من المهندس محمود صقر: الثقة الوطنية.. مفتاح السلم الأهلي ومستقبل سوريا في الشرق الأوسط


هذا الخبر بعنوان "قراءة هادئة في تحولات الشرق الأوسط والمجتمع السوري (11).. حين تصبح الثقة قضية وطنية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: المهندس محمود محمد صقر
بعد قراءة متأنية لمقال الدكتور محمد حبش حول مؤتمر السلم الأهلي في سوريا، وجدتُ نفسي أتعمق في تساؤل يختلف قليلاً عن المحاور التي طُرحت في المؤتمر. فالمشكلة، من وجهة نظري، لم تعد تقتصر على كيفية مواجهة خطاب الكراهية أو تعزيز الحوار بين مكونات المجتمع فحسب، بل تمتد إلى سؤال جوهري أعمق: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها السلم الأهلي قضية وطنية تستدعي عقد المؤتمرات والندوات والمبادرات؟
لطالما كان الإنسان، منذ فجر التاريخ، يبحث عن الأمان قبل الرفاهية. فالقبائل تجمعت، والمدن بُنيت، والدول نشأت، كلها سعياً وراء الأمان. لكن التاريخ يعلمنا أن الشعور بالأمان لا ينبع دائماً من القوة وحدها. فالقوة قد تنجح في قمع الفوضى مؤقتاً، لكنها عاجزة بمفردها عن بناء الثقة. ولهذا، فإن المجتمعات لا تنهار لحظة اختلافها، بل تبدأ بالتآكل عندما تفقد قدرتها على الثقة ببعضها البعض.
ولعل أخطر ما تخلفه الحروب ليس الدمار المادي الذي يصيب الحجر، بل الندوب الخفية التي تتركها في النفوس والذاكرة الجمعية. فالمباني يمكن إعادة بنائها، والطرق يمكن إصلاحها، والمؤسسات يمكن إعادة تنظيمها. أما الثقة، فإذا اهتزت، فإن استعادتها تتحول إلى واحدة من أصعب المهام التي تواجه أي مجتمع.
يستدعي الأمر هنا التساؤل: هل كانت المشكلة في التنوع بحد ذاته؟ أم في غياب الصيغة التي تضمن شعور التنوع بالأمان؟ فالتنوع لم يكن يوماً ظاهرة استثنائية في سوريا أو في الشرق الأوسط. لقد احتضنت هذه المنطقة على مر القرون قوميات وأدياناً ومذاهب وثقافات متعددة، وكان هذا التنوع قادراً على أن يكون مصدراً لغنى حضاري وإنساني عظيم. لكن الإشكالية تبرز عندما يشعر أي طرف أن أمنه مرهون بضعف الطرف الآخر، أو أن مستقبله لا يتحقق إلا بالسيطرة عليه. حينها، يتحول التنوع من مصدر قوة إلى مصدر قلق، وتتحول الهويات الطبيعية إلى خطوط تماس نفسية واجتماعية غير مرئية.
مع مرور الزمن، تتراكم المخاوف وتتضخم الشكوك، وتصبح الذاكرة مثقلة بالهواجس أكثر من امتلائها بالآمال. هنا يدخل المجتمع في دائرة معقدة: الأقلية تخشى الأكثرية، والأكثرية تخشى فقدان دورها، والسلطة تخشى المجتمع، والمجتمع يخشى السلطة. يصبح الجميع يبحث عن ضمانات خارج إطار الثقة المتبادلة. في مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة في الأشخاص أنفسهم، بل في غياب الصيغة القادرة على طمأنة الجميع؛ الصيغة التي تجعل القانون أسمى من الخوف، والمواطنة أوسع من الانتماءات الضيقة، والمؤسسات أكثر استقراراً من تقلبات السياسة.
إن الدول الحديثة لم تُبنَ لأن شعوبها أصبحت متشابهة، بل لأنها ابتكرت آليات تسمح للمختلفين بالعيش معاً دون خوف. ولعل أحد أهم دروس التاريخ هو أن المجتمعات لا تستقر بانتصار طرف على آخر، بل عندما يشعر الجميع أن مستقبلهم محمي بقواعد عادلة وواضحة. من هذا المنطلق، فإن السلم الأهلي لا يبدأ بالمؤتمرات أو البيانات أو الخطابات وحدها، بل ينطلق من إعادة بناء الثقة: الثقة بين المواطن والدولة، والثقة بين المؤسسات والمجتمع، والثقة بين مكونات المجتمع نفسه.
المجتمع المرتاب مجتمع منهك، حتى لو امتلك الموارد. أما المجتمع الواثق بنفسه، فهو قادر على النهوض حتى في أشد الظروف قسوة. ولهذا، فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تقتصر على إعادة بناء الأبنية والطرقات والجسور، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان. إعادة بناء ثقته بنفسه، وثقته بمؤسساته، وثقته بشركائه في الوطن. فالحجر يمكن أن يُعاد بناؤه خلال سنوات، أما الثقة... فقد تحتاج إلى جيل كامل كي تعود.
ولعل هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم، وهو الذي سيحدد ملامح المستقبل أكثر من أي مشروع أو استثمار أو خطة اقتصادية. فالمال قادر على بناء مشروع، أما الثقة... فهي التي تبني وطناً لأجيال، وتبني أملاً من تاريخ قريب. (موقع: اخبار سوريا الوطن)
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة