سوريا: تحولات ما بعد سقوط النظام.. من الفرحة العارمة إلى دعوات الإصلاح الجذري


هذا الخبر بعنوان "من الفرح العظيم إلى القلق الكبير" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: القاضي حسين حمادة
تمر الشعوب بلحظات تاريخية استثنائية تبدو وكأنها أحلام بعيدة المنال، وحين تتحقق، يقف الناس أمامها غير مصدقين أنها أصبحت حقيقة. بالنسبة لكثير من السوريين، ومنهم الكاتب، كانت نهاية النظام الأسدي إحدى تلك اللحظات الفارقة. لم يكن يتصور أحد أن يعيش ليرى سقوط منظومة أمنية وعسكرية حكمت البلاد لعقود طويلة، بما فيها شبكات القمع والفساد والشبيحة والميليشيات الطائفية، وكل ما ارتبط بها من نفوذ خارجي فرض على سوريا أثمانًا باهظة من سيادتها واستقرارها ومستقبل أبنائها. كان الاعتقاد السائد أن هذه اللحظة مؤجلة لأجيال قادمة، لكن مشيئة الله شاءت أن يشهدها الجيل الحالي، لتكون نهاية لمرحلة كاملة من تاريخ سوريا. لذا، كانت الفرحة عارمة واستثنائية، كونها لم تكن مجرد انتصار سياسي، بل فرحة شعب اعتقد أنه بدأ أخيرًا يخرج من نفق طويل من الخوف والمعاناة.
تزايد الأمل مع التصريحات الأولى للقيادة الجديدة والخطابات التي ركزت على مفاهيم الدولة والعدالة والمواطنة وسيادة القانون والشراكة الوطنية. شعر السوريون حينها بأن بابًا جديدًا قد فُتح أمامهم، وأن الفرصة أصبحت متاحة لبناء وطن يتسع للجميع، بعيدًا عن الإقصاء والاستئثار والاستبداد.
غير أن هذا المشهد، ومع مرور الوقت، بدأ يثير تساؤلات وقلقًا متزايدًا لدى الكثيرين. فبدلًا من أن يسود الأمن والاستقرار، اتسعت مظاهر الفوضى في بعض المناطق. وبدلًا من ملاحقة مجرمي الحرب ومحاسبتهم وفق القانون، بدأ التعامل معهم وكأنهم شخصيات وطنية. كما أن مشاريع خدمية تهم المواطن لم تُنجز، بل طُرحت مشاريع وُصفت بأنها أقرب إلى الفنتازيا الوهمية. تفاقمت البطالة وعمّ الفقر، وتشكّل لدى العديد من السوريين انطباع متزايد بأن القرار يتركز تدريجيًا في دائرة سياسية ضيقة، وأن مؤسسات الدولة تُبنى وفق منطق الغلبة أكثر مما تُبنى وفق منطق الشراكة الوطنية.
هذا الواقع ولّد شعورًا متناميًا بالتوجس وعدم الرضا لدى شريحة واسعة من المواطنين، وساد الصمت لدى كثيرين. والصمت في مثل هذه الظروف ليس دائمًا علامة رضا، بل قد يكون لغة الخيبة أو انعكاسًا لفقدان الثقة بجدوى الكلام. هنا، لا بد من تجاوز هذا الواقع والانطلاق نحو فضاء وطني أوسع وأكثر شمولًا، وذلك من خلال قيادة عملية إصلاح جذرية وحقيقية تبدأ بالإصلاح السياسي بوصفه المدخل الطبيعي والأساسي الذي تُبنى عليه الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والقانونية.
في الحالة السورية، بما تعانيه من تشظٍّ سياسي ومجتمعي وتعدد في الرؤى والاتجاهات، فإن أي إصلاح سياسي جاد يقتضي إشراك جميع مكونات الشعب السوري في رسم مستقبل البلاد وصياغة عقدها الوطني الجديد. وهذا يتطلب إطلاق «حوار وطني» شامل يضم مختلف القوى السياسية والفعاليات المجتمعية والنقابية والثقافية، إضافة إلى الكفاءات والخبرات السورية في الداخل والخارج.
عندما نتحدث عن «الحوار الوطني»، فإننا نقصد عملية وطنية جادة وشاملة تمتد لفترة زمنية كافية قد تصل إلى عام كامل، بما يتيح إجراء حوارات معمقة ومسؤولة حول القضايا المصيرية والتحديات الكبرى التي تواجه الدولة والمجتمع. يجب أن تشرف على هذا الحوار لجنة وطنية تضم شخصيات مشهودًا لها بالكفاءة والنزاهة والمصداقية، مكوّنة من مختلف المحافظات والمكونات، وتتولى ما يلي:
على أن يُختتم هذا المسار بعقد «مؤتمر وطني» جامع تشارك فيه جميع المحافظات، ومختلف المكونات الاجتماعية، والتيارات السياسية والفكرية، ومنظمات المجتمع المدني، ليشكّل منصة وطنية للتوافق على المبادئ والأسس العامة التي تقوم عليها سوريا المستقبل، بما يعزز وحدة البلاد ويؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون والشراكة الوطنية الحقيقية.
وينبغي أن يتمخض عن هذا المؤتمر تشكيل «هيئة وطنية» تمثيلية محدودة العدد، تعكس التعدد الوطني السوري، وتتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية وممارسة صلاحيات واضحة في تأسيس المؤسسات الدستورية والسياسية الأساسية، بما في ذلك:
وعندها فقط نكون قد انتقلنا حقًا من مرحلة إسقاط النظام إلى مرحلة بناء الدولة، ومن فرحة الانتصار على الماضي إلى الاطمئنان على المستقبل.
(موقع:أخبار سوريا الماضي-الكاتب)
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة