تجربة البكالوريا السورية: صدمة جيل ومناشدة للنخب لإيجاد حل لطلاب السويداء


هذا الخبر بعنوان "بوح ذاتي: لأجل الله.. جدوا حلًا لطلاب السويداء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يصف الكاتب محمد رشدي شربجي امتحانات البكالوريا السورية بأنها تجربة لا مثيل لها في قسوتها، مستذكرًا كيف كانت تثير الرعب في النفوس منذ مراحل الدراسة الابتدائية. يعتبرها البعض كابوسًا شائعًا، بل ويصفها البعض بأنها أول سلاح كيماوي يطبقه النظام على الشعب السوري، تليها كوارث أخرى كالتجنيد الإجباري. ورغم مرور عشرين عامًا، لا تزال تلك اللحظات حاضرة في ذاكرته وكأنها تحدث الآن.
لا تقتصر تجربة البكالوريا على العام الدراسي الثاني عشر، بل تبدأ مع نهاية الصف الحادي عشر. فما أن تنتهي امتحانات الحادي عشر يوم الجمعة، حتى يجد الطالب نفسه ملزمًا بمعسكر صيفي مكثف، يُعرف بـ"الدورة التحضيرية"، يبدأ من السبت التالي. تتضمن هذه الدورة خمس ساعات يومية من الدروس المكثفة والواجبات المنزلية لمدة ثلاثة أشهر قبل بدء العام الدراسي الرسمي. يعترف الكاتب بكرهه لهذه التجربة وللمدرسة في سوريا عمومًا في تلك الفترة.
يذكر الكاتب التحاقه بمعهد لأساتذة من آل نتوف في معضمية الشام مع أصدقائه، حيث كان يرغب في التركيز على مادتي الفيزياء وعلم الأحياء فقط. وبعد إقناع والده، رحمه الله، بعدم جدوى الضغط المكثف والالتزام بجميع المواد، تم التوصل إلى تسوية مع إدارة المعهد. سمحت هذه التسوية للكاتب بحضور دروس المادتين المطلوبتين فقط مقابل دفع القسط كاملًا، إلا أنه لم يكمل الدورة وتوقف في منتصفها.
لا يقتصر تأثير البكالوريا على الطالب وحده، بل يمتد ليشمل العائلة بأكملها والمجتمع المحيط. يصف الكاتب كيف يضيف المجتمع ضغوطه الخاصة، من تعليقات الجيران والأقارب، مما يضاعف العبء على الطالب وأسرته، خاصة إذا كان هناك طلاب بكالوريا آخرون في العائلة. يتذكر الكاتب كيف كانت عائلته تسكن في عمارة واحدة بثلاثة طوابق مع جده وجدته وأعمامه، وكيف كانت جدته وزوجات أعمامه يزرن منزلهم بانتظام.
ولشدة الضغط، أصدر والده، رحمه الله، قرارًا صارمًا بتغيير هذا الوضع، مبررًا ذلك بعبارة واحدة: "رشدي عندو بكالوريا"، ليدرك الجميع حجم المصاب. تحولت زيارة منزلهم إلى قضية معقدة، ومع تقدم العام الدراسي، أصبح ذهاب والدته لزيارة الآخرين أمرًا أكثر صعوبة.
مع بدء العام الدراسي "المشؤوم"، يصف الكاتب روتينًا يوميًا قاسيًا: تستيقظ والدته الساعة الثالثة والنصف صباحًا لإعداد الطعام، ثم توقظه في الرابعة. بعد صلاة الفجر وتناول الطعام، يدرس لساعتين قبل التوجه إلى ثانوية السعادة الشهيرة. كانت ثانوية السعادة تركز بشكل كامل على الامتحانات وتحصيل العلامات، مع امتحانات دورية ومذاكرات مفاجئة، وغياب تام لأي أنشطة ترفيهية أو فنية، مما يجعل الأجواء غير طبيعية.
يعود الكاتب إلى المنزل في الثانية ظهرًا، ينام ساعتين، ثم يدرس لأربع ساعات إضافية. ومع اقتراب شهر التحضير للامتحانات، تُمنع الزيارات تمامًا، ويجب ألا تقل ساعات الدراسة عن 12 ساعة يوميًا، لتصل في الأيام الأخيرة إلى 14 أو 16 ساعة. يذكر الكاتب أنه أعاد دراسة المنهاج عدة مرات، وبعض الأقسام عشرات المرات، مما جعله قادرًا حتى بعد 20 عامًا على الحديث عن تشريح وتكاثر الصرصور، وحفظ المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وأقوال الرئيس، وحل المعادلات من الدرجة التاسعة، وأسئلة الدورات منذ عام 1990.
يصف الكاتب فترة الامتحانات بأنها "إرهاب" لا يطاق، حيث يعتمد مستقبل الطالب المهني والاجتماعي والمادي بأكمله على امتحان واحد يخوضه وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، مع هامش ضيق جدًا لتحقيق العلامات المطلوبة لدخول الكليات المرموقة كالطب والصيدلة. يذكر كيف كان والده يوصله إلى المركز الامتحاني في دمشق، بينما كانت والدته تقرأ القرآن بانتظاره.
يروي الكاتب تفاصيل امتحان الرياضيات، حيث واجه سؤالًا لم يتمكن من حله، وشعر بتوتر شديد لا يزال يلاحقه. قبل ربع ساعة من نهاية الامتحان، حضر مدير المركز ليخبرهم بأن السؤال خاطئ وعليهم تجاوزه. رغم ضيق الوقت، استجمع الكاتب قواه وأكمل الامتحان، لكن مشهد المراقب وهو يسحب ورقة الامتحان لا يزال يطارده، واصفًا إياه بما يشبه "اضطراب ما بعد الصدمة" في بلدان أخرى.
يوم إعلان النتائج كان يومًا عصيبًا، حيث كانت سوريا بأكملها تضغط على رابط النتائج، مما أدى إلى توقف الموقع بسبب سوء الإنترنت والضغط المتكرر. يتذكر الكاتب تلك اللحظة وهو برفقة الشهيد مازن شربجي، رحمه الله، في مكتبته، وعيونهما مثبتة على الشاشة. فجأة، صرخ مازن بأعلى صوته: "رشدي 237"، وانهال عليه بالتهاني. انطلق الكاتب مسرعًا بدراجته إلى منزله، حيث كان الخبر قد سبقه، وشهد فرحة والديه التي لم يرها في حياته من قبل، فقد تحقق أحد أحلامهما الكبيرة. يختتم الكاتب هذا الجزء بالإشارة إلى أن البكالوريا، رغم كل التغيرات التي طرأت على سوريا، لا تزال تجربة غير عادية، لا للطالب ولا لأهله ومجتمعه الصغير المستعد للتضحية بكل شيء من أجل استقرار أبنائه.
يؤكد الكاتب أنه لا يتخيل كارثة أقسى من حرمان طالب بذل جهد عام كامل من تقديم امتحانه. ومع اقتراب الذكرى الأولى لأحداث السويداء، التي صدرت عنها تقارير دولية عديدة، بما في ذلك تقرير اللجنة الدولية المعنية بالسويداء الذي قبلته الحكومة السورية، يشير الكاتب إلى أن السويداء تعيش في عزلة ذاتية منذ عام تقريبًا. ويرى أن سوريا تحتاج سنوات طويلة للتعافي مما حدث.
يتساءل الكاتب عما إذا كان المدخل لهذا التعافي المنشود يكمن في إيجاد حل لطلاب السويداء لتمكينهم من تقديم امتحاناتهم، أو بعبارة أدق، تحييد هؤلاء الطلبة عن مشكلات الكبار السياسية. ويشدد على أن العملية التعليمية يجب أن تكون بمنأى عن الصراعات السياسية. فما المشكلة في أن يقدم الطلبة امتحاناتهم في السويداء، أو دمشق، أو أي مكان آخر؟ وما هي الكارثة السياسية في التنازل في ملف لا يحتمل المزايدة؟ يصف الكاتب الوضع بأنه نكبة وكارثة نفسية لجيل كامل في المحافظة، ويزيد من قسوتها أنها قابلة للحل لو تحملت نخب سوريا مسؤولياتها. ويختتم مناشدًا نخب سوريا: "لأجل الله.. جدوا حلًا لطلاب السويداء".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة