أزمة السكن في دمشق: إيجارات فلكية تتجاوز الدخل ونقص حاد في المعروض


هذا الخبر بعنوان "لا تواكب مستوى الدخل.. قلة المعروض ترفع إيجارات البيوت بدمشق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد العاصمة السورية دمشق، بحسب رصد أجرته "عنب بلدي" وتقرير لـ غنى جبر، ارتفاعًا غير مسبوق وتفاوتًا حادًا في أسعار الإيجارات السكنية بين أحيائها المختلفة. يأتي هذا الارتفاع في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وتزامنًا مع لجوء بعض المالكين إلى نظام التأجير بالدولار الأمريكي، وفرض زيادات سنوية بنسب متباينة، مما يجعل تأمين سكن مناسب تحديًا متصاعدًا لشريحة واسعة من السكان.
أظهر الرصد الميداني تباينًا كبيرًا في الأسعار، حيث تسجل بعض الأحياء مستويات إيجارية مرتفعة بشكل لافت. ففي منطقة المهاجرين، تبدأ إيجارات المنازل من حوالي 200 دولار أمريكي شهريًا، وقد تصل إلى 500 أو 600 دولار (مع الأخذ في الاعتبار أن سعر صرف الدولار يبلغ نحو 14600 ليرة سورية). أما في مناطق مثل الجسر الأبيض وأبو رمانة والمالكي، فتُوصَف الأسعار بأنها "مزاجية واجتهادية"، حيث تتحدد بناءً على تقدير المالك ومواصفات العقار.
وفي سياق متصل، تتراوح إيجارات البيوت العربية بين 200 و400 دولار شهريًا، بينما تصل إيجارات الشقق السكنية الحديثة في مناطق كحاميش والميسات وركن الدين إلى ما بين 500 و700 دولار شهريًا.
أكد "أبو سعيد"، صاحب مكتب "برمبو" العقاري في منطقة المهاجرين، لـ"عنب بلدي" أن المشكلة الجوهرية في سوق العقارات لا تقتصر على ارتفاع قيم الإيجارات فحسب، بل تمتد إلى وفرة العقارات غير المستغلة. وأوضح "أبو سعيد" أن هناك ما يقارب مليونًا ونصف مليون وحدة سكنية "على الهيكل" (غير مكتملة)، وأن الحجة الغالبة لعدم إكسائها هي نقص السيولة المالية لدى المالكين.
ودعا "أبو سعيد" إلى ضرورة تفعيل دور البنك العقاري بالاستعانة بالخبراء، وإشراك شركات الإكساء في إيجاد حلول جماعية متكاملة. وأضاف أنه لو تضافرت الجهود وتم تجهيز هذه العقارات لتصبح صالحة للسكن، لارتفع العرض في السوق بشكل ملحوظ، مما سيؤدي تلقائيًا إلى انخفاض أسعار العقارات وقيم الإيجارات.
وفيما يخص عمولة المكاتب العقارية، أفاد "أبو سعيد" بأن العمولة المتعارف عليها هي نصف شهر قيمة إيجارية من المالك، ونصف شهر من المستأجر، وهي نسبة تخضع للاتفاق بين الأطراف. وأشار إلى أن تجديد العقود غالبًا ما يتم بشكل مباشر بين المالك والمستأجر دون وساطة المكتب العقاري مجددًا.
من جانبه، وصف سليمان الهتيمي، صاحب مكتب عقاري في منطقة حاميش، الإيجارات الحالية بأنها وصلت إلى مستويات مرتفعة بشكل لافت، معتبرًا أنها في بعض الحالات تتجاوز قيم الإيجارات في مدن خليجية رئيسة مثل دبي والرياض، رغم الفارق الكبير في مستوى الخدمات والبنية التحتية المتوفرة هناك. وأضاف الهتيمي أن السوق المحلي يشهد ممارسات استغلالية أحيانًا، خاصة تجاه المغتربين والقادمين من المحافظات الأخرى، الذين يجدون صعوبة في إيجاد خيارات سكنية مناسبة بأسعار معقولة.
من وجهة نظر المستأجرين، تتجلى آثار الأزمة مباشرة في الارتفاع المتواصل للإيجار، في وقت لا تواكب فيه مستويات الدخل هذا الارتفاع. طه ضبعان، المستأجر في منطقة المهاجرين، أكد أن قيم الإيجارات الحالية لا تتناسب مع واقع الدخل، مشيرًا إلى أن استئجار منزل من غرفتين فقط قد يصل إلى نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية، أي ما يعادل حوالي 200 دولار أمريكي. وأضاف أن منطقة المهاجرين تتمتع بمستوى مقبول من حيث كسوة المنازل والخدمات، لكن إيجاراتها مرتفعة جدًا.
وعن ظاهرة تسجيل عقود الإيجار بقيم مالية أقل من المبالغ الحقيقية المدفوعة، ذكر طه أن هذه الممارسة لا تزال منتشرة، مرجعًا ذلك إلى سعي بعض مالكي العقارات لتخفيف الأعباء الضريبية والرسوم البلدية المترتبة على العقار، من خلال التصريح عن قيم إيجارية أقل في العقود الرسمية. وأشار إلى أن الإفصاح عن القيمة الحقيقية للإيجار قد يؤدي إلى زيادة الرسوم المفروضة على المالك، وهو ما ينعكس بدوره على المستأجر الذي يتحمل هذه التكاليف.
ويرى طه أن خيار الانتقال إلى مناطق أخرى بحثًا عن إيجارات أقل قد يحمل أعباء إضافية، تشمل تكاليف النقل والمواصلات وارتفاع فواتير الماء والكهرباء. وأوضح أن الإيجار يشهد زيادة تلقائية مع كل تجديد للعقد، بالتوازي مع الارتفاع العام في الأسعار، وأن هذه الزيادات لا تخضع لنسب مئوية ثابتة أو معايير محددة، بل يحددها واقع السوق، وتتم التعاملات والتقديرات بالعملة السورية.
وتتوافق هذه الملاحظات مع ما ذكره المستأجر كرم دواليبي، الذي أكد أن أصحاب العقارات يرفعون الأسعار سنويًا بشكل غير منتظم، مستغلين غياب أي قانون يلزمهم بنسب زيادة محددة. وقد تصل الزيادة السنوية "المزاجية" إلى 50% دون وجود رادع قانوني يحدد سقفًا لهذه الارتفاعات.
في المقابل، يؤكد بعض المالكين أنهم يواجهون بدورهم تحديات ومشكلات مرتبطة بعمليات التأجير. تحدث هشام الرواس عن تجربته الشخصية والصعوبات التي يواجهها كمالك للعقارات، مشيرًا إلى تبدل سلوكيات بعض المستأجرين السوريين، ومقارنتها بتجارب سابقة مع مستأجرين أجانب كانوا يحرصون على تسليم العقار بنظافة تامة. ونظرًا للمشكلات المتكررة، اتخذ هشام قرارًا قاطعًا بالتوقف عن تأجير عقاراته سكنيًا أو تجاريًا لأي مستأجر جديد.
وفي سياق البحث عن حلول للحد من هذه الأزمات المتكررة بين الملاك والمستأجرين، اقترح هشام إنشاء نظام أو قاعدة بيانات (قائمة سوداء) تابعة لغرفة الإيجارات، يتم من خلالها توثيق أسماء المستأجرين الذين يتسببون بمشكلات أو يلحقون أضرارًا بالعقارات، مما يتيح للملاك التحقق من خلفية المستأجر قبل توقيع العقد. كما شدد على ضرورة وجود قانون إيجار واضح ومحدث ينظم القيمة الإيجارية ونسبها بوضوح.
في المحصلة، تعكس الإيجارات السكنية في دمشق واقعًا معقدًا في ظل ظروف اقتصادية صعبة ومطالب بوضع ضوابط تنظيمية واضحة، ليبقى ملف السكن أحد أبرز التحديات المعيشية التي تحتاج إلى معالجة شاملة توازن بين مصالح المالكين وحقوق المستأجرين.
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي