الموزاييك الدمشقي: حرفة خالدة تقاوم تحديات السوق وتتمسك بتراث سوريا العريق


هذا الخبر بعنوان "“الموزاييك”.. حرفة دمشقية حيّة في سوق “شبه ميت”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد فن الموزاييك الدمشقي من أبرز الحرف اليدوية التي ارتبطت بمدينة دمشق لأكثر من قرن من الزمان. وعلى الرغم من التحولات الاقتصادية والتحديات الجسيمة التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة، لا تزال هذه الحرفة الأصيلة تحتفظ بمكانتها بفضل جهود حرفيين توارثوا أسرار صناعتها جيلًا بعد جيل، وتمسكوا بإنتاجها وفق طابعها اليدوي الأصيل.
في حديثه إلى عنب بلدي، استعرض الحرفي محمد هشام الحلبي تاريخ الموزاييك الدمشقي وجذور ارتباطه بهذه المهنة العريقة. وتناول الحلبي مراحل صناعة القطع الفنية، والمواد الطبيعية التي تمنحها تميزها، بالإضافة إلى واقع الحرفة اليوم والتحديات التي تواجه استمرارها. يأتي ذلك في ظل تراجع عدد الورشات وصعوبات التسويق والتصدير، مقابل إصرار الحرفيين على حماية أحد أهم رموز التراث الدمشقي.
استعاد الحلبي بداياته مع مهنة الصدف والموزاييك الدمشقي، متحدثًا عن شغفه الذي ورثه عن والده، حيث نشأ في بيئة حرفية كان مشغل العائلة فيها يقع في منطقة التكية السليمانية. ويرى الحرفي الحلبي، الذي غادر مشغله في التكية السليمانية وانتقل للعمل في السوق الحالي بمنطقة مدحت باشا (مئذنة الشحم)، أن هذه الحرفة تشهد تقدمًا وازدهارًا مستمرًا وملحوظًا على الرغم من كل التحديات.
وبشغف، وصف الحلبي الموزاييك بأنه فسيفساء دمشقي خشبي، مؤكدًا أن الألوان الموجودة على القطع الفنية ليست صناعية، بل هي ألوان طبيعية مستمدة من أشجار غوطة دمشق، مثل خشب الليمون والزيتون والكينا والورد والجوز. وتعكس هذه المشغولات، وفقًا للحلبي، صورة متناغمة لألوان الخشب الطبيعي، التي يتم تطعيمها لاحقًا بالصدف البحري الأصلي لإضفاء رونق خاص عليها.
يُعد الموزاييك الخشبي الدمشقي فنًا فريدًا من نوعه، ويقتصر على مدينة دمشق ويحمل اسمها، بحسب الحلبي. وحول تاريخ نشأة هذه الحرفة، بيّن أن أول من اخترعها هو نجار دمشقي مجتهد وموهوب يُدعى جرجي البيطار في عام 1880. وتقديرًا لهذا الإبداع المتميز، نال البيطار وسام شرف رفيع المستوى، كان يُعد الأعلى في ذلك الوقت، من الوالي العثماني، مكافأةً لابتكاره وتأسيسه لهذه الحرفة التي قام بتعليمها للأجيال المتعاقبة حتى وصلت إلينا اليوم.
وفيما يتعلق بالمواد الخام المستخدمة في الإنتاج، أوضح الحلبي أن الخشب هو المكون الأساسي بجميع أنواعه، مشيرًا إلى أن الهيكل أو البدن الرئيس للقطع يعتمد بشكل أساسي على خشب الزان أو خشب الجوز. وبالنسبة للألوان المتنوعة (الرمادي والأصفر والأحمر)، كشف الحلبي بأنها كلها تكتسب قيمتها من ألوان الأخشاب الطبيعية دون أي تدخل خارجي، قبل أن تُطعم بالصدف البحري.
بالحديث عن الصعوبات التي تواجه الحرفي في آلية العمل، قال الحلبي إن الحرفي المتمكن، أو ما يُعرف بـ"المعلم"، لا يرى في مراحل العمل صعوبة بالمعنى التقليدي للكلمة، فمع الخبرة الطويلة تصبح التحديات جزءًا من تفاصيل المهنة اليومية. إلا أن هذه الحرفة تتطلب قدرًا عاليًا من التركيز والانتباه إلى أدق التفاصيل، إلى جانب الصبر والدقة في التنفيذ. وأكد الحلبي أن العامل الأهم في نجاح الحرفي واستمراره هو حبه لمهنته وشغفه بها، فالشغف هو ما يدفعه إلى الإبداع والإتقان مهما بلغت متطلبات العمل وتعقيداته.
استعرض الحرفي محمد هشام الحلبي مراحل إنتاج قطع الموزاييك، مشيرًا إلى أنها عملية يدوية معقدة، تبدأ أولى خطواتها بتأمين المواد الأولية من خشب الجوز أو الزان المتوفرين محليًا في غوطتي دمشق الشرقية والغربية. وتمر الصناعة بمراحل هي:
وأوضح الحرفي أن العمل على هذه القطع يتطلب وقتًا طويلًا، حيث تحتاج 100 قطعة "من الشغل المتقن والمتميز" إلى فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة كاملة لإنجازها، بل إن بعض القطع الفريدة قد يستغرق العمل عليها بمفردها عامًا كاملًا. ورغم دخول التكنولوجيا الحديثة في صناعة الموزاييك، أكد الحرفي أن هذه الحرفة لا تزال محافظة على طابعها اليدوي الأصيل. وأشار إلى أن التحديث اقتصر على استخدام "الشلّة" أو المنشار الكهربائي، الذي حلّ محل الوسائل القديمة، ورغم هذا التطور المحدود، بقيت بقية مراحل الإنتاج كما كانت منذ عقود طويلة، تُنجز يدويًا بالكامل. وبذلك تظل صناعة الموزاييك واحدة من الحرف النادرة التي قاومت التحول الكامل إلى الآلات، محافظة على خصوصيتها كفن يدوي يعتمد في جوهره على خبرة الحرفي وصبره وإبداعه.
في مقارنة بين واقع الحرفة قبل الحرب وبعدها، أشار الحلبي إلى تراجع حاد في عدد الورشات، إذ كانت دمشق وريفها تضمان نحو 500 ورشة قبل الحرب، بينما لا يتجاوز عدد الورشات الفاعلة اليوم 100 ورشة. وقال الحلبي إن الموزاييك الدمشقي يعتمد بشكل أساسي على السياح الأجانب والقدرة التصديرية، ومع غياب السياحة وتوجيه المواطن السوري لأولوياته نحو تأمين المعيشة اليومية، تراجع الطلب المحلي بشكل كبير، واصفًا السوق الحالي بأنه "شبه ميت".
وأضاف أن التصدير يواجه عقبة تتمثل في الارتفاع الكبير لأسعار الشحن، مما جعل الزبون الخارجي يتردد كثيرًا قبل الشراء، مقارنة بمعدلات الطلب المرتفعة التي كانت سائدة قبل 15 عامًا، على الرغم من أن هذه الحرفة مطلوبة في جميع دول العالم، نظرًا إلى خصوصية الموزاييك الدمشقي وانفراده عالميًا، بحسب ما ذكر الحرفي. واختتم حديثه مؤكدًا أن الاستمرار في هذه المهنة في ظل الظروف الحالية ينبع أولًا وأخيرًا من حب الحرفيين لمهنتهم، وشغفهم بالحفاظ على هذا التراث الإنساني.
ثقافة
سياسة
ثقافة
ثقافة