درعا تواجه شبح العطش رغم الأمطار الغزيرة: تحديات البنية التحتية واستنزاف المياه الجوفية تعمق الأزمة


هذا الخبر بعنوان "درعا: أمطار وفيرة لا تبدد مخاوف العطش في جنوب سوريا" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على الرغم من موسم مطري فاق المعدلات السنوية المعتادة، لا تزال أزمة المياه في محافظة درعا قائمة، ولم تصبح جزءاً من الماضي. فمع اقتراب أشهر الصيف الحارة، يواجه السكان واقعاً مائياً هشاً يتسم بسدود لم تمتلئ بالقدر المأمول، وشبكات مياه متهالكة، بالإضافة إلى استنزاف متزايد للآبار الجوفية.
وفي هذا السياق، صرح هاني العبد الله، مدير الموارد المائية في درعا، لموقع سوريا 24، بأن المحافظة شهدت هذا العام هطولات مطرية تجاوزت 100% من المعدل السنوي، مما أثر إيجاباً على الزراعة البعلية التي تعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار. ومع ذلك، لم تترجم هذه الوفرة في الهطولات تلقائياً إلى زيادة مماثلة في المخزون المائي.
وأوضح العبد الله أن إجمالي كميات المياه المخزنة في سدود المحافظة وصل إلى حوالي 14 مليون متر مكعب فقط، مع توزيع غير متوازن بين السدود. فبينما سجلت بعض المنشآت، كسد تسيل وسد غدير البستان، مستويات تخزين مرضية، ظلت سدود أخرى عند مستويات متدنية، ولم تستقبل بعض السدود أي تدفقات مائية ملحوظة خلال الموسم. وعزا المسؤول ذلك إلى أن المحافظة كانت قد خرجت من عام جفاف قاسٍ، مما أدى إلى امتصاص التربة لجزء كبير من الهطولات الأولى لتعويض النقص الرطوبي المتراكم. كما أن الأمطار، رغم غزارتها الإجمالية، كانت متقطعة ولم تصاحبها عواصف مطرية كافية لتوليد جريانات كبيرة في الأودية والروافد التي تغذي السدود.
ومع حلول فصل الصيف، تسعى مديرية الموارد المائية جاهدة للموازنة بين احتياجات مياه الشرب ومتطلبات القطاع الزراعي. وقد تم في هذا الإطار تقييد التوسع في بعض الزراعات الصيفية بالمناطق ذات المخزون المائي المحدود، مع إعطاء الأولوية للأشجار المثمرة مثل الزيتون والرمان واللوزيات والعنب، نظراً لكونها محاصيل طويلة الأجل يصعب تعويض خسائرها.
لكن الصورة على أرض الواقع، في الأحياء السكنية والقرى المنتشرة في المحافظة، تبدو مغايرة لهذه الأرقام والخطط. فتقول رابعة، إحدى سكان درعا، إن المياه تصل إلى منزلها مرة كل أربعة أو خمسة أيام، مشيرة إلى أن عائلتها تضطر لشراء المياه من الصهاريج الخاصة عند تأخر الضخ. وتضيف أن تكلفة تعبئة الصهريج الواحد تبلغ حوالي 50 ألف ليرة سورية، وهو عبء مالي إضافي يثقل كاهل ميزانية الأسرة.
من جانبها، أوضحت صفاء أن المياه لا تصل إلى حيها سوى مرة واحدة أسبوعياً، مما يجبر الأهالي على شراء كميات إضافية لتلبية احتياجاتهم اليومية. وذكرت أن سعر المتر المكعب من المياه المنقولة بالصهاريج يصل إلى نحو 40 ألف ليرة سورية.
في سياق متصل، أفاد مرعي بأن منطقته تحصل على المياه كل أربعة أو خمسة أيام تقريباً، وقد تمكن السكان من التكيف مع هذا الوضع من خلال الاعتماد على خزانات كبيرة لتخزين المياه عند توفرها. ولفت إلى أن أسعار المياه تتفاوت بين المناطق، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً مؤخراً بسبب زيادة تكاليف المحروقات والنقل.
وتبرز هذه الشهادات مجموعة من التحديات التي تواجه محافظة درعا، حتى في السنوات التي تتميز بوفرة الأمطار. فالمشكلة، وفقاً للعبد الله، لا تقتصر على كمية المياه المتاحة فحسب، بل تمتد لتشمل قدرة البنية التحتية على إيصالها إلى المستهلكين. وأكد أن شبكات المياه ومحطات الضخ تعاني من تقادم كبير، وأن جزءاً كبيراً منها يتطلب إعادة تأهيل أو استبدال. علاوة على ذلك، تسهم الأعطال المتكررة والتعديات على خطوط الشبكات في زيادة الفاقد المائي وضعف ضغط المياه، خاصة في المناطق النائية والمرتفعة.
ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ يشكل الحفر العشوائي للآبار، بحسب مدير الموارد المائية، أحد أخطر التهديدات للأمن المائي في المحافظة. فقد شهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في عمليات الحفر غير المرخصة، مما أدى إلى استنزاف متواصل للمياه الجوفية التي تتطلب سنوات طويلة لتعويض ما تفقده. وحذر العبد الله من أن استمرار هذه الظاهرة سيؤدي إلى تراجع المخزون الجوفي وتداعيات مباشرة على مياه الشرب والإنتاج الزراعي. وأشار إلى أن المديرية قامت خلال الفترة الماضية بتنفيذ حملات لمصادرة الحفارات المخالفة، وتنظيم محاضر ضبط بحق المخالفين، وإحالة عدد من القضايا إلى القضاء، فضلاً عن ردم الآبار التي حُفرت بطرق غير قانونية.
وعلى الرغم من هذه الإجراءات، أقر المسؤول بأن الحلول الراهنة تظل جزئية ومحدودة ما لم تقترن بمشاريع استراتيجية تعالج جذور الأزمة. ومن أبرز هذه المشاريع، ملف معالجة مياه الصرف الصحي، الذي يعتبره خياراً حيوياً لتأمين مصادر ري إضافية وتخفيف الضغط على المياه الجوفية. وأشار إلى أن إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة يمكن أن يقلل من استنزاف الموارد التقليدية ويوفر مورداً إضافياً للمزارعين، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وارتفاع الطلب على المياه.
وفي سياق الاستعداد لمواجهة موجات جفاف أو حرارة شديدة محتملة خلال الصيف، أكدت مديرية الموارد المائية أنها وضعت إجراءات إسعافية وخططاً بديلة للتعامل مع أي نقص محتمل. ومع ذلك، نبه العبد الله إلى أن نجاح هذه الجهود يتوقف أيضاً على تعاون السكان والمزارعين في ترشيد الاستهلاك والحد من هدر المياه.
في محافظة اعتادت خلال السنوات الأخيرة على التناوب بين مواسم الجفاف والمواسم الماطرة، يتضح أن الأمن المائي لا يرتبط فقط بكمية الأمطار الهاطلة، بل بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد المتاحة، وتطوير البنية التحتية، ومنع الاستنزاف المتواصل للمياه الجوفية. وبين أمطار غزيرة نسبياً هذا العام ومخاوف متجددة مع كل صيف، تظل قضية المياه من أكثر القضايا حساسية بالنسبة لسكان درعا ومستقبلها الزراعي.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي