توماس باراك: من مبعوث أمريكي إلى مهندس لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بعد سايكس بيكو


هذا الخبر بعنوان "من سايكس ـ بيكو إلى باراك" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم أحمد رفعت يوسف: في خطوة لافتة، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في التاسع والعشرين من أيار/مايو الماضي، إنهاء مهمة المبعوث الأمريكي إلى سورية توماس باراك. إلا أن الرئيس ترامب أعلن في اليوم التالي إعادته إلى مهمته، ولكن هذه المرة بصفة مبعوث رئاسي، مع توسيع نطاق مهمته لتشمل العراق. علاوة على ذلك، يمدّ باراك نشاطه إلى لبنان، حيث يلتقي بالمسؤولين اللبنانيين ويدلي بمواقفه بشأن الملفات اللبنانية، وكأنه مبعوث أمريكي إلى بيروت، دون تكليف رسمي.
إن هذا التباين بين قراري ترامب وروبيو يعكس أسباباً سياسية واقتصادية، تؤكد توافق مهمة باراك وأفكاره مع رؤى ومشاريع ترامب في سورية والمنطقة. وبذلك، يتحول باراك من مجرد مبعوث أمريكي إلى لاعب مركزي يدير التحول السياسي والاقتصادي في دمشق ومنطقة شرق المتوسط، ليصبح اليد الأمريكية الفاعلة في إعادة رسم توازنات المشرق وفق رؤية واشنطن.
على الطريقة الترامبية، بدأ باراك مهمته في سورية بتصريحات أثارت عواصف من المواقف والتساؤلات حول ما يرمي إليه هو ومن خلفه ترامب وواشنطن، وما هي خطواته التالية. وقد اتضح أن وراء هذا الضباب أفكاراً ومخططات تعمل على إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. وكان أبرز تصريح أطلقه باراك في بدايات مهمته في سورية، عندما أعلن "انتهاء عصر الحدود والخرائط التي رسمتها اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916". كما قال إنه "لا يوجد شرق أوسط كمنطقة سياسية شرعية، بل مجرد تجمعات من القرى والقبائل والمجموعات العرقية"، ووصف الدول القومية الحالية في المنطقة بأنها كيانات مصطنعة رسمت القوى الاستعمارية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، حدودها بخطوط مستقيمة ولأهداف استعمارية، لا من أجل السلام.
واعتبر باراك أن ذلك التقسيم "كان خطأً دفعت أجيال بأكملها ثمنه، ولن يتكرر مرة أخرى"، وأن زمن التدخل الغربي قد انتهى، وأن المستقبل سيكون لحلول تنبع من داخل المنطقة، عبر شراكات قائمة على الاحترام المتبادل. ورأى أيضاً أن "ولادة سورية الجديدة تبدأ بالحقيقة والمساءلة والتعاون مع المنطقة"، وأن سقوط نظام بشار الأسد فتح "باب السلام".
وفي تصريحات عديدة تخص لبنان، قال إن "لبنان دولة فاشلة" وإنه "قد يواجه تهديداً وجودياً" وقد يعود إلى "بلاد الشام مجدداً" مع عودة الحضور السوري إلى الساحة الدولية. كما انخرط شخصياً وبقوة في الجهود المتعلقة بنزع سلاح "حزب الله".
والآن، وقد امتدت مهمة باراك لتشمل العراق، فإن هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، ولا سيما أنها جاءت متزامنة مع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، والمفاوضات الجارية للتوصل إلى اتفاق إيراني ـ أمريكي ـ إسرائيلي بشأن شروط وقف القتال. كما يُتوقع أن تكون لتركيا حصة في أفكار ومخططات باراك والرئيس ترامب، وهو الخبير بالشأن التركي، وهي أفكار لا يخفي المسؤولون الإسرائيليون أنها حاضرة في حساباتهم.
ويؤكد ذلك أن تصريحات باراك وتوسيع مهمته يرتبطان بتحولات في الرؤية الأمريكية والإسرائيلية والغربية للحدود الحالية لدول المنطقة، والتي لم يعد لها المعنى نفسه في ظل التطورات الراهنة، ووجود مشاريع لإعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. كما أن الحراك الأمريكي الحالي، الذي يقوده باراك، لا يتعلق فقط بإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز، بل أيضاً بصياغة شكل النظام الإقليمي الذي سيولد بعدها.
وتؤكد مصادر سياسية ودبلوماسية عديدة أن باراك يقود منذ أشهر سلسلة من الاتصالات والمباحثات الإقليمية المتداخلة، تتجاوز ملفات الحدود والأمن والتطبيع، لتشمل شكل التوازنات الإقليمية التي تسعى واشنطن إلى بنائها. وتقوم هذه المقاربة على ربط الملفات اللبنانية والسورية والعراقية ضمن رؤية واحدة للتعامل مع أزمات المشرق العربي، تنطلق من قناعة متزايدة داخل الإدارة الأمريكية بأن النفوذ الإيراني في المنطقة لا يمكن احتواؤه عبر معالجة كل ساحة بصورة منفصلة، سواء في لبنان أو سورية أو العراق، بل من خلال إعادة بناء منظومة إقليمية جديدة تستعيد فيها الدول الوطنية أدوارها السياسية والأمنية، وتتراجع فيها تدريجياً أدوار الفاعلين المسلحين غير الحكوميين المرتبطين بطهران.
ويتطلب ذلك بلورة إطار إقليمي جديد يقوم على إنشاء شبكة تفاهمات بين الدول العربية وتركيا وإسرائيل تحت المظلة الأمريكية، بما يسمح بإعادة ترتيب المنطقة بعد سنوات من الصراعات والحروب. كما يؤكد باراك في لقاءاته أن "اتفاقات أبراهام" جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، يقوم على دمج إسرائيل في شبكة من العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الدول العربية لمواجهة النفوذ الإيراني.
ومع هذه التطورات، بات واضحاً أن دور توم باراك لم يعد يقتصر على كونه مبعوثاً أمريكياً إلى سورية والعراق ولبنان، وسفيراً لواشنطن في أنقرة، بل بات يأخذ دور المندوب السامي الأمريكي في بلاد الشام والرافدين، ويعمل على مشروع لوراثة سايكس ـ بيكو. ويبقى السؤال: ماذا عن شعوب المنطقة وقواها الحية؟ هل ستقاوم هذا المشروع الجديد، أم أن باراك سينجح في مهمته، لننتظر بعدها مئة عام أخرى حتى تتوفر فرصة جديدة لنهوض المنطقة؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة