، وسرعة التمرير، وأنماط البحث، وساعات النشاط، لتشكل بذلك نموذجًا نفسيًا دقيقًا لكل شخص. وقالت إن المفارقة تكمن في قدرة المنصات على توقع ما يجذب المراهق قبل أن يدركه هو نفسه، مما يولد لديه شعورًا زائفًا بأن الآلة “تفهمه”، في حين أن الأمر لا يتعدى كونه إتقانًا تكنولوجيًا لقراءة الأنماط السلوكية، ليتفوق التخاطر بين الإنسان والآلة على التواصل بين البشر أنفسهم.
تكمن الخطورة النفسية الحقيقية لـ”التخاطر الرقمي” وقدرة الخوارزميات على توقع رغبات المراهقين، وفق الدكتورة العرنوس، في معرفتها لاهتماماتهم قبل أن يكتشفوها بأنفسهم، مما يهدد مسار نموهم الطبيعي. وأكدت الاستشارية أن مرحلة المراهقة تتطلب اكتشاف الذات عبر التجربة والخطأ والتساؤل والحوار الداخلي، غير أن التدخل المبكر للآلة وتقديمها إجابات جاهزة يختصر رحلة النضج النفسي، ويدفع المراهق نحو استهلاك هوية رقمية مفروضة عليه بدلًا من بناء هويته الحقيقية.
وحذرت الدكتورة العرنوس من أن التغذية المستمرة للرغبات والتوجهات والاهتمامات المتوقعة تؤدي إلى طمس الحدود بين الذات الواقعية وتلك المصنوعة تكنولوجيًا، مما يعوق التطور والنمو النفسي السليم للجيل الحالي. وأشارت الاستشارية إلى أن هوية المراهق ليست قالبًا جاهزًا، بل مشروع بناء مستمر يحتاج إلى مساحة آمنة لتجربة الأفكار واكتشاف الذات، كاشفة أن خوارزميات منصات التواصل تعمل على تقييد هذا النمو بدلًا من توسيعه.
وشرحت كيف توهم هذه المنصات المراهق عبر إغراقه بالمواد التي تؤيد أفكاره، مما يدفعه إلى تصديق انطباعاته الرقمية المكررة واعتمادها كـ “هوية مرتدة”. ونتيجة لذلك، يتوقف عن استكشاف ذاته الحقيقية ويكتفي بالعيش داخل القالب الذي صنعته له الخوارزميات. ولفتت الدكتورة العرنوس إلى تحول خطير في وعي الجيل الحالي، فبدلًا من أن يسأل المراهق نفسه: “من أنا؟”، أصبح السؤال الأبرز لديه: “من تقول الخوارزمية إنني أنا؟”.
وعن لجوء المراهقين للمنصات الرقمية كبديل عن العائلة، قالت استشارية علم النفس الأسري إن الشعور بوجود من يفهمك هو أحد أعمق الاحتياجات الإنسانية، معتبرة أنه عندما تلتقط المنصة اهتمامات المراهق وتقدم له ما يريده بدقة، يتولد لديه انطباع زائف بأنه مُحاط بالرعاية والاهتمام.
وحذرت الاستشارية من هذا الوهم، مؤكدة أن ما يحدث في الواقع هو استبدال “الفهم الإنساني” بـ”فهم إحصائي”. فالخوارزميات لا تعرف أحلام المراهق أو مخاوفه أو جراحه النفسية، بل ترصد فقط أنماط تفاعله، ومع ذلك، ينشأ لديه شعور بالألفة تجاه الشاشة يفوق علاقاته الواقعية. ونبهت الدكتورة العرنوس إلى خطورة هذا التحول بالقول إنه يُضعف تدريجيًا مهارات المراهق في بناء العلاقات الإنسانية الحقيقية، التي تتطلب بطبيعتها الصبر والتسامح وتقبّل الاختلاف والحوار.
أكدت الاستشارية أن هذا التحول الرقمي يقود المراهقين إلى أحد أخطر أشكال العزلة الحديثة، مشيرة إلى اختلاف مفهوم الوحدة اليوم عن الماضي. فبينما كان الإنسان سابقًا يمر بالوحدة لقلة التواصل، أصبح المراهق المعاصر يشعر بالوحدة رغم إحاطته بآلاف التفاعلات. وعزت الاستشارية ذلك إلى كون التواصل الافتراضي يركز على جذب “الانتباه” لا على “الحضور الإنساني الحقيقي”. فالخوارزميات تمنح المراهق شعورًا بأنه مرئي ومتابع، لكنها لا تمنحه شعورًا بأنه مفهوم على حقيقته، مبينة أن هناك فرقًا شاسعًا بين أن تكون مرئيًا للآخرين وأن تكون معروفًا ومفهومًا لديهم.
كما حذرت الدكتورة العرنوس من أن اعتياد المراهق علاقات رقمية سريعة ومصممة خصيصًا لإرضائه، يجعل التعامل مع العلاقات الواقعية أمرًا بالغ الصعوبة، نظرًا إلى أن البشر في الحياة الحقيقية لا يعملون وفق خوارزميات، ولا يقدمون استجابات مثالية وجاهزة في كل مرة.
لفتت الاستشارية إلى أن الخطر الأعمق الذي يواجه الجيل ليس الإدمان الرقمي أو العزلة، بل “تآكل المساحة الداخلية للإنسان”، وهي المنطقة النفسية التي تتشكل فيها أسئلته الكبرى حول هويته وقيمه وأهدافه في الحياة. وأوضحت أن هذه الأسئلة تتطلب صمتًا وتأملًا ونضجًا تدريجيًا، غير أن العيش في بيئة رقمية تتنبأ برغبات المراهق وتملأ فراغه بالمحتوى المستمر، يقضي على هذه المساحة تدريجيًا.
ونبهت إلى أنه مع غياب التأمل الذاتي، يزداد اعتماد المراهق على الشاشة لتحدد له من يكون، لتتحول الخوارزميات من مجرد أداة تقنية إلى شريك خفي يشكل الوعي الإنساني، لافتة إلى أن القضية التربوية اليوم تتجاوز مجرد تنظيم استخدام الهاتف أو إدارة وقت الشاشة إلى حماية وعي الجيل.
أكدت الاستشارية أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في قضاء المراهق وقتًا أطول على الشاشات، بل في منافسة المنصات الرقمية للأسرة على وظيفتها التاريخية وهي “تفسير العالم”. وذكرت أن المراهق يجد اليوم تدفقًا هائلًا من الإجابات الجاهزة لأسئلته حول الهوية والقيم، ومع غياب الحضور الفكري والعاطفي للوالدين، يتراجع تأثير الأسرة تدريجيًا مهما كانت مكانتها داخل المنزل.
وأردفت أن التحدي التربوي المعاصر لم يعد يقتصر على الرقابة، بل يتمحور حول قدرة الأسرة على البقاء كمصدر أساسي للمعنى والحكمة والتوازن النفسي لأبنائها. وأشارت الدكتورة العرنوس إلى أن الآباء اليوم بحاجة ماسة للانتقال من مرحلة “إدارة سلوك الأبناء” إلى “فهم وعيهم”. فالعبرة ليست بعدد ساعات استخدام الهاتف، بل بأثر المحتوى في عقل المراهق وصورته عن نفسه وعلاقته بالآخرين.
وأوضحت أن المراهق لا ينقصه تلقي التعليمات، بل يحتاج إلى حوارات تبني لديه التفكير النقدي، وتكشف له الآليات الخفية التي تشكل رغباته واهتماماته على الإنترنت. وتابعت الاستشارية أن تمكين المراهق من فهم كيفية عمل الخوارزميات، يحوله من متلقٍّ سلبي إلى مستخدم واعٍ يمتلك حريته واستقلاليته النفسية.
وجهت الاستشارية رسالة للأسر دعتهم فيها إلى عدم منافسة الخوارزميات في السرعة بل في “العمق”، مؤكدة أن المنصات الرقمية قد تعرف ما يشاهده المراهق وتتنبأ باهتماماته، لكنها عاجزة تمامًا عن منحه جذورًا أو معنى للحياة وشعورًا مستقرًا بالانتماء. ولفتت إلى أنه كلما تقدمت التكنولوجيا في محاكاة الفهم، تضاعفت أهمية العلاقات الإنسانية الأصيلة، مشددة على أن احتياج المراهق الأعمق سيبقى دائمًا ليس إلى من يملك بياناته، بل إلى من يفهم ويحتوي قلبه.
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا