الرويحة الأثرية: قرية سورية على قائمة اليونسكو تروي ألف وخمسمئة عام من الازدهار في جبل الزاوية


هذا الخبر بعنوان "الرويحة الأثرية.. قرون من العمران على هضاب جبل الزاوية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد الرويحة، الواقعة في جبل الزاوية جنوب إدلب، إحدى أبرز القرى الأثرية السورية التي لا تزال معالمها العمرانية، من كنائس وأضرحة ومبانٍ حجرية، تحكي قصة ازدهار استمر لأكثر من ألف وخمسمئة عام. كانت هذه القرية، التي شكلت الزراعة والتجارة عصب حياتها، محطة حيوية للقوافل التجارية العابرة طرق شمال بلاد الشام.
وفي إطار زاوية "نبض التراث" التي تنشرها سانا الثقافية لإبراز الذاكرة السورية ومعالمها الأثرية، تبرز الرويحة كجزء من مواقع "القرى القديمة في شمال سوريا" المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2011. وقد حافظت القرية على جزء كبير من ملامحها العمرانية، لتشهد على فترة من الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والعمراني الذي شهدته المنطقة خلال العصر البيزنطي.
في تصريح لوكالة سانا، بيّن حسان الإسماعيل، مدير متحف إدلب، أن قرية الرويحة تتربع في الجهة الشمالية الشرقية من جبل الزاوية، بالقرب من بلدة سرجة، وتبعد حوالي 15 كيلومتراً شمال مدينة معرة النعمان. وأوضح الإسماعيل أن القرية شُيدت فوق هضبة مرتفعة تطل على سهول زراعية واسعة، وتحيط بها أودية عميقة تفصلها عن موقع جرادة الأثري المجاور.
تُصنف الرويحة كواحدة من أكبر القرى الأثرية في جبل الزاوية وأكثرها احتفاظاً بملامحها المعمارية. فقد بُنيت غالبية منشآتها من الحجر الكلسي المحلي، ولا تزال شوارعها وأبنيتها وأطلالها تقدم للزائر صورة جلية عن النمط العمراني الذي ساد المنطقة خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين.
وتشير المعطيات الأثرية إلى وجود دلائل تعود إلى العصر الروماني في أجزاء من القرية، خاصة في مركز الموقع وجهته الغربية. وتظهر في هذه الأجزاء تقنيات بناء وزخارف تختلف عن تلك المستخدمة في الأبنية البيزنطية اللاحقة، مما يرجح وجود استيطان أقدم سبق مرحلة ازدهار القرية، وهي فرضيات تتطلب المزيد من الدراسات والتنقيبات الأثرية المتخصصة لتأكيدها.
أوضح حسان الإسماعيل أن الدراسات الأثرية التي قام بها الباحث الفرنسي جورج تشالنكو كشفت عن تنظيم عمراني متطور داخل الرويحة. يتضح هذا التنظيم في وجود مبانٍ عامة ومنشآت ذات طابع اقتصادي، منها مبنى يضم رواقاً من طابقين في وسط الموقع، يُعتقد أنه كان سوقاً أو مركزاً للتبادل التجاري يخدم سكان المنطقة.
كما أشار الإسماعيل إلى أن كبار ملاك الأراضي استقروا في القرية خلال أواخر القرن الخامس والقرن السادس الميلاديين، وهو ما انعكس على ضخامة أبنيتها وارتفاع جدرانها مقارنة بالمواقع الأثرية المجاورة.
من جانبه، يؤكد الباحث التاريخي مصطفى سماق، في دراسة له حول تاريخ وآثار جبل الزاوية، أن الرويحة تُصنف ضمن أهم المدن الأثرية في شمال سوريا، ولا تقل شأناً عن مدينة البارة الأثرية. ويعزى ذلك إلى موقعها الاستراتيجي على الطريق الذي كان يربط شمال بلاد الشام بجنوبها، مما جعلها محطة رئيسية للقوافل التجارية القادمة من أنطاكية والمتجهة نحو الداخل السوري.
ويضيف سماق أن المدينة كانت تضم سوقاً تجارية واسعة مزينة بأعمدة حجرية مزخرفة، بالإضافة إلى الفيلات والقصور التي تعكس مدى الازدهار الاقتصادي الذي عاشه سكانها. وقد شكلت الزراعة، وتحديداً تجارة زيت الزيتون، ركيزة أساسية للنشاط الاقتصادي في المنطقة. هذه الشواهد مجتمعة ترسم صورة حية للحياة اليومية في الرويحة خلال أوج ازدهارها، حيث كانت الحركة التجارية والزراعية تنبض بالحياة، وتلتقي فيها دروب التجار والمسافرين بين شمال بلاد الشام وجنوبها.
تُعد كنيسة بيزوس من أبرز معالم الرويحة، وهي من أكبر الكنائس الأثرية وأكثرها أهمية معمارياً في جبل الزاوية. شُيدت الكنيسة على الطراز البازيليكي الذي كان سائداً في العمارة المسيحية المبكرة، وتتميز بمخططها الواسع وعناصرها الإنشائية التي لا يزال جزء منها قائماً حتى اليوم.
وتحتضن القرية أيضاً مجموعة من المدافن والأضرحة الحجرية الفريدة، يبرز من بينها ضريح بيزوس الواقع شمال الموقع. يُعتبر هذا الضريح من أهم الشواهد الدينية والأثرية في المنطقة، بفضل عناصره الزخرفية والمعمارية التي احتفظت بجزء من ملامحها الأصلية رغم مرور قرون طويلة على بنائه.
وأشار مصطفى سماق إلى أن الضريح يتميز بزخارفه الحجرية الفريدة واحتوائه على نواويس حجرية تعكس تقاليد الدفن السائدة في تلك الحقبة التاريخية، مما يمنحه قيمة أثرية ودينية خاصة ضمن نسيج القرية الأثري.
تظل الرويحة اليوم محطة بارزة ضمن التراث السوري الغني في منطقة المدن المنسية. فمبانيها وكنائسها ومنشآتها الاقتصادية تكشف عن مستوى متقدم من التنظيم الاجتماعي والعمراني الذي ساد المنطقة خلال العصرين الروماني المتأخر والبيزنطي.
وتبرز أهمية قصوى للحفاظ على هذا الموقع الأثري وصون معالمه، فهو ليس مجرد حجارة، بل هو جزء حي من الذاكرة التاريخية والثقافية لسوريا، وشاهد ناطق على مرحلة ازدهار تركت بصمتها العميقة في الحجر والإنسان والمكان.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة