تفكك مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة: باريس قلقة من طموحات ألمانيا العسكرية المستقلة


هذا الخبر بعنوان "دويتشه فيله : مشروع المقاتلة الأوروبية .. “قلق” فرنسي من صعود ألمانيا عسكرياً" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أعقاب انهيار مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة، بدأت ثماني شركات دفاعية ألمانية في التحرك نحو تطوير تصور جديد لطائرة مقاتلة من الجيل السادس. هذه الخطوة، التي لا تراها باريس مجرد تطور صناعي طبيعي بعد فشل مشروع بهذا الحجم، تُعد مؤشراً إضافياً على أن ألمانيا قد تتجه لبناء قوتها العسكرية الجديدة بمعزل عن شراكتها التقليدية مع فرنسا.
ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، تسعى شركات ألمانية كبرى مثل إيرباص وإم تي يو وهينسولدت وإم بي دي إيه وديهل ديفنس ورود أند شفارتس، للعمل تحت مظلة "فريق الجيل السادس" (Team Gen 6) بهدف تطوير مقاتلة جديدة. وقد أكدت هذه الشركات، في ورقة موقف صدرت خلال معرض برلين الدولي للطيران، على ضرورة عدم إضاعة الوقت وتحمل الجانب الألماني للمسؤولية وإثبات قدرته على العمل. هذه التصريحات تثير حساسية خاصة في فرنسا، حيث أشارت الصحفية ميشائيلا فيغل في صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ الألمانية إلى تراجع الترحيب الفرنسي السابق بالتحول الدفاعي الألماني، ليحل محله شعور متزايد بعدم الثقة. وتساءلت فيغل: "لم يعد السؤال في باريس فقط: ماذا ستفعل ألمانيا بميزانياتها الدفاعية الضخمة؟ بل أيضاً: مع من ستفعل ذلك؟".
يُذكر أن مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي "FCAS" كان يمثل أحد أبرز تجليات الطموح الدفاعي الأوروبي. وقد أُطلق هذا المشروع عام 2017 بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، وانضمت إليه إسبانيا لاحقاً. كان من المخطط أن ينتج المشروع مقاتلة من الجيل السادس، بالإضافة إلى طائرات مسيرة مرافقة وشبكة رقمية متقدمة تُعرف بـ"السحابة القتالية". هذا المشروع، الذي قُدرت تكلفته بنحو 100 مليار يورو، كان يهدف إلى استبدال مقاتلات رافال الفرنسية ويوروفايتر المستخدمة في ألمانيا وإسبانيا مستقبلاً.
إلا أن المشروع واجه خلافات طويلة الأمد بين شركة داسو الفرنسية وشركة إيرباص، التي تمثل بشكل خاص المصالح الألمانية والإسبانية. تركزت هذه الخلافات حول قيادة المشروع، وتقاسم التكنولوجيا الحساسة، وتوزيع الحصص الصناعية. ففي حين سعت داسو للحصول على دور قيادي أوسع في تطوير الطائرة، أصرت برلين على مبدأ الشراكة المتساوية. ومع استمرار هذا الجمود، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنهاء الجزء الأساسي من المشروع.
في برلين، لم يقدم ميرتس فشل المشروع على أنه هزيمة كاملة. فقد صرح المستشار الألماني، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، خلال معرض برلين الدولي للطيران والفضاء، بأن إنهاء الجمود الذي استمر لسنوات يفتح آفاقاً جديدة أمام الصناعة الدفاعية لتطوير طائرات مقاتلة حديثة بأساليب أخرى. ومع ذلك، حاول ميرتس في الوقت ذاته إبقاء الباب مفتوحاً أمام باريس، مؤكداً استمرار جزء من المشروع، وهو "السحابة القتالية"، أي منظومة الربط الشبكي بين أنظمة التسليح المختلفة. واعتبر أن هذا الجزء يمكن أن يصبح مشروعاً ألمانياً فرنسياً محورياً في السياسة الدفاعية مستقبلاً، على أن يبحث وزيرا دفاع البلدين آلية التنفيذ قبل الاجتماع الحكومي الألماني الفرنسي المشترك في منتصف تموز/يوليو.
لكن هذه الرسالة لم تبدُ كافية لطمأنة الفرنسيين. فبحسب صحيفة فرانكفورتر ألغماينه، لم تكن المشكلة في باريس تكمن فقط في نهاية مشروع الطائرة، بل أيضاً في الطريقة التي انتهى بها. فمن وجهة النظر الفرنسية، كان بالإمكان صياغة خروج مشترك وواضح مع فرنسا وإسبانيا، بدلاً من إعطاء الانطباع بأن برلين اتخذت قرار المسار الجديد بمفردها.
يتجاوز القلق الفرنسي حدود مشروع صناعي واحد، إذ عادت مخاوف قديمة من الهيمنة الألمانية داخل أوروبا لتطفو على السطح في فرنسا، وفقاً للصحيفة الألمانية. هذه المخاوف لا تقتصر على اليمين الشعبوي بقيادة مارين لوبن وجوردان بارديلا، رغم استفادته السياسية منها، بل باتت منتشرة أيضاً في أوساط سياسية وعسكرية أوسع. لطالما اعتبرت فرنسا نفسها القوة العسكرية المحورية في الاتحاد الأوروبي، نظراً لامتلاكها السلاح النووي ومقعدها الدائم في مجلس الأمن. في المقابل، تتجه ألمانيا، التي كانت أكثر تحفظاً عسكرياً لعقود، الآن نحو استثمارات دفاعية ضخمة وتطمح لبناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا.
ووفقاً لصحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ، تصاعد القلق في باريس بعد عرض وزير الدفاع بوريس بيستوريوس لأول استراتيجية عسكرية لألمانيا الاتحادية. حملت الاستراتيجية عنوان "المسؤولية عن أوروبا"، لكنها، من المنظور الفرنسي، لم تذكر فرنسا ولا بولندا كشريكين مركزيين. قد يبدو هذا تفصيلاً شكلياً، لكنه يحمل دلالة سياسية عميقة في باريس. فإذا كانت ألمانيا تتحدث عن مسؤولية أوروبية جديدة دون وضع الشراكة الفرنسية الألمانية في صلبها، فهذا يعني، في نظر منتقدين فرنسيين، أن برلين تعيد تعريف دورها الأمني بطريقة لا تمنح باريس المكانة التي اعتادت عليها.
في المقابل، تسعى الصناعة الألمانية لطمأنة باريس وتبديد مخاوفها. فقد صرح رئيس شركة إيرباص للدفاع والفضاء، ميشائيل شولهورن، لوكالة الأنباء الألمانية، بأن الصناعة تنتظر تكليفاً واضحاً من المستشار الألماني بشأن الخطوات المستقبلية، سواء فيما يتعلق بمشروع FCAS المتقلص أو بتطوير مقاتلة جديدة. وأكد شولهورن أن القوات الجوية في حلف الناتو لا تزال بحاجة إلى مقاتلات مأهولة يمكن ربطها لاحقاً بطائرات مسيرة. وشدد على أن الصناعة الألمانية ترغب في تطوير طائرة مقاتلة "من أجل أوروبا وبالتعاون معها"، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بتحرك ألماني منفرد، بل "بتفكير أوروبي". لكنه أضاف أيضاً أن الصناعة الألمانية يجب أن تكون مشاركة بشكل جوهري وبدور مسؤول.
بعد انهيار الجزء الخاص بالمقاتلة، لا تزال الجهود مستمرة للبحث عن صيغة أوروبية بديلة. وقد أكدت شركات إسبانية، منها إندرا وإيرباص للدفاع والفضاء وغروبو أويسيا وجي إم في وآي تي بي وسينر، تمسكها بالتعاون متعدد الجنسيات لتطوير مقاتلة أوروبية. وتشير تقديرات متداولة في الأوساط الصناعية إلى احتمال اتجاه إيرباص وشركائها الألمان، بالإضافة إلى التحالف الإسباني، نحو التعاون مع شركة ساب السويدية المصنعة لمقاتلات غريبن. هذا يعني أن فكرة المقاتلة الأوروبية لم تنتهِ، لكنها قد تعود بصيغة جديدة لا تكون فرنسا بالضرورة محورها.
تأتي هذه التطورات في توقيت حساس لباريس، حيث تواجه فرنسا ضغوطاً مالية وسياسية، في حين تزيد ألمانيا وبولندا من إنفاقهما العسكري بوتيرة أسرع. ووفقاً لصحيفة فرانكفورتر ألغماينه، حذر رئيس أركان الجيش الفرنسي فابيان ماندون أمام مجلس الشيوخ من خطر تخلف فرنسا عسكرياً عن شركائها الأوروبيين. ورغم تحليق طائرات عسكرية ألمانية فوق قوس النصر في باريس خلال العيد الوطني الفرنسي، فإن الرمزية وحدها لا تكفي لتبديد التساؤلات. فالعلاقة الألمانية الفرنسية كانت لعقود المحرك الأساسي للمشروع الأوروبي. أما اليوم، وبعد انهيار مشروع المقاتلة وظهور مسارات ألمانية بديلة، باتت هذه العلاقة أمام اختبار واضح. سياسياً، يمثل فشل مشروع FCAS ضربة لطموح ماكرون في بناء سيادة دفاعية أوروبية، كما يمنح خصومه في الداخل مادة جديدة للتشكيك في فعالية الشراكة مع ألمانيا التي راهن عليها الإليزيه. (DW)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة