أركان المؤسسة العامة: تحليل القاضي حسين حمادة لمخاطر التغيير العشوائي وتحديات الإصلاح


هذا الخبر بعنوان "العمل المؤسساتي في الدولة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كتب: القاضي حسين حمادة
تتأسس أي مؤسسة عامة على ثلاثة أركان جوهرية لا غنى عنها: الكادر الوظيفي، القانون المنظم لعملها، والبنية المادية التي تمكنها من أداء مهامها. إن أي قصور أو خلل يطال أحد هذه الأركان ينعكس سلبًا وبشكل مباشر على كفاءة المؤسسة وقدرتها على تحقيق أهدافها. أما إذا تعرضت الأركان الثلاثة للاهتزاز في آن واحد، فإن المؤسسة برمتها تصبح مهددة بفقدان وظيفتها الأساسية وشرعية وجودها.
يمثل الكادر الوظيفي العمود الفقري لأي مؤسسة، ويمتد من أدنى المستويات الإدارية وصولًا إلى أعلى المناصب المهنية. من المفترض أن تخضع عمليات التعيين والترفيع والتقييم والمساءلة لمعايير قانونية واضحة وموضوعية، ترتكز على الكفاءة والخبرة والاستحقاق. هذا النهج يضمن استقرار العمل، وتراكم الخبرات، واستمرارية المرفق العام في تقديم خدماته بكفاءة. وفي المقابل، فإن المناصب السياسية العليا، مثل معاوني الوزراء والوزراء وما يعلوها، تخضع بطبيعة الحال لاعتبارات سياسية ترتبط بالبرنامج الحكومي والتوجهات العامة للدولة، كونها تمثل القيادة السياسية المؤقتة وليست الجهاز الإداري الدائم.
يُعد القانون الإطار الذي يمنح المؤسسة شرعيتها، ويحدد أهدافها، واختصاصاتها، وصلاحياتها، وعلاقاتها مع سائر الجهات العامة. فبدون هذا الإطار القانوني، تتحول المؤسسة إلى كيان تحكمه الاجتهادات الشخصية والقرارات الارتجالية، مما يفقدها المصداقية والفعالية. والقوانين ليست جميعها على درجة واحدة من الأهمية أو الصلاحية؛ فبعضها قد أصبح عائقًا أمام التطور السياسي والاجتماعي والنمو الاقتصادي، ويستدعي ذلك مراجعتها أو إلغاءها واستبدالها بتشريعات أكثر ملاءمة للمرحلة الراهنة. في المقابل، هناك قوانين أساسية تنظم عمل الدولة ومؤسساتها وتحافظ على استقرارها، وهذه يجب المحافظة عليها وتطويرها، لا تجاوزها أو تعطيلها.
يشمل هذا الركن المباني، والتجهيزات، والوثائق، ووسائل العمل، والمستلزمات الضرورية التي يحتاجها العاملون لأداء مهامهم بفعالية. ورغم أن هذا الركن قد يبدو أقل أهمية من العنصر البشري أو القانوني، إلا أنه يمثل الحاضنة المادية التي تمكن المؤسسة من تقديم خدماتها للمواطنين بصورة منتظمة وفعالة، ويضمن بيئة عمل مناسبة.
بناءً على ما سبق، من الطبيعي أن تعيد القيادة الجديدة النظر في المناصب السياسية العليا، وأن تجري مراجعة للمؤسسات ذات الطابع السياسي أو الأمني بما ينسجم مع توجهاتها وخططها. أما المؤسسات الإدارية والخدمية والقضائية والتعليمية وسائر المرافق العامة، فإن استقرارها يعتمد بشكل أساسي على الحفاظ على الخبرات والكفاءات والالتزام بالقواعد القانونية المنظمة لعملها. وأي عملية إصلاح أو "تطهير" داخل هذه المؤسسات يجب أن تتم وفق معايير قانونية موضوعية وإجراءات واضحة، لا وفق المزاج الشخصي أو الرغبة في الاستبدال لمجرد التغيير. وهذا يشمل أيضًا القوانين المنظمة، على قاعدة إلغاء الفاسد منها وتطوير الصالح فيها.
اليوم، عندما نتأمل واقع بعض المؤسسات، نجد أن الخلل لم يعد مقتصرًا على أحد هذه الأركان فحسب، بل امتد ليشمل أكثر من ركن في الوقت نفسه. فقد شهدنا تغييرات واسعة في الكوادر الإدارية دون التقيد الكامل بالمعايير الوظيفية والقانونية التي تضمن استقرار العمل واستمرارية الخبرات المتراكمة. كما لاحظنا تهميشًا أو تجاوزًا لبعض القوانين والأنظمة التي يُفترض أن تشكل المرجعية الأساسية للإدارة، وذلك تحت عنوان "تطهير المؤسسات من الفاسدين". ولا أحد يعترض على محاسبة الفاسدين أو إبعادهم عن مواقع المسؤولية، بل إن ذلك واجب وطني وأخلاقي وقانوني. لكن مكافحة الفساد ليست عملية مزاجية، وإنما هي إجراء قانوني له أصوله وضماناته، تمارسه جهات رقابية وقضائية مختصة، ويستند إلى أدلة وقرارات معللة، لا إلى الشبهات أو الانطباعات أو مجرد الرغبة في الإقصاء.
وهنا يبرز السؤال الساخر: إذا كنا قد غيّرنا الأشخاص، وتجاوزنا القواعد، فهل بقي لإكمال المشهد سوى هدم المبنى؟ وهل سنشهد يومًا نظرية جديدة تقول إن إصلاح المؤسسة يكتمل بإزالة جدرانها أيضًا؟
(أخبار سوريا الوطن - الكاتب)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة