روسيا تحول مرفأ طرطوس إلى مركز لوجستي إقليمي: أبعاد استراتيجية وتحديات جيوسياسية


هذا الخبر بعنوان "روسيا تتخذ من طرطوس منصة عابرة للحدود.. ما الأبعاد؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحول جيواقتصادي بارز يعيد رسم خارطة النفوذ في شرق المتوسط، بدأ مجلس الأعمال الروسي- السوري تشغيل مركز رئيس لتجميع وتوزيع البضائع الاستراتيجية الروسية في مرفأ طرطوس. يدعم هذا المركز خط ملاحي منتظم يربطه مباشرة بميناء “نوفوروسيسك” على البحر الأسود. تتجاوز هذه الخطوة أبعاد التبادل التجاري التقليدي، إذ يهدف الموقع إلى التحول لمنصة لوجستية متكاملة لتخزين السلع وتخليصها جمركيًا، ثم إعادة تصديرها من الساحل السوري إلى السوق المحلية والأسواق الإقليمية المجاورة كالعراق والأردن ودول الخليج العربي.
لم يكن هذا المستجد وليد ترتيبات تجارية بحتة، بل جاء تتويجًا لاجتماع عسكري رفيع المستوى عُقد في 6 من حزيران الحالي داخل القاعدة البحرية الروسية في طرطوس. ضم الاجتماع الأميرال قائد القاعدة، ومدير مركز التموضع فيها، والملحق العسكري لشؤون الدفاع في سفارة روسيا الاتحادية، حيث تعهد الجانب العسكري الروسي بتقديم دعم كامل وغير محدود للمشروع.
يعتبر ميناء “نوفوروسيسك” ذا أهمية استراتيجية مزدوجة، فهو أكبر منافذ روسيا على البحر الأسود، وممر ملاحي دائم، ومركز رئيس لتصدير النفط والحبوب والأسمدة. كما تحول عسكريًا إلى قاعدة بديلة للسفن والغواصات الروسية عقب الهجمات التي استهدفت مرفأ “سيفاستوبول”، وفقًا لما صرح به الباحث في الاقتصاد السياسي أيمن الدسوقي في حديث إلى عنب بلدي.
في هذا السياق، يحلل الدسوقي التحركات الروسية الأخيرة بوصفها تكيفًا استراتيجيًا مع معطيات مرحلة ما بعد الأسد، ومواجهة للضغوط الرامية لتفكيك نفوذ موسكو في الشرق الأوسط. هذا الأمر دفع صانع القرار الروسي نحو إعادة هيكلة مهام قواعده في سوريا لتتحول إلى نقاط لوجستية مخصصة للدعم الإنساني والشحن التجاري، انسجامًا مع تصريحات سابقة لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف.
وتهدف روسيا من خلال هذه الخطوة، بحسب الدسوقي، إلى إعادة شرعنة وجودها تجنبًا لإحراج الشريك السوري، وسعيًا لتخفيف هواجس القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة، لا سيما دول الخليج العربي وتركيا وإسرائيل. ويفسر هذا المنظور خلفيات تقديم الدعم العسكري للمشروع التجاري المعلَن عنه مؤخرًا، إذ تسعى روسيا من خلاله لتوجيه رسائل سياسية متعددة الأطراف، تؤكد فيها استدامة نفوذها في سوريا كقوة فاعلة في الشرق الأوسط، وعزمها الكامل على حماية ومواصلة صيانة مصالحها الاقتصادية الحيوية في المنطقة.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي سليمان شعبان، في حديث إلى عنب بلدي، أن مشروع الخط الملاحي بين “نوفوروسيسك” وطرطوس يمثل محاولة لبناء محور لوجستي ومالي روسي- سوري جديد في شرق المتوسط، بشرط استقرار الظروف السياسية الراهنة.
وتتجلى الأهمية الجيواقتصادية لهذا المشروع، بحسب شعبان، في تقليص زمن الشحن، وتأمين قناة مستقرة للصادرات الروسية، ومنح موسكو منفذًا تجاريًا إضافيًا يعزز وجودها العسكري. في المقابل، يسهم الخط في تخفيض الاعتماد السوري على سلاسل التوريد المكلفة والمعرّضة للضغوط، مع تحويل مرفأ طرطوس إلى مركز توزيع إقليمي، ما يجعل المشروع بمثابة جسر بحري روسي دائم نحو المشرق العربي.
وفيما يخص أبعاد هذا التحول، أشار الباحث في الاقتصاد السياسي أيمن الدسوقي إلى أنه لا يزال من المبكر تقديم قراءة دقيقة حول طبيعة انخراط الشركات التابعة للصندوق السيادي السوري، ومدى تأثيرها الفعلي على خريطة توزيع مراكز القوى الاقتصادية.
ورغم ذلك، فإن هذه الخطوة يمكن فهمها في سياق مساعي دمشق لضبط هذه العلاقات اللوجستية والتجارية، بهدف تبديد هواجس الحلفاء من جهة، وضمان إغلاق المنافذ أمام أي محاولات لتسلل أو عودة فلول النظام الاقتصادي السابق من جهة أخرى، بحسب الدسوقي.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، قال الباحث إن هذا الخط الملاحي والتجاري يخدم المصالح الروسية بشكل مباشر، إذ يضمن لموسكو دورًا محوريًا كفاعل رئيس في الترتيبات الاقتصادية الإقليمية الناشئة، وبناء أرضية صلبة للتمدد نحو أسواق الدول المجاورة.
إقليميًا، يتوقف تحول طرطوس إلى منصة “ترانزيت” نحو أسواق العراق والأردن والخليج على التوافقات السياسية قبل الترتيبات اللوجستية. ويرى الخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي ديمتري بريجع، أن المواقف ستتباين بين مرونة عراقية، وحذر أردني، وبراغماتية خليجية محكومة بشروط محددة.
ويرهن بريجع نفاذ التجارة عبر هذا المسار بمدى مدنية السلع وقانونية الآليات المالية وتنافسية الأسعار، مؤكدًا أن أي ارتباط للمركز بالقواعد الروسية أو بالمواد مزدوجة الاستخدام سيزيد من تحفظ الأطراف الإقليمية.
وفي حين يمنح هذا المشروع موسكو ميزة تنافسية قوية في السوق السورية دون تمكينها من الاحتكار الكامل، يرى بريجع أن نجاحه يظل رهنًا بقدرة موسكو ودمشق على الفصل الصارم بين الشقين الاقتصادي والعسكري، وتأسيس نظام مالي نظيف، وتفادي تحويل طرطوس إلى ساحة مواجهة مع واشنطن، ولا سيما أن المؤشرات الأخيرة للسياسة الأمريكية تعكس مراقبة دقيقة لهذا الملف، مع احتمالية تحول الضغط من العقوبات العامة إلى استهداف أمني مباشر للقواعد وشبكات الإمداد الروسية.
اعتبر الخبير الاقتصادي سليمان شعبان أن ما يجري ليس بالضرورة “استبدال نفوذ بآخر”، بل هو إعادة توازن بين مصادر التأثير الخارجية، داعيًا إلى التفريق بين مستويات التقارب الأمريكي والروسي مع سوريا.
وأوضح شعبان أن النفوذ لا يُقاس من زاوية اقتصادية بحتة، فالولايات المتحدة تمتلك أدوات تأثير أوسع من روسيا لكونها تتحكم في النظام المالي العالمي، والعقوبات، والوصول إلى الأسواق والمؤسسات الدولية، فضلًا عن توجيه مواقف الدول تجاه الاستثمار وإعادة الإعمار، ما يجعل لأي انفتاح أمريكي أو تخفيف للقيود أثرًا اقتصاديًا يفوق أي مشروع تجاري منفرد.
في المقابل، يستند النفوذ الروسي إلى عناصر مختلفة، أبرزها الوجود العسكري والأمني طويل الأمد، والحضور في قطاعات الطاقة والنقل والمواني، إلى جانب القدرة على تأمين السلع الاستراتيجية كالحبوب والوقود والأسمدة.
فيما يتعلق بالآلية القانونية والتقنية الناظمة لحركة التحويلات المالية في ظل العقوبات الدولية المفروضة، قال الباحث في الاقتصاد السياسي أيمن الدسوقي، إن هذه المشكلة كانت محور نقاشات موسعة في اجتماع عُقد أواخر عام 2025، وضم مجلس الأعمال السوري- الروسي وغرفة التجارة والصناعة الروسية.
ورغم غياب المعلومات الرسمية المعلَنة حول الصيغة النهائية للاتفاق، يرجح الباحث الاعتماد على شبكات من الوسطاء التجاريين، أو تفعيل نظام المقاصة السلعية، إلى جانب الاستعانة بالآليات الالتفافية التقليدية التي كانت تُستخدم سابقًا لتجاوز القيود المالية.
من جهته، يرى بريجع أن قضية تحويل الأموال تمثل التحدي الأبرز والأكثر حساسية في هذا المشروع، مبينًا أن الآلية الواقعية لتجاوز هذه العقبة قد تعتمد على إجراء تسويات مصرفية عبر بنوك غير خاضعة للعقوبات، أو فتح حسابات مراسلة في دول وسيطة.
كما أشار إلى خيارات أخرى مثل اعتماد نظام المقاصة بالروبل والليرة، أو تطبيق ترتيبات دفع ترتبط بالتبادل التجاري المباشر بدلًا من التحويل المالي الحر.
أما بخصوص إنشاء نظام مدفوعات مشترك خارج شبكة “سويفت”، فأوضح بريجع أن الخطوة ممكنة من الناحية التقنية، لكنها تنطوي على حساسية سياسية بالغة، إذ قد تضع المشروع تحت مجهر الرقابة الأمريكية والأوروبية إذا ما فُسرت كآلية للالتفاف على العقوبات الدولية.
على صعيد التبادل التجاري، قال الباحث في الاقتصاد السياسي أيمن الدسوقي، إن قائمة السلع الأساسية المعتمدة ستركز بشكل محوري على مادة القمح والمشتقات النفطية والأسمدة، نظرًا إلى أنها سلع استراتيجية وحيوية لاقتصادات دول المنطقة.
وأضاف الدسوقي أنه لضمان تحقيق جدوى اقتصادية ومنافع حقيقية للدول المشاركة، يتطلب هذا المشروع توفر ثلاثة شروط جوهرية: وجود إدارة احترافية للمركز التجاري، وتأمين ممرات نقل إقليمية منخفضة التكلفة ومرتبطة به مباشرة، وابتكار قنوات دفع مالية آمنة ومحصنة ضد العقوبات الدولية.
واستبعد الباحث سعي روسيا لإزاحة أطراف إقليمية أو دولية أخرى من السوق السورية، موضحًا أن دفة الاستراتيجية الروسية تتجه نحو تأمين موطئ قدم راسخ في قطاع السلع والبضائع الحيوية التي تمتلك فيها ميزة تنافسية مطلقة يصعب تجاوزها.
وأشار إلى أن موسكو تدرك تمامًا أن بناء شراكات تعاونية والاندماج في منظومة تكامل إقليمي، يفتح أمامها آفاقًا أوسع بكثير من الدخول في صراعات تنافسية مباشرة.
وشدد الباحث على أن استدامة هذه الآلية الملاحية ومأسستها على المدى الطويل، ترتبط بنيويًا بتطوير منظومة دفع ثنائية متكاملة بين الجانبين السوري والروسي، مستدركًا بأن هذا المسار يتطلب مدى زمنيًا أطول، في ظل مؤشرات تفيد بأن الظروف الراهنة لم تنضج بعد لتحقيق هذا التحول المالي.
في تحليله لانعكاس هذه التوريدات على مؤشرات الاقتصاد المحلي السوري، وتحديدًا معدلات التضخم واستقرار سعر الصرف، يربط الدسوقي النتيجة الحتمية بثلاثة محددات رئيسة: العملة المعتمدة في السداد، والسلع المتدفقة، ومستويات أسعار السلع.
في حين أشار بريجع إلى أنه إذا أُدير المركز بكفاءة عالية في مجالات التخزين والتخليص الجمركي والنقل، فإنه سيسهم في خفض تكاليف السلع الأساسية والحد من نفوذ الوسطاء، ما سينعكس إيجابًا على الأسعار في السوق السورية.
ومع ذلك، نبّه بريجع إلى أن هذا الأثر لن يكون تلقائيًا أو سريعًا، نظرًا إلى أن معدلات التضخم في سوريا ترتبط بعوامل هيكلية أخرى، أبرزها سعر الصرف والضرائب وتكاليف النقل الداخلي والفساد، بالإضافة إلى مدى قدرة الحكومة على ضبط الأسواق ومنع الاحتكار.
حذّر الباحث أيمن الدسوقي أيضًا من أخطار تحول هذا الممر التجاري إلى قنوات استيراد احتكارية تُدار بواسطة شبكات من الوسطاء وسماسرة الأسواق ورجال الأعمال، الأمر الذي قد يجرد المشروع من عوائده وجدواه الاقتصادية العامة.
من جانبه، أشار الخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي ديمتري بريجع، إلى أن إشراف شركة “زاجل”، التابعة للصندوق السيادي السوري، يضفي على المشروع أبعادًا سياسية وهيكلية محلية بارزة.
وأوضح بريجع أن دخول ذراع استثمارية سيادية يخرج المشروع من عباءة التجار التقليديين أو أمراء الحرب، ليدرجه ضمن استراتيجية أشمل لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري تزامنًا مع التحولات السياسية الراهنة.
ووفقًا للقراءة التحليلية لبريجع، فإن هذا التحول قد يسهم في إعادة رسم خارطة النفوذ المالي لمصلحة شبكات اقتصادية ناشئة ترتبط بالحكومة الجديدة وبتحالفات خارجية رسمية. ومع ذلك، يثير هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول مستويات الشفافية والحوكمة، بحسب بريجع، وما إذا كان هذا المركز سيتحول إلى أداة وطنية قادرة على تنظيم التدفقات التجارية، أم سيشكل بوابة احتكارية جديدة مغلفة بغطاء لوجستي.
خلُص الاقتصادي سليمان شعبان إلى أن السؤال الحاسم للمرحلة المقبلة في سوريا لا يكمن في تحديد الطرف الأقرب سياسيًا، بل فيمن يمتلك القدرة الفعالة على تقديم تمويل أكبر، وفتح الأسواق أمام الصادرات، وتسهيل الاستثمارات والتحويلات المالية، مع توفير مظلة سياسية واقتصادية مستقرة.
وأكد شعبان أن الإجابة الواقعية عن هذه التساؤلات هي التي ستحدد الوزن النسبي لكل من الولايات المتحدة وروسيا داخل المشهد السوري مستقبلًا، بعيدًا عن بريق التصريحات الدبلوماسية أو المشاريع المنفردة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة