تآكل زيادة الرواتب في سوريا: خبراء يكشفون كيف ابتلع تدهور الليرة السورية جهود تحسين المعيشة


هذا الخبر بعنوان "كيف التهم تراجع الليرة زيادة الرواتب في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع استمرار تراجع سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي، الذي وصل مؤخرًا إلى مستويات قياسية بلغت 14550 ليرة للشراء و14650 ليرة للمبيع، تتصاعد مخاوف المواطنين السوريين من تآكل قيمة زيادة الرواتب التي صدرت بموجب المرسوم الرئاسي رقم "67"، حتى قبل أن يتسلموها فعليًا. وكان سعر صرف الدولار في السوق الموازية (السوداء) بدمشق قد تراوح بين 12,670 و13,300 ليرة سورية قبل نحو شهر من إقرار مرسوم الزيادة.
يرى خبراء اقتصاديون أن هذه الزيادة "انتهت ودُمرت قبل تقاضيها"، مشيرين إلى أن الفائدة منها اقتصرت على نسبة ضئيلة جدًا من العاملين في الدولة، لا تتجاوز 3%.
أوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، في تصريح خاص لـ عنب بلدي، أنه منذ بدء تراجع الليرة، لوحظ ارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الأساسية، سواء كانت غذائية أو غير غذائية، بنسبة وصلت إلى 25%. وأرجع حبزة هذا الارتفاع إلى اعتماد التجار على سعر صرف احتياطي يصل إلى 16 ألف ليرة للدولار الواحد، وهو ما يزيد بنسبة تتراوح بين 10% و15% عن السعر المتداول في السوق.
وصف عبد الرزاق حبزة الزيادة التي أُقرت بأنها "متواضعة جدًا". فبالنسبة للعاملين في الدولة الذين حصلوا على زيادة بنسبة 50%، وللمتقاعدين الذين مُنحوا زيادة 30%، اعتبر حبزة أن هذه الزيادات لا تكفي حتى لثمن وجبة غداء واحدة. وأضاف أن الزيادة النوعية لم يستفد منها سوى شريحة محدودة من الموظفين، بينما استهدفت الزيادة العامة الشريحة الأكبر من موظفي القطاع الحكومي، الذين يشكلون نحو 85% من الإجمالي، مقارنة بالمستفيدين من الزيادة النوعية.
من جانبه، وصف الخبير الاقتصادي الدكتور عمار اليوسف الزيادة بأنها "إعلامية فقط، وقد دُمرت حتى قبل أن يتقاضاها الموظفون". وأوضح اليوسف، في حديثه لـ عنب بلدي، أنه لا يمكن إطلاق مسمى "زيادة" على نسبة الـ50%، خاصة وأن الزيادات النوعية حُمّلت عليها، علمًا أن المستفيدين منها لا يتجاوزون 3% إلى 4% من الموظفين. وأكد أن زيادة بهذه النسبة، في ظل تدني الرواتب أصلًا، "لم ترفع من المستوى الاقتصادي للموظف السوري، وهي خطوة غير ناجحة"، وفقًا لوصفه.
حول أزمة الدولار، يرى عبد الرزاق حبزة أن العملة الأمريكية مرشحة لمزيد من الارتفاع في ظل تسارع العملية الاقتصادية وتزايد الطلب عليها، محذرًا من أن "دولرة الاقتصاد" أمر بالغ الخطورة. ودعا الحكومة إلى منع التعامل بالدولار في عمليات البيع والشراء للحفاظ على قيمة الليرة، والتشديد على المخالفين.
في المقابل، يتبنى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار اليوسف رأيًا مغايرًا، حيث يرى أن لا جدوى من التشديد على المتعاملين بالدولار. ويعلل ذلك بأن "المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف الليرة وليس في التعامل بالدولار، فحين تكون العملة الوطنية قوية، لا يضر التعامل بأي عملة أخرى". وحذّر اليوسف من أن منع التداول بالدولار قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها انخفاض سعر صرف الليرة، والعودة إلى حقبة النظام السابق وما تبعها من آثار سلبية. وأضاف: "في جميع الدول العربية، يتم البيع والشراء بالعملة المحلية إلى جانب الدولار، لأن عملاتها قوية ولا تتأثر بذلك".
تجدر الإشارة إلى أن سياسة منع التعامل بالدولار في سوريا هي نهج نقدي واقتصادي اتبعه النظام السابق لحصر التداولات بالليرة السورية، وتجريم حيازة العملات الأجنبية أو التداول بها. وقد اعتمدت الحكومة في ذلك على سلسلة من المراسيم الصارمة، أبرزها المرسوم التشريعي رقم "5" لعام 2024، الذي يفرض عقوبات تصل إلى السجن لسنوات وغرامات مالية باهظة. وقد نجمت عن هذه السياسة، وفقًا لتحليلات اقتصادية، تداعيات كبيرة؛ منها التخبط في تسعير السلع رغم الإجراءات القانونية، ولجوء العديد من التجار إلى التسعير غير المعلن بالدولار كآلية لحماية رؤوس أموالهم من التدهور المستمر في قيمة العملة المحلية، مما ساهم في استمرار موجات الغلاء، ونشاط السوق السوداء. وأدى ذلك إلى شح النقد الأجنبي في القنوات الرسمية، مقابل ازدهار السوق الموازية لتلبية احتياجات الاستيراد والتحويلات الخارجية.
في ختام حديثه، يرى عبد الرزاق حبزة أن الحل يكمن في تأمين السيولة اللازمة للمشاريع الاقتصادية الحديثة، لقطع الطريق على استجرار الدولار من السوق السوداء، إضافة إلى وقف دولرة الاقتصاد.
أما الدكتور عمار اليوسف، فيؤكد أن الحلول الجوهرية تبدأ من إعادة إقلاع عجلة الاقتصاد، واستهداف تحسين معيشة المواطن عبر تعزيز القدرة الشرائية لليرة. ويختتم بالتحذير: "إذا لم تدر عجلة الاقتصاد، فإن مستقبل الوضع الاقتصادي السوري سيكون قاتمًا".
تتمثل أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصناعي في ارتفاع تكاليف الإنتاج، لا سيما حوامل الطاقة؛ ما ينعكس مباشرة على أسعار المنتجات النهائية، ويحدّ من القدرة التنافسية للمصانع في الأسواق المحلية والخارجية. كما تشكل تقلبات أسعار الصرف عاملًا إضافيًا في زيادة أسعار المواد الأولية، مما يضاعف أعباء الصناعيين ويقيّد خططهم الإنتاجية، في وقتٍ تقدم فيه دول أخرى، كـ تركيا، دعمًا كبيرًا لتكاليف الإنتاج. وإزاء هذا الواقع، تطالب غرفة صناعة دمشق وريفها بضرورة تبسيط الإجراءات وتخفيض كلف المدخلات الصناعية، بما ينعكس إيجابًا على الأسعار محليًا ويعزز القدرة التصديرية في الخارج.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي