صراع السيطرة على الخطاب الديني في سوريا بعد سقوط الأسد: ميثاق 'المنبر الواحد' والتدخل الإماراتي


هذا الخبر بعنوان "ميثاق "المنبر الواحد".. من يضبط الخطاب الديني في سوريا بعد سقوط الأسد؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد المنبر الديني في سوريا مجرد مساحة للوعظ والإرشاد، بل تحول إلى أحد ميادين إعادة توزيع النفوذ والسلطة في البلاد بعد انهيار مركزية السلطة القديمة المتمثلة بنظام الأسد، وتولي الإدارة الجديدة ممثلة بـ 'هيئة تحرير الشام' لمقاليد الحكم. ففي خضم خطب تهدف إلى تعبئة الجمهور وتصفية الحسابات، ومحاولات رسم خطاب موحد عبر وزارة الأوقاف، وجدت 'سوريا الجديدة' نفسها في سباق مع تداعيات الحرب الطويلة.
يتوزع آلاف الخطباء الذين عايشوا سنوات الحرب اليوم بين خطاب غاضب ما زال يصف مكونات المجتمع السوري بأنها أعداء، وبين ميثاق حكومي يطالبهم بالتوقيع على نسخة موحدة من 'الاعتدال'. وفي هذه الأثناء، تدخل أبوظبي على الخط بتمويل وزيارات رسمية، في مسعى لإعادة هندسة الخطاب الديني السوري ليقترب من نموذجها الخاص، وذلك بهدف ترسيخ مقاربة الاعتدال عبر التعاون الديني والترميم الرمزي والمؤسسي.
دخلت أبوظبي مجال ضبط الخطاب الديني السوري من بوابتين رئيسيتين: المؤسسية والعمرانية. ويتمثل الهدف المعلن في 'فتاوى رصينة تعكس سماحة الإسلام'، وذلك بغض النظر عن الحسابات الجيوسياسية الأعمق التي تقف وراء هذا الانخراط. ففي منتصف أيار/ مايو الماضي، التقى عمر حبتور الدرعي، رئيس الشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية، في دمشق مع مفتي سوريا أسامة الرفاعي، وذلك على هامش 'الملتقى الاستثماري السوري الإماراتي'.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام رسمية إماراتية وسورية، بحث الطرفان سبل 'تعزيز الفتوى المعتدلة' و'مواجهة الأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية'، مع التأكيد على الدور الحيوي للمؤسسات الدينية في نشر قيم الاعتدال والتعايش. وفي الشهر نفسه، بدأت أبوظبي بتمويل مشاريع ترميم لمدارس دينية تاريخية في سوريا، وفي مقدمتها الجامع الأموي بدمشق. وقد نقل إعلام إماراتي عن مستشار رئيس الدولة قوله إن هذا المشروع، الذي ترعاه الشيخة فاطمة بنت مبارك، 'يعكس الرسالة الحضارية الإماراتية' وتضامنها مع العمق العربي الإسلامي السوري.
الباحث والداعية الإسلامي محمد حبش يرى أن التقارب الديني السوري الإماراتي لا يتجاوز كونه لياقة دبلوماسية. وصرح حبش لـ'هاشتاغ' قائلاً: 'إن التقارب السوري الإماراتي هو مسألة مجاملات، لا أعتقد أن هناك مشروعاً حقيقياً للخروج من النمط السائد في سوريا إلى النمط الإماراتي فيما يخص خطبة الجمعة، لا أعتقد أنه يتجاوز حدود المجاملة السياسية'.
في المقابل، يقر حبش بأن التجربة الإماراتية تستحق الدراسة، حيث يصف الإمارات بأنها حققت 'نهضة حقيقية' تضعها في صدارة الترتيب العالمي بين الدول الإسلامية، مستنداً إلى أرقام يصفها بأنها 'موجودة في سجلات الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان'. ولعل أكبر نجاح إماراتي، بحسب حبش، هو ضبط الخطاب الديني، حيث يقول: 'لا يوجد مسجد يملكه خطيب، المساجد لله. هناك تمييز واضح وشديد ولا تدخل السياسة في أي خطبة جمعة'. ويقارن هذا بالواقع السوري حيث 'من المعلوم أن هذا الخطيب يتحدث في اتجاه يساري وهذا في اتجاه يميني'.
لكن حل هذه المشكلة، من منظور حبش، لا يبدأ بميثاق أو فتوى بل بقانون، مطالباً بـ'إصدار قانون رسمياً محمياً بقوة الدولة ضد التحريض، قانون يعاقب كل من يمارس التحريض، سواء كان تحريضاً طائفياً أو دينياً أو مناطقياً أو حتى طبقياً'. ويلفت إلى أن قانون العقوبات الحالي يحتوي مواد يمكن استخدامها، مثل تجريم 'إثارة النعرات القومية أو الطائفية'، لكنه يصر على أن المطلوب هو 'قانون مستقل ومباشر' ينشر بقوة في التعليم والإعلام ومنابر الدين، لا الاكتفاء بمواد متفرقة في قانون قديم.
أما تفسيره لغضب الخطباء أنفسهم فلا يخلو من تعاطف، حيث يرى أن 'الخطباء اليوم قادمون من الخنادق، هناك خطباء شهدوا على البراميل وعلى القنابل والصواريخ وعلى عذابات الناس ومآسيهم'. ومن الطبيعي، يقول، أن تكون كلماتهم 'غاضبة وناقمة' وأحياناً طائفية. لكن حبش يرفض بشكل قاطع خلط أدوار المنبر بالقضاء، قائلاً: 'الدين مصحف. الدين رحمة. الدين خطاب سلام، وليس الدين هو من يحتاج السيف، الدولة هي التي تحتاج السيف'، مختتماً تشخيصه بتحذير: 'هذا الخلط بين رسالة المسجد ورسالة المحكمة، سيدمر مجتمعاتنا'.
في نيسان/ أبريل 2025، أصدر رجال دين مسيحيون بارزون في الساحل السوري، من اللاذقية وطرطوس، بياناً مشتركاً استنكروا فيه دعوات لحمل المسيحيين على الانضمام إلى خطاب يطالب بإدارة ذاتية للساحل، معتبرين ذلك 'تصعيداً خطيراً' يجب وضع حد له حفاظاً على وحدة البلاد. وفي الفترة نفسها، رصد باحثون وصحفيون خطاباً مسيطراً على عدد من المنابر يصف مكونات أخرى من المجتمع، كالعلويين والدروز، بأنهم 'كفار' و'فلول للنظام المخلوع'.
هذا الخطاب تبعه موجتان من العنف، الأولى طالت العلويين في الساحل في ربيع 2025، والثانية طالت الدروز في السويداء صيف العام الماضي. ورأى كثيرون في التحريض الذي سبق الحادثتين ذريعة لإكمال ثأر لم يُحسم بسقوط النظام، ليستمر ذلك الخطاب بوتيرةٍ أعلى في عددٍ من مساجد العاصمة دمشق، وعدة محافظاتٍ أخرى، حتى بداية العام الحالي. أما الخطباء الذين حملوا، طوال سنوات الثورة بين 2011 و2024، لهجة جهادية وسلفية متشددة، فقد انقلب كثير منهم سريعاً إلى خطاب اعتدال شكلي بعد سقوط الأسد، في محاولة لتفادي ضغط المجتمع الدولي، لكن الأطر والدورات الشرعية التي تشكّل عليها هؤلاء خلال تلك السنوات لم تتغير بالسرعة نفسها، بحسب مراقبين.
وقد حاولت الحكومة الجديدة مواجهة هذا التشظي عبر القنوات الرسمية، ففي شباط/ فبراير الماضي أطلقت وزارة الأوقاف السورية 'ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي' في مؤتمر بدمشق حضره الرئيس أحمد الشرع. وشدد وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري حينها على تبني 'خطاب وسطي جامع' يبعد المنابر عن 'خطاب الكراهية التحريضي'، في حين ألزمت الوزارة العديد من الأئمة والخطباء بتوقيع تعهد بالالتزام بالميثاق، في خطوة لفرض نسق دعوي موحد على المساجد الرسمية. وأُسندت مهمة الإشراف على هذه المنصات إلى مفتي الجمهورية أسامة الرفاعي وإلى الأوقاف الجديدة، وبحسب ما يرصده مراقبون، وجدت التيارات السلفية، الإصلاحية منها والجهادية، نفسها أمام خيارين: الاندماج ضمن الخطاب الموحد أو التهميش.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة