المكتبة الوقفية بحلب: إدراجها على قوائم الإيسيسكو يعزز مكانتها كذاكرة حية للتراث السوري والعربي


هذا الخبر بعنوان "المكتبة الوقفية في حلب على قوائم الإيسيسكو.. ذاكرة المخطوط السوري تستعيد مكانتها الحضارية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشكل تسجيل المكتبة الوقفية العريقة في حلب على لائحة التراث بمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) محطة ثقافية وحضارية بارزة، تؤكد الأهمية التاريخية والعلمية لهذا الصرح المعرفي. ويعكس هذا الإدراج المكانة المرموقة التي تحتلها حلب في تاريخ الثقافة العربية والإسلامية، بوصفها إحدى أهم حواضر العلم وحفظ المعرفة عبر القرون.
يأتي هذا التسجيل ضمن إطار الجهود المتواصلة لصون التراث الثقافي السوري وإعادة إحياء المؤسسات التاريخية التي أسهمت في تشكيل الوعي العلمي والحضاري للمنطقة، خاصة وأن المكتبة الوقفية تُعد من أبرز خزائن المخطوطات والوثائق التراثية في المشرق العربي.
أوضح مدير آثار ومتاحف حلب، منير القسقاس، في تصريح لـ سانا، أن تسجيل المكتبة الوقفية بحلب على لائحة الإيسيسكو يمثل خطوة حضارية تعكس عمق الإرث الثقافي والتاريخي لهذه المدينة العريقة. وبيّن القسقاس أن المكتبة الوقفية تعد شاهداً حياً على التطور الحضاري والعلمي في حلب عبر العصور.
وأشار إلى أن إدراج هذا المعلم المهم على لائحة الإيسيسكو يسهم في حمايته والحفاظ عليه، ويعزز مكانة حلب كعاصمة للثقافة الإسلامية. كما يفتح المجال أمام الخبراء والباحثين للاطلاع على كنوز هذا المرفق التاريخي، ويمثل اعترافاً دولياً بقيمة هذا الموروث، مما يساعد في تأمين الدعم اللازم لترميمه وصيانته وفق المعايير العالمية، خاصة وأنه يقع ضمن حرم الجامع الأموي الكبير في حلب، إضافة إلى إدراجه ضمن خريطة السياحة الثقافية الإسلامية.
وأكد القسقاس الترحيب بهذا التسجيل والاستعداد الكامل للتعاون مع الإيسيسكو وكل الجهات المعنية للحفاظ على هوية حلب الإسلامية والعربية، وصون إرثها الحضاري للأجيال القادمة.
من جانبه، أكد المشرف على أعمال المكتبات الوقفية في حلب، الدكتور محمود مصري، أن إدراج المكتبة ضمن المشاريع الثقافية والتراثية التي تحظى بدعم ورعاية منظمة الإيسيسكو يمثل خطوة نوعية في مسار إعادة إحياء هذا الصرح التاريخي. ويعكس هذا الإدراك المؤسساتي الدولي المتخصص للقيمة العلمية والحضارية التي تختزنها المكتبة بما تحتويه من مخطوطات ووثائق ومقتنيات نادرة.
وأوضح مصري أن المشروع لا يقتصر على الحفاظ على المبنى أو مقتنياته فحسب، بل يتضمن رؤية متكاملة لإعادة تأهيل المكتبة وملحقاتها من المدارس التاريخية وتطويرها كمركز ثقافي وعلمي وبحثي، قادر على استعادة دوره في خدمة الباحثين والمهتمين بالتراث العربي والإسلامي.
وحول تاريخ المكتبة، أوضح مصري أنها تُعد واحدة من أقدم المكتبات التراثية في سوريا والمنطقة العربية، إذ نشأت نتيجة تقليد حضاري راسخ تمثل في وقف الكتب والمخطوطات على المدارس والمساجد والزوايا والمؤسسات العلمية، حيث اعتاد العلماء والقضاة والأعيان إهداء مكتباتهم الخاصة لخدمة طلبة العلم والباحثين.
وأشار إلى أن البدايات الأولى للمكتبة تعود إلى القرن السابع الهجري، عندما أسس عبد الرحمن شرف الدين ابن العجمي المدرسة الشرفية التي ضمت نفائس المخطوطات التي جمعها، لتغدو مع مرور الزمن مركزاً علمياً يقصده العلماء والطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وأضاف مصري أن المكتبة تعرضت عبر تاريخها لعدد من النكبات والاضطرابات، قبل أن يُعاد إحياؤها في مطلع القرن العشرين على يد مؤرخ حلب ومحدثها الشيخ محمد راغب الطباخ وعدد من العلماء والمهتمين بالتراث، الذين عملوا على جمع المخطوطات الموزعة في المدارس والمساجد والخزائن الوقفية داخل المدينة.
بيّن مصري أن المكتبة شهدت مرحلة جديدة من التطوير مع إعلان حلب عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2006، حيث أعيد تنظيمها وتوسيعها ضمن الصالات الشمالية للجامع الأموي الكبير. وكلفت مديرية الأوقاف فريقاً متخصصاً للإشراف على إعادة إحياء المكتبة وتطوير خدماتها.
وأوضح أن المكتبة استمرت في أداء رسالتها العلمية والثقافية حتى تعرضها للقصف عام 2014، ما ألحق أضراراً كبيرة بالمبنى ومقتنياته، وأدى إلى توقف نشاطها.
تضم المكتبة الوقفية مجموعات واسعة من المخطوطات العربية والإسلامية النادرة في علوم التفسير والحديث والفقه واللغة العربية والأدب والتاريخ والفلك والطب والرياضيات، إضافة إلى وثائق وقفية وسجلات تاريخية تشكل مادة غنية لدراسة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في حلب عبر مئات السنين. كما تحتوي على مجموعة نادرة من الأدوات الفلكية واللوحات الفنية التراثية التي توثق جانباً من التطور العلمي الذي شهدته المدينة في مختلف العصور.
ولفت مصري إلى أن قيمة هذه المجموعات لا تكمن في ندرتها فقط، بل في كونها تمثل تراكمات معرفية أنتجها علماء ومفكرون من حلب ومختلف أنحاء العالم الإسلامي، ما جعل المكتبة مرجعاً مهماً للباحثين في التراث العربي والإسلامي.
ارتبطت المكتبة الوقفية ارتباطاً وثيقاً بالمكانة العلمية التي تمتعت بها حلب على مدى قرون، إذ ازدهرت فيها المدارس والجوامع والخانقاوات التي احتضنت حلقات العلم والتدريس. وشهدت المدينة خلال العصور الزنكية والأيوبية والمملوكية والعثمانية نشاطاً فكرياً واسعاً أسهم في إنتاج آلاف المؤلفات ونسخ المخطوطات، الأمر الذي جعلها أحد أهم مراكز المعرفة في المشرق الإسلامي.
وتُعد المكتبة الوقفية اليوم من أبرز الشواهد الحية على ذلك الإرث العلمي، بما تحويه من مقتنيات توثق مراحل متعددة من تاريخ العلوم والثقافة العربية والإسلامية.
أوضح مصري أن المكتبة الوقفية كانت من بين المؤسسات الثقافية التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات الثورة، حيث طال القصف أجزاء من مبناها ومقتنياتها. إلا أن جهود الباحثين والمهتمين بالتراث أسهمت في إنقاذ جزء مهم من مقتنياتها، ومن بينها مخطوطات ووثائق وأدوات فلكية جرى نقلها إلى مناطق آمنة قبل تدمير المكتبة عام 2014، ما ساعد على الحفاظ على جانب مهم من هذا الإرث الثقافي.
أشار مصري إلى أن مرحلة ما بعد التحرير شهدت انطلاق خطوات عملية لإعادة إحياء المكتبة، حيث أقيمت في حزيران عام 2025 ورشة عمل في إسطنبول برعاية محافظة حلب، أعقبها مؤتمر دولي في حلب نهاية العام ذاته برعاية وزارة الأوقاف وبمشاركة مؤسسات دولية عدة، من بينها الإيسيسكو والألكسو واليونيسكو.
وأوضح أن أبرز مخرجات هذه الفعاليات تمثلت في التبني الرسمي لمشروع إعادة إحياء المكتبة الوقفية وملحقاتها من المدارس التاريخية، لتتحول إلى معلم حضاري يضم مراكز علمية وثقافية وبحثية ومتاحف متخصصة.
أكد مصري أن مشروع الإحياء الحالي يركز على ترميم المخطوطات المتضررة، ورقمنة المجموعات الخطية النادرة، وتطوير أنظمة الحفظ وفق المعايير الدولية، بما يضمن صون هذا الإرث وإتاحته للباحثين والدارسين.
وأشار إلى أن الإيسيسكو أكدت في أكثر من مناسبة أهمية المكتبة الوقفية باعتبارها أحد المكونات الأساسية في مشروع إحياء تراث حلب المادي واللامادي، نظراً لما تختزنه من قيمة علمية وحضارية استثنائية.
شهدت المكتبة خلال الفترة الماضية حضوراً متجدداً في المشهد الثقافي السوري، من خلال مشاركتها في معرض دمشق الدولي للكتاب بعرض نماذج مختارة من مخطوطاتها ونفائسها التراثية، إضافة إلى مساهمتها في تنظيم فعاليات علمية وثقافية متنوعة.
كما احتضنت حلب مؤتمراً دولياً بعنوان «إحياء المكتبة الوقفية بحلب: تأهيل التاريخ لصناعة المستقبل»، شارك فيه خبراء وباحثون ومؤسسات ثقافية عربية ودولية، لوضع رؤية متكاملة لإعادة تفعيل دور المكتبة.
وتضمنت الأنشطة أيضاً ورشة عمل في جامعة حلب بعنوان «إحياء النسيج المعماري لحلب القديمة»، وندوة علمية بعنوان «الحلول القرآنية في عالم الأزمات»، إضافة إلى الإعلان عن دورة متخصصة لتحقيق النصوص لطلبة الدراسات العليا في مدرسة الفردوس، المقر الجديد للمكتبة.
لا تمثل المكتبة الوقفية مجرد مركز لحفظ المخطوطات والوثائق، بل تشكل ذاكرة حضارية تختزن قروناً من الإنتاج الفكري والعلمي العربي والإسلامي، وشاهداً على الدور الذي لعبته حلب في صناعة المعرفة ونقلها بين الحضارات.
ومع تسجيلها على قوائم الإيسيسكو واستمرار الجهود الرامية إلى إحيائها وتأهيلها، تستعيد المكتبة الوقفية مكانتها بوصفها إحدى أهم المؤسسات التراثية في سوريا والعالم الإسلامي، ومنارة معرفية قادرة على وصل الماضي بالمستقبل وحفظ صفحات مضيئة من تاريخ الحضارة العربية والإسلامية للأجيال القادمة.
ثقافة
سوريا محلي
ثقافة
سوريا محلي