احتجاجات مزارعي الحسكة: المنصة الإلكترونية لتسويق القمح تثير غضبهم وتزيد أعباءهم


هذا الخبر بعنوان "مزارعو الحسكة مستاؤون من المنصة الإلكترونية لتسويق القمح" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت مدينة تل تمر شمالي الحسكة، يوم الثلاثاء 16 من حزيران، احتجاجًا واسعًا نفذه عدد من المزارعين للمطالبة بإلغاء العمل بالمنصة الإلكترونية المعتمدة لتسويق محصول القمح. يأتي هذا الاحتجاج وسط تصاعد الشكاوى من التأخير في منح مواعيد التسليم، وما يرافق ذلك من أعباء إضافية تهدد المحصول وتزيد من تكاليف الإنتاج.
رفع المحتجون مطالب واضحة بإلغاء نظام الحجز الإلكتروني المعتمد في مراكز استلام القمح، معتبرين أن الآلية الحالية لا تتناسب مع واقع القطاع الزراعي في محافظة الحسكة، التي تعاني أساسًا من ضعف خدمات الإنترنت، واتساع الرقعة الجغرافية للمناطق الزراعية. ويتزامن هذا الاحتجاج مع تواصل عمليات حصاد القمح في مختلف أرياف المحافظة، وازدياد الكميات المسوقة إلى مراكز الاستلام الحكومية، حيث بلغت كمية القمح المسوقة حتى أمس 15 من حزيران نحو 62 ألف طن، وفق بيانات مديرية زراعة الحسكة التي اطّلعت عليها عنب بلدي.
في حديثه إلى عنب بلدي، أوضح معاون مدير زراعة الحسكة، المهندس عز الدين الحسو، أن الإجراءات الإدارية الخاصة باستقبال المحصول “ميسرة وسهلة”، لكن المشكلة الأساسية تتركز في آلية الحجز عبر المنصة الإلكترونية. وأضاف الحسو أن المحافظة تعاني من ضعف خدمات الإنترنت، سواء عبر الشبكة الفضائية المحلية أو عبر شبكتي الاتصالات، ما ينعكس سلبًا على قدرة المزارعين في تسجيل بياناتهم والحصول على أدوار التسليم بالسرعة المطلوبة. وأشار إلى أن الجهات المعنية تتابع الملاحظات الواردة من المزارعين، في ظل الحاجة الملحة إلى تسريع عملية التسويق خلال ذروة الموسم.
على الرغم من إعلان المؤسسة السورية للحبوب أن المنصة تهدف إلى تنظيم عمليات التسويق وتخفيف الازدحام أمام مراكز الاستلام، إلا أن شكاوى المزارعين تتحدث عن نتائج معاكسة على أرض الواقع. يقول محمد العلي، مزارع من ريف الحسكة الجنوبي، إن حصوله على موعد لتسليم محصوله استغرق عدة أيام من المحاولات بسبب ضعف الاتصال بالإنترنت. وأضاف لعنب بلدي أن المشكلة لا تقتصر على التسجيل، بل تمتد إلى موعد التسليم نفسه، موضحًا أن بعض المزارعين حصلوا على مواعيد بعيدة جدًا مقارنة بتاريخ الحصاد. وتابع العلي: “بعد أن ننتهي من الحصاد نحتاج إلى نقل القمح مباشرة إلى مراكز الاستلام، لكن الانتظار لفترات طويلة يعني بقاء المحصول مكشوفًا ومعرضًا للخطر”.
من جهته، اعتبر المزارع خالد الحمود من الريف ذاته أن المنصة أضافت حلقة جديدة من الإجراءات البيروقراطية بدلًا من اختصارها. وأوضح أن الفلاح أصبح مطالبًا بتأمين عدد من الوثائق والبيانات قبل التسجيل، إلى جانب الحاجة إلى توفر الإنترنت بشكل مستمر، وهو أمر لا يتوفر في كثير من القرى. وختم: “المزارع يقضي أيامًا بين استكمال الأوراق ومحاولة التسجيل وانتظار الرسائل، بينما كان بإمكانه سابقًا التوجه مباشرة إلى مركز الاستلام”.
في ريف الحسكة الشمالي الشرقي، قال المزارع أحمد الخلف، من منطقة تل براك، إن المنصة الإلكترونية لا تراعي ظروف الموسم الزراعي وضغط الوقت الذي يواجهه الفلاح خلال فترة الحصاد. وأضاف لعنب بلدي أن تحديد الكميات مسبقًا يشكل مشكلة إضافية، لأن بعض المزارعين لا يستطيعون تقدير الكمية النهائية بدقة قبل انتهاء أعمال الحصاد والنقل. وأشار إلى أن التأخير في منح الدور يضطر بعض المنتجين إلى إبقاء المحصول في الأراضي الزراعية، أو تحميله على الشاحنات لفترات طويلة بانتظار موعد التسليم. وتابع: “القمح محصول استراتيجي، وكل يوم تأخير يزيد من احتمالات الخسارة سواء بسبب الحرائق أو السرقات”.
أما المزارع محمود السالم من ريف الحسكة الشمالي، فرأى أن المشكلة الأبرز تتمثل في ضعف البنية التحتية الرقمية التي بُنيت عليها فكرة المنصة. وأوضح أن كثيرًا من المزارعين، ولا سيما كبار السن، يواجهون صعوبة في التعامل مع الإجراءات الإلكترونية، ما يدفعهم للاستعانة بمكاتب أو أشخاص آخرين مقابل أجور إضافية. وأضاف أن بعض الفلاحين اضطروا إلى تكرار عملية التسجيل أكثر من مرة بسبب أخطاء تقنية أو عدم وصول الرسائل الخاصة بمواعيد التسليم. وقال: “إذا كانت الغاية تسهيل الإجراءات، فيجب أن تكون الآلية مناسبة لواقع المزارعين وليس العكس”.
تتجاوز شكاوى المزارعين الجوانب التقنية، إذ يتحدث بعضهم عن مخاوف من أن يؤدي تأخر الأدوار إلى خلق مسارات غير رسمية لتسريع عملية التسليم. ويرى عدد من الفلاحين أن طول فترة الانتظار قد يدفع بعض المنتجين للبحث عن وسائل بديلة للحصول على مواعيد أقرب، الأمر الذي يفتح المجال أمام التجاوزات والوساطات. كما يشير مزارعون إلى أن بقاء الشاحنات المحملة بالقمح لفترات طويلة، يرفع تكاليف النقل ويضاعف الأعباء المالية عليهم، في موسم يعتمدون عليه لتغطية نفقات الزراعة وسداد الديون المتراكمة منذ بداية الموسم.
كانت المؤسسة السورية للحبوب قد اعتمدت منصة إلكترونية جديدة خلال الموسم الحالي بهدف تنظيم عمليات استلام القمح في المراكز المعتمدة. وتتيح المنصة للمزارعين حجز دور مسبق لتسليم المحصول، والاستعلام عن الفواتير إلكترونيًا، إضافة إلى تقديم طلبات تتعلق بالمساحات الزراعية. وتعتمد عملية التسجيل على إنشاء حساب إلكتروني وإدخال بيانات شهادة المنشأ والمساحات المزروعة ونوع القمح وعدد الآليات المستخدمة، ثم اختيار مركز التسليم واستلام موعد محدد عبر رسالة إلكترونية. وبحسب المؤسسة، فإن هذه الإجراءات تهدف إلى تقليل الازدحام أمام مراكز الاستلام وتحسين كفاءة العمل خلال الموسم، إلا أن التطبيق العملي أثار انتقادات واسعة بين المزارعين.
المهندس الزراعي سامي الحسين، رأى أن فكرة التحول الرقمي في القطاع الزراعي تُعد خطوة ضرورية على المدى الطويل، لكنها تحتاج إلى بيئة تقنية مناسبة قبل تطبيقها بشكل كامل. وأوضح لعنب بلدي أن نجاح أي منصة إلكترونية يعتمد على توفر شبكة إنترنت مستقرة، وبنية اتصالات قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المستخدمين، إضافة إلى وجود بدائل للمناطق التي تعاني من ضعف التغطية. وأضاف أن موسم القمح يتميز بحساسية الوقت، إذ إن التأخير في التسويق قد ينعكس مباشرة على جودة المحصول وتكاليف تخزينه ونقله.
وأشار إلى أن الحل قد يكون في اعتماد آلية مزدوجة تتيح التسجيل الإلكتروني للراغبين، مع الإبقاء على منافذ تسجيل مباشرة داخل مراكز الاستلام أو الوحدات الإرشادية الزراعية، بما يضمن عدم تعطيل عمليات التوريد. وذكر أن التحول الرقمي يجب أن يخدم الفلاح ويختصر وقته، أما إذا تحول إلى عائق أمام تسويق المحصول، فستكون هناك حاجة لإعادة تقييم التجربة وتطويرها.
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه محافظة الحسكة استمرار عمليات حصاد وتسويق القمح بوتيرة متسارعة، وسط تقديرات تشير إلى تحسن نسبي في الإنتاج مقارنة ببعض المواسم السابقة، نتيجة تحسن الظروف المناخية واتساع المساحات المزروعة. ورغم ارتفاع كميات القمح المسوقة إلى عشرات آلاف الأطنان منذ بداية الموسم، فإن الاحتجاج الذي شهدته تل تمر اليوم، يعكس حجم التحديات التي ما تزال تواجه المزارعين خلال مرحلة التسويق، ويعيد إلى الواجهة الجدل حول مدى جاهزية البنية الرقمية في القطاع الزراعي لاستيعاب احتياجات المنتجين خلال المواسم الاستراتيجية. وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن المنصة أُطلقت لتبسيط الإجراءات وتنظيم عمليات الاستلام، يواصل مزارعو الحسكة المطالبة بإعادة النظر في آلية العمل الحالية، أو إيجاد حلول عاجلة للمشكلات التقنية والإدارية، والتي يقولون إنها باتت تشكل عقبة أمام تسويق محصول يُعد الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في سوريا.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي