تحقيقات اتحاد الكتاب العرب في سوريا تكشف عن فساد وهدر للمال العام وتزوير وإحالة ملفات للقضاء


هذا الخبر بعنوان "ملفات نحو القضاء.. ماذا وجدت لجان التحقيق في اتحاد الكتاب العرب؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بدأ اتحاد الكتاب العرب في سوريا سلسلة من الإجراءات التي وصفها بأنها جزء لا يتجزأ من مسار مكافحة الفساد وإعادة هيكلة المؤسسة. تأتي هذه الخطوة بعد إعلان إنهاء عقود عدد من العاملين وإحالة ملفات إلى القضاء، تتضمن مخالفات مالية وإدارية، وقضايا تزوير وأمن سيبراني. وأكد الاتحاد أن هذه الإجراءات تستند إلى نتائج لجان تحقيق قانونية شُكلت لمراجعة أوضاع الاتحاد خلال الأشهر الماضية.
جاءت هذه التطورات عقب بيان سابق أصدره الاتحاد، أعلن فيه كف يد عدد من العاملين وتحويل بعض الملفات إلى الجهات القضائية. وتحدث البيان عن مخالفات متراكمة تعود لسنوات سابقة، شملت هدر المال العام، والتلاعب الإداري، بالإضافة إلى إتلاف أرشيف الاتحاد وموجوداته.
في رد على استفسارات وجهتها "عنب بلدي" إلى رئيس اتحاد الكتاب العرب، الدكتور أحمد جاسم الحسين، أوضح أن الإجراءات المتخذة جاءت بناءً على توصيات لجان قانونية وتحقيقية مختصة. وشدد الحسين على أن دوره الإداري يقتصر على تنفيذ ما توصلت إليه تلك اللجان ضمن الأطر القانونية المعمول بها.
تحقيقات تكشف عن مخالفات مالية وإدارية واسعة
وفقًا للدكتور الحسين، كشفت التحقيقات الأولية عن مجموعة واسعة من المخالفات، تتراوح بين أخطاء إدارية ناتجة عن الإهمال وشبهات فساد وهدر للمال العام. وأشار إلى أن اللجنة القانونية، التي ضمت محامين وقانونيين، أجرت تحقيقات مع العاملين وحددت مستويات المسؤولية بصورة أولية. هذا ما دفع الاتحاد لاتخاذ إجراءات إدارية، تمثلت بإنهاء عقود بعض العاملين وكف يد آخرين، ريثما تستكمل التحقيقات ويبت القضاء في الملفات المحالة إليه.
وأضاف الحسين أن المؤشرات الأولية تتحدث عن تجاوزات مالية تقدر قيمتها بما يتراوح بين 20 و30 ألف دولار على الأقل، مؤكدًا أن هذا الرقم لا يزال أوليًا وقابلًا للزيادة مع استمرار عمليات التدقيق والتحقيق. وأوضح أن بعض القضايا تتعلق بهدر المال العام عبر فواتير يشتبه بأنها غير صحيحة أو مزورة، إضافة إلى ملفات مرتبطة باستغلال مواقع وظيفية ومخالفات في إدارة الموارد والممتلكات التابعة للاتحاد. وأكد أن التحقيقات لا تزال مستمرة، وأن هناك دفعة ثانية من الملفات قيد الدراسة، مشيرًا إلى أن مستوى التعاون الذي يبديه الأشخاص المشمولون بالتحقيق سيكون عاملًا مؤثرًا في استكمال الإجراءات القانونية والإدارية بحقهم.
ظاهرة "البطالة المقنعة" وموظفون بلا دوام فعلي
من أبرز الملفات التي توقف عندها رئيس الاتحاد هي ظاهرة "البطالة المقنعة" داخل المؤسسة، ووجود موظفين لم يداوموا فعليًا لسنوات طويلة رغم استمرار حصولهم على رواتبهم. وكشف أن الإدارة الجديدة اكتشفت وجود أشخاص لم يسبق لكثير من العاملين أن شاهدوهم داخل الاتحاد منذ خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، بينما كانت أسماؤهم لا تزال مدرجة على قوائم العاملين.
وأظهرت التحقيقات والمراجعات الإدارية أن بعض هؤلاء كانوا يتقاضون رواتبهم دون وجود فعلي في أماكن العمل. ولفت الحسين إلى معلومات أولية تتحدث عن تقاسم بعض الرواتب مع مسؤولين سابقين في الاتحاد، وهي مسائل يجري التحقيق فيها حاليًا. وأوضح أن الاتحاد لم يكن يطبق نظام البصمة سابقًا، وأن الإدارة الحالية بادرت إلى تفعيل نظام إلكتروني لتثبيت الدوام، إضافة إلى تحديد مهام أسبوعية لكل موظف وإلزام العاملين بتقديم تقارير دورية حول الأعمال المنجزة. ويرى الحسين أن هذه الممارسات تعكس جانبًا من ثقافة الفساد التي كانت سائدة في مؤسسات عامة مختلفة خلال السنوات الماضية، حيث تحول التوظيف في بعض الأحيان إلى امتياز لا يرتبط بالإنتاجية أو الالتزام الوظيفي.
أرشيف مفقود وسيارات غائبة
تحدث رئيس الاتحاد عن خسائر وصفها بالكبيرة طالت موجودات المؤسسة، بما في ذلك أرشيف الاتحاد التاريخي ومركبات تابعة له. وقال إن مستودع الاتحاد في منطقة جديدة الفضل تعرض لعملية إتلاف أو تخريب ما زالت ملابساتها غير واضحة، مضيفًا أن التحقيقات تحاول معرفة ما إذا كان ما جرى مجرد تخريب أم أنه مرتبط بإخفاء آثار مخالفات أو سرقات سابقة. وأضاف أن الأرشيف المتضرر لا يمثل الاتحاد وحده، بل يشكل جزءًا من الذاكرة الثقافية السورية، الأمر الذي دفع الإدارة الحالية إلى إعادة فتح الملف والبحث في ظروف فقدان جزء من الوثائق والمحفوظات.
وفي ملف آخر، أشار إلى اختفاء عدد من سيارات الاتحاد خلال فترة سقوط النظام السابق، موضحًا أن الروايات بشأن مصيرها متضاربة؛ إذ يقول بعض العاملين إنها أُخرجت من مبنى الاتحاد لحمايتها من السرقة، بينما تشير روايات أخرى إلى وجودها في محافظات مختلفة. وأوضح أن المركبات المفقودة تشمل سيارة "مرسيدس" وحافلة وسيارة "تويوتا"، إضافة إلى موجودات أخرى فُقدت من داخل الاتحاد خلال الفترة ذاتها. وأكد أن جزءًا من هذه الملفات أصبح بالفعل أمام القضاء، فيما يجري إعداد ملفات أخرى لإحالتها خلال الفترة المقبلة.
غياب السجلات والرقابة يعقد التحقيقات
وفقًا للحسين، واجهت الإدارة الجديدة مشكلة إضافية تمثلت بغياب أنظمة الجرد والعهدة والتوثيق داخل الاتحاد. وأوضح أن المراجعات الأولية أظهرت أن المؤسسة تفتقر إلى قاعدة بيانات دقيقة حول موجوداتها، وأن جزءًا كبيرًا من الوثائق والمستندات إما فُقد أو تعرض للتلف. وأشار إلى أن هذا الوضع جعل عملية التدقيق أكثر تعقيدًا، إذ بات من الصعب تحديد ما كان موجودًا أصلًا وما فُقد لاحقًا، الأمر الذي يتطلب تحقيقات مطولة ومراجعات تفصيلية.
مراجعة ملفات العضويات
لم تقتصر التحقيقات على العاملين، بل امتدت لتشمل ملف العضوية في اتحاد الكتاب العرب. وقال رئيس الاتحاد إن المعلومات الأولية تشير إلى وجود تداخل بين بعض الموظفين وعدد من أعضاء الاتحاد في ملفات مختلفة، بما في ذلك عمليات التنسيب والقبول. وأضاف أن التحقيقات تتضمن مراجعة آليات قبول أعضاء جدد خلال السنوات الماضية، في ظل شبهات حول قبول بعض المنتسبين لأسباب لا تتعلق بالمعايير الإبداعية أو الثقافية. وأشار إلى أن لجنة العدالة الانتقالية في الاتحاد تستعد لعقد اجتماعات مخصصة لمراجعة العضويات الممنوحة خلال سنوات الثورة وما بعدها، والتدقيق في الظروف التي أحاطت بقبول أصحابها. وأكد أن المراجعات ستشمل دراسة الملفات والوثائق والظروف التي رافقت الانتساب، مع التشديد على أن أي قرارات مستقبلية ستستند إلى نتائج التحقيقات والإجراءات القانونية.
"القضاء هو الفيصل"
فيما يتعلق بالضمانات القانونية للمشمولين بالتحقيق، أكد الدكتور الحسين أن الاتحاد يعتمد على فريق قانوني داخلي وآخر خارجي يضم محامين مختصين بقانون العمل. وأوضح أن الإجراءات الحالية ذات طبيعة إدارية أولية، تتمثل في كف اليد أو إنهاء العقود وفق ما تسمح به القوانين الناظمة، بينما يبقى القضاء هو الجهة المخولة بإصدار الأحكام النهائية. وقال إن الأشخاص الذين طالتهم الإجراءات يملكون كامل الحق في الاعتراض وتقديم ما لديهم من وثائق أو أدلة دفاعية، مؤكدًا أن الاتحاد لا يدّعي إصدار أحكام نهائية بحق أحد. وأضاف أن الإدارة الحالية لا تتعامل مع الملفات من منطلقات شخصية أو سياسية، بل تنفذ توصيات لجان التحقيق التي تشكلت لدراسة الوقائع وتحديد المسؤوليات.
إعادة هيكلة شاملة ومكافحة الفساد
كشف رئيس الاتحاد أن المؤسسة تعمل منذ نحو ثمانية أشهر على تنفيذ خطة لإعادة الهيكلة تشمل التحول الرقمي وأتمتة العمل الإداري. وبحسب تقديراته، فإن الحاجة الفعلية للاتحاد لا تتجاوز ثلاثين عاملًا، في حين يتجاوز عدد الموظفين المسجلين 70 شخصًا. وقال إن جزءًا من التوظيف السابق جرى خارج الأطر المؤسسية المعتادة، ومن دون مسابقات أو توصيف واضح للاحتياجات الوظيفية، ما أدى إلى تراكم أعداد كبيرة من العاملين دون وجود حاجة حقيقية لخدماتهم. وأشار إلى أن بعض الموظفين الذين شملتهم المراجعات لم تكن لديهم مهام فعلية خلال الأشهر الماضية، مؤكدًا أن إعادة الهيكلة تستهدف بناء جهاز إداري أكثر كفاءة وقدرة على العمل.
ملفات أخرى قيد التدقيق
لفت الحسين إلى أن ملفات الفساد التي يجري التحقيق فيها لا تقتصر على العاملين أو العضويات، بل تشمل أيضًا عقود الاستثمار والمشتريات والمطبعة واستهلاك المحروقات والصيانة. وأشار إلى مثال يتعلق بسجلات حركة سيارات الاتحاد، إذ كانت بعض الوثائق تشير إلى سير المركبات مسافات تصل إلى ستة أو سبعة آلاف كيلومتر شهريًا، بينما أظهرت المراجعات الحالية أن الحاجة الفعلية لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات. كما تحدث عن مراجعة عقود الطباعة وتخزين الكتب وآليات البيع والتوزيع، إضافة إلى تدقيق في عقود الاستثمار ومدى توافقها مع الأسعار الرائجة والأصول القانونية. وكشف أيضًا عن شبهات تتعلق بإصدار بطاقات عضوية استخدمت لأغراض مختلفة، فضلًا عن فواتير شراء وصيانة يجري التحقق من صحتها. وفي سياق وصفه لحجم الاختلالات التي اكتشفتها الإدارة الجديدة، أشار إلى أن بعض الأشخاص كانوا يقيمون داخل مبنى الاتحاد لفترات طويلة، في ظاهرة قال إنها استمرت سنوات، ما دفع الإدارة إلى إيقاف المبيت داخل المؤسسة وتركيب كاميرات مراقبة وتفعيل نظام البصمة لضبط الدوام. وختم رئيس اتحاد الكتاب العرب حديثه بالتأكيد أن التحقيقات لا تزال في بدايتها، وأن نتائج إضافية قد تظهر خلال الفترة المقبلة مع استمرار التدقيق في الملفات المختلفة، مشددًا على أن الهدف المعلن من هذه الإجراءات هو إعادة تنظيم المؤسسة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد ضمن الأطر القانونية والقضائية المعتمدة في سوريا.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة