اعتصام البرلمان بدمشق: حوارات مباشرة تعيد الواقعية إلى المشهد السياسي السوري


هذا الخبر بعنوان "اعتصام البرلمان.. أخيرا بدأ الواقع يعود إلى الكلام" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد محيط البرلمان في دمشق، بتاريخ 6 من حزيران الحالي، اعتصامًا دعت إليه مجموعة "17 نيسان"، حيث رفع المشاركون مطالب متنوعة شملت قضايا معيشية تتعلق بالأسعار ومستوى الخدمات، بالإضافة إلى قضايا سياسية راهنة في البلاد، مثل شكل البرلمان والعلاقة بين الدولة وبعض المناطق السورية. اللافت في هذا الاعتصام كان حضور أشخاص عبروا عن معارضتهم للوقفة الاحتجاجية، مما أتاح المجال لنقاشات وحوارات مباشرة بين أطراف تحمل رؤى متباينة حول الواقع السوري ومستقبل البلاد.
بالنسبة للكاتب أحمد عسيلي، لم يكن الاعتصام بحد ذاته هو الأهم، بل طبيعة اللغة التي سادت خلاله. فالسوريون لم يعيشوا صمتًا في العقود الماضية، بل ربما شهدوا فائضًا من الكلام والشعارات والخطابات التي ابتعدت تدريجيًا عن الواقع. كانت الكلمات تُستخدم غالبًا لتصنيف الأشخاص بأوصاف مثل "خائن" و"عميل" و"مندس" و"وطني" و"شريف"، بدلًا من أن تساهم في فهم المشكلات الحقيقية على الأرض.
المشهد الأبرز لم يكن مجرد وجود معتصمين ومعارضين لهم في المكان ذاته، بل الحوارات التي دارت بينهم. تجلت هذه الحوارات في مشاهد لسيدتين تختلفان وتتبادلان الرأي والفكاهة، ورجل أمن يتدخل للفصل بين شخصين مسنين اختلفا حول قضايا معيشية وسياسية، وأشخاص يسعون لشرح وجهات نظرهم المختلفة من خلال تجاربهم اليومية. في كل هذه المواقف، بدت اللغة وكأنها تستعيد وظيفتها الأصلية: أن تكون أداة لاكتشاف الواقع لا وسيلة للهروب منه.
من المشاهد ذات الدلالة العميقة كانت طريقة فض الاعتصام. فبعد نحو 50 دقيقة من التجمع، طلب أحد المسؤولين الأمنيين من المشاركين إنهاءه، مبررًا ذلك بأنه غير مرخص. قد يبدو هذا المشهد عاديًا في دول أخرى، لكنه يحمل في السياق السوري دلالات أعمق. المسؤول لم يلجأ إلى لغة التخوين، بل استخدم حجة قانونية واضحة: "الاعتصام غير مرخص، ولديكم عشر دقائق للمغادرة". لترد عليه لاحقًا في تسجيل مصور إحدى الناشطات بالقول إن الحديث عن الترخيص يفقد معناه في ظل غياب قانون واضح ينظم حق التظاهر.
سواء اتفق المرء مع هذا الرأي أو ذاك، فإن ما يلفت الانتباه هو طبيعة النقاش نفسه: حجة في مواجهة حجة، وكلام في مواجهة كلام. ممثل للدولة يقدم تبريرًا يستند إلى القانون، ومواطنة ترد عليه بمنطق قانوني آخر. هذه التفاصيل، رغم بساطتها الظاهرية، تمثل تحولًا مهمًا في الحياة السياسية السورية. فالعلاقة بين السلطة والمجتمع لم تعد تقتصر على أوامر من جهة وصمت من جهة أخرى، بل أصبحت تسمح بوجود مساحة للنقاش والاعتراض والرد.
لا يعني هذا التحول قطيعة كاملة مع الماضي، أو أن اللغة السياسية السورية قد تحولت فجأة إلى لغة عقلانية وواقعية بالكامل. فمثل هذه التغيرات لا تحدث بين عشية وضحاها، وما زالت مفردات كثيرة من المرحلة السابقة حاضرة في المجال العام، وما زال البعض يستخدم كلمات مثل "الفلول" أو "التشبيح" أو غيرها من التوصيفات التي تهدف إلى تصنيف الأشخاص أكثر مما تهدف إلى فهم ما يقولونه. كما أن المزاودة والاتهامات المتبادلة ما زالت حاضرة بقوة أحيانًا. لكن أهمية ما جرى تكمن في أن هذه اللغة لم تعد اللغة الوحيدة المتاحة، فإلى جانبها بدأت تظهر لغة أخرى، أكثر ارتباطًا بالواقع وأكثر انشغالًا بالمشكلات الفعلية التي يعيشها الناس.
ما زال الخطاب المعارض السوري يواجه صعوبة في التكيف مع هذا التغير، إذ تتكرر عبارات من قبيل "لم يتغير شيء" أو "انتقلنا من دكتاتورية إلى دكتاتورية". وبغض النظر عن التقييم السياسي لهذه المواقف، تكمن المشكلة في علاقتها بالواقع. فالجمهور السوري، حين يلاحظ تغيرات ملموسة في الحياة العامة، ثم يسمع أن "لا شيء تغير"، تنشأ فجوة بينه وبين المتحدث. إن إنكار الوقائع الواضحة غالبًا ما يؤدي إلى نتيجة معاكسة، لأنه يفقد الخطاب قدرته على الإقناع.
تتعلم المجتمعات الحرية ليس فقط من خلال الدساتير والقوانين، بل من خلال طريقة حديثها أيضًا. وحين تبدأ اللغة بالاقتراب من الواقع، وحين يُدار الخلاف بالكلام والحجة بدل التصنيف والشعار، نكون أمام خطوة متواضعة لكنها أساسية في تعلم أبجدية الحرية. إنها عملية طويلة ومليئة بالتعثرات، لكن ما شهده البرلمان السوري يشير إلى تحول يستحق الانتباه: عودة الواقع إلى اللغة السياسية السورية، بعد سنوات طويلة كانت اللغة فيها تتكلم كثيرًا، لكنها نادرًا ما كانت تصف ما يعيشه الناس فعلًا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة