تقلبات حادة في أسعار الشعير والكمون تربك مزارعي الجزيرة السورية


هذا الخبر بعنوان "بين تراجع وتذبذب.. أسعار الشعير والكمون تربك مزارعي الجزيرة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في محافظة الحسكة ومناطق الجزيرة السورية، ومع استمرار موسم حصاد الحبوب، يواجه المزارعون تحديات متفاقمة لا تقتصر على ارتفاع تكاليف الإنتاج فحسب، بل تمتد لتشمل تقلبات حادة في الأسواق الزراعية وانخفاضًا ملحوظًا في أسعار محاصيل رئيسة، أبرزها الشعير. فبينما كان العديد من المزارعين يعلقون آمالًا كبيرة على الموسم الحالي لتعويض جزء من خسائرهم المتراكمة على مدار السنوات الماضية، جاءت المستجدات الأخيرة في الأسواق لتثير قلقًا عميقًا بشأن حجم العائدات المتوقعة، لا سيما في ظل استمرار الضغوط المالية وتصاعد تكاليف مستلزمات الزراعة والحصاد.
شهدت أسعار الشعير تراجعًا ملحوظًا خلال الأيام الماضية في غالبية مناطق الجزيرة السورية، بحسب ما أفاد به تاجر الحبوب محمد العبد الله، الذي يزاول عمله بين أسواق الحسكة والرقة والدرباسية. وأوضح العبد الله لـ"عنب بلدي" أن سعر الطن الواحد من الشعير كان يتراوح بين 350 و424 دولارًا أمريكيًا خلال فترة البذار، لكنه انخفض تدريجيًا ليبلغ مستويات تتراوح بين 200 و225 دولارًا للطن في بعض المناطق، مشيرًا إلى أن نسبة الانخفاض تراوحت بين 35% و50%، وذلك تبعًا للمنطقة وجودة المحصول.
وعزا التاجر هذا التدهور في الأسعار إلى زيادة الكميات المعروضة في الأسواق خلال فترة زمنية قصيرة، تزامنًا مع حاجة العديد من المزارعين الماسة للسيولة النقدية لتغطية نفقاتهم المتراكمة وتسديد الديون وتكاليف الموسم الزراعي. وأضاف أن بعض المزارعين آثروا بيع محصولهم فور الحصاد أو حتى قبل اكتمال الموسم خشية من انخفاضات إضافية، وهو ما أسهم في ارتفاع ملحوظ في حجم العرض.
وفقًا للتاجر محمد العبد الله، تتباين أسعار الشعير بين منطقة وأخرى بناءً على عوامل مثل الجودة ومستوى الطلب وتكاليف النقل والتخزين. وأشار إلى أن متعاملين في أسواق الرقة ذكروا أن الشعير الأسود النظيف يتم تداوله بأسعار تتراوح بين 225 و240 دولارًا للطن، بينما بلغت بعض مبيعات الشعير المخصص للبذار أو التخزين حوالي 260 إلى 262 دولارًا للطن.
على النقيض من ذلك، تراوحت أسعار الشعير في مدينة الحسكة وأريافها بين 190 و200 دولار للطن في بداية فترة التسويق، قبل أن تشهد ارتفاعًا طفيفًا لاحقًا. وتتأثر هذه الأسعار بنسبة الرطوبة ومستوى النظافة ولون الحبوب، حيث تمت بعض عمليات الشراء بسعر يقارب 205 دولارات للطن. ويرى العبد الله أن هذا التباين في الأسعار يعد أمرًا طبيعيًا نظرًا لاختلاف المواصفات الفنية للمحصول بين المناطق، بالإضافة إلى تباين احتياجات المشترين.
من جهته، أكد المزارع أحمد العيدان، من ريف الشدادي الجنوبي، أن غالبية المزارعين لم يعد بمقدورهم الاحتفاظ بمحاصيلهم لفترات طويلة بانتظار تحسن الأسعار. وأوضح أن الارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة والبذار والمحروقات وأجور العمالة خلال الموسم الحالي، دفع العديد من المزارعين إلى الحاجة الماسة للسيولة النقدية فور بدء الحصاد.
ويعتقد أحمد أن السعر الحالي للشعير لا يتناسب مع حجم الإنفاق الذي تكبده المزارع طوال الموسم، معتبرًا أن تراجع الأسعار في هذا التوقيت يشكل عبئًا إضافيًا على كاهل المنتجين. وقد اضطر عدد من المزارعين إلى بيع محاصيلهم فورًا لتغطية تكاليف الحصاد والنقل وتسديد ديونهم المستحقة، وهو ما ساهم بدوره في زيادة المعروض في السوق، بحسب ما أفاد به المزارع أحمد.
ولفت إلى أن استمرار الأسعار عند مستوياتها المتدنية الحالية قد يدفع بعض المزارعين إلى إعادة تقييم خططهم الزراعية للمواسم القادمة.
على الرغم من الانخفاضات الراهنة، تتضارب التوقعات حول مسار الأسعار خلال الأسابيع المقبلة. فمن جانبه، ذكر التاجر محمد العبد الله أن بعض التجار يتوقعون ارتفاعًا تدريجيًا في السوق بعد انقضاء موجة البيع الحالية، مستندين في ذلك إلى تراجع المساحات المزروعة بالشعير خلال الموسم الحالي.
وأضاف أن تقديرات متداولة بين العاملين في القطاع الزراعي تشير إلى أن المساحات المخصصة لزراعة الشعير في بعض المناطق لم تتجاوز 30% من إجمالي الأراضي الزراعية، وذلك مقابل توسع ملحوظ في زراعة القمح. ويرى التاجر أن هذا الانخفاض في المساحات المزروعة قد يؤدي إلى تراجع الكميات المعروضة لاحقًا، مما قد يسهم في دعم الأسعار في مراحل متقدمة من الموسم.
في المقابل، يرى متعاملون آخرون في السوق، بحسب العبد الله، أن وفرة الإنتاج في عدد من المناطق واستمرار تدفق الكميات إلى الأسواق قد يبقيان الأسعار تحت الضغط خلال الفترة القادمة.
على عكس الشعير، لا تزال أسعار الكمون تحافظ على مستوياتها المرتفعة نسبيًا، إلا أن هذا لم يترجم إلى استقرار في السوق. وأفاد التاجر محمد العبد الله أن أسعار الكمون المتداولة حاليًا تتراوح بين 2300 و2600 دولار للطن، بينما تدور معظم عروض الشراء حول 2500 دولار للطن، وذلك تبعًا للجودة ومكان الإنتاج.
ووصف العبد الله سوق الكمون بأنها "غير مستقرة"، موضحًا أن محدودية الإنتاج لهذا الموسم والتفاوت في الكميات المعروضة بين المناطق المختلفة يجعلان الأسعار عرضة لتقلبات مستمرة. وأضاف أن أي عملية بيع أو شراء لكميات كبيرة يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على الأسعار نظرًا لمحدودية العرض مقارنة ببعض المحاصيل الأخرى.
ويرى مزارعون التقتهم "عنب بلدي" أن الظروف المناخية التي سادت خلال الموسم الحالي أثرت سلبًا على إنتاج الكمون في عدد من المناطق، مما أسهم في استمرار حالة التذبذب السعري.
ما تشهده أسواق الشعير والكمون لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي العام الذي تمر به المنطقة، وفقًا للخبير الاقتصادي محمود عثمان. وأوضح عثمان لـ"عنب بلدي" أن الفجوة بين تكاليف الإنتاج والعائد النهائي للمزارع قد اتسعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، مما جعل المنتجين أكثر عرضة للتأثر بأي تغيرات في الأسعار.
وبين أن غياب آليات تنظيم السوق والتخزين الاستراتيجي يدفع المزارعين في كثير من الأحيان إلى بيع محاصيلهم فور الحصاد، وهو ما يؤدي إلى فائض مؤقت في المعروض يمارس ضغطًا على الأسعار. وأشار إلى أن الحاجة الملحة للسيولة تجعل المزارعين الحلقة الأضعف في سلسلة التسويق الزراعي، لافتًا إلى أن الأسعار غالبًا ما تشهد ارتفاعًا لاحقًا بعد خروج جزء كبير من المحصول من أيدي المنتجين.
ويرى عثمان أن تطوير منظومة التخزين والتسويق الزراعي، وإنشاء مراكز شراء قادرة على استيعاب الإنتاج، يمكن أن يحد من التقلبات الحادة ويمنح المزارعين قوة تفاوضية أكبر بشأن أسعار محاصيلهم.
تأتي هذه التطورات في وقت بدأ فيه مزارعو الجزيرة موسم حصاد يعتبر من أهم المواسم الزراعية في المنطقة، وسط آمال بتحقيق عائدات تساعدهم على تجاوز أعباء السنوات الماضية. إلا أن استمرار انخفاض أسعار الشعير وتذبذب سوق الكمون، تشكل عوامل تجعل الأسابيع القادمة حاسمة في رسم ملامح الموسم الحالي.
وبينما يترقب المزارعون والتجار اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة، يظل مستقبل الأسعار مرهونًا بحجم الإنتاج الفعلي والكميات المعروضة للتسويق، بالإضافة إلى قدرة المنتجين على تجاوز الضغوط المالية التي تدفع العديد منهم إلى البيع المبكر، وذلك في واحدة من أكثر المراحل حساسية خلال الموسم الزراعي في الجزيرة السورية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد