أسرار جبل ومقام النبي شيث بالقدموس: موقع يجمع التاريخ والطبيعة والمعتقدات الشعبية في طرطوس


هذا الخبر بعنوان "جبل ومقام النبي شيث في القدموس – محافظة طرطوس" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد جبل النبي شيث، الواقع جنوب مدينة القدموس في محافظة طرطوس، أحد المواقع الطبيعية والتراثية البارزة التي تجمع بين الجمال الطبيعي والعمق التاريخي والمعتقدات الشعبية المتوارثة. يبعد الجبل حوالي 10 كيلومترات عن القدموس، ويمكن الوصول إليه عبر طريق إسفلتي يمر بقرى المقرمدة والمشيرفة، إلا أن الجزء الأخير من الرحلة يتطلب السير على الأقدام عبر مسالك جبلية وعرة للوصول إلى القمة.
يتميز الجبل بكونه تشكيلًا بركانيًا قديمًا، يتخذ شكلًا مثلثيًا لافتًا، ويرتفع نحو 1014 مترًا فوق سطح البحر، مما يمنحه إطلالة مهيبة على المنطقة المحيطة. ورغم قربه من مدينة القدموس بخط النظر، إلا أن الوصول إليه كان في الماضي يمثل تحديًا كبيرًا، حيث كان الزوار يقطعون الوادي الفاصل سيرًا على الأقدام وسط أحراش كثيفة تضفي على المكان هالة من الرهبة والغموض.
تتوج قمة الجبل مجموعة من الأبنية الحجرية المشيدة على الطراز العقدي باستخدام الحجارة البازلتية السوداء. يتألف المقام من عدة غرف، معظمها مهجور حاليًا، بينما تضم إحدى الغرف قبرًا مغطى بقماش أخضر، يُعرف باسم مقام النبي شيث. يقصده الزوار للتبرك وإشعال البخور والدعاء، إلا أنه لا توجد دلائل تاريخية أو أثرية مؤكدة تثبت أن القبر يعود للنبي شيث عليه السلام أو أنه عاش في هذه المنطقة، مما يجعل التسمية جزءًا أصيلًا من الموروث الشعبي المتناقل عبر الأجيال.
وفي السفح الشمالي للجبل، تنتشر عدة قبور ومزارات قديمة، لا يزال أحدها قائم البناء ويُعرف باسم النبي حيدر. ويروي الأهالي أن المنطقة كانت تحوي قبورًا لاثني عشر نبيًا، اندثر معظمها مع مرور الزمن، وبقيت هذه الروايات جزءًا حيًا من الذاكرة الشعبية المحلية.
من المعالم الهندسية الفريدة في قمة الجبل بئر ماء قديم مصمم لتجميع مياه الأمطار والثلوج خلال فصل الشتاء. يتميز البئر بوجود فتحتين؛ إحداهما تقليدية لسحب الماء، والأخرى عبارة عن درج حجري يتيح النزول إلى مستوى المياه داخله، وهو تصميم نادر نسبيًا في المواقع الجبلية.
أما السفح الجنوبي للجبل، فقد كان يضم سابقًا عددًا من البيوت السكنية لعائلات من منطقة القدموس. لكن معظم سكانها هاجروا خلال العقود الماضية إلى مدن وبلدات يسهل الوصول إليها، مثل القدموس ومصياف وسلمية، وذلك بسبب وعورة المكان وغياب الطرق المعبدة التي كانت تصل إليه في السابق.
يحيط بالمقام غطاء نباتي كثيف يضم أشجارًا معمرة ضخمة، بعضها يعود لعشرات السنين، مما يضفي على الموقع جمالًا طبيعيًا خاصًا ويمنحه أجواءً من السكينة والهيبة. كما يوفر الجبل إطلالات بانورامية واسعة على الجبال والوديان المحيطة، مما يجعله وجهة مفضلة للزوار والمهتمين بالطبيعة والتراث الشعبي والتاريخ المحلي.
يظل جبل ومقام النبي شيث موقعًا تراثيًا ودينيًا بارزًا في منطقة القدموس، حيث تتشابك فيه الطبيعة الخلابة مع المعتقدات الشعبية والذاكرة التاريخية لأهالي المنطقة، ليقف شاهدًا على جانب مهم من التراث الثقافي والإنساني في محافظة طرطوس.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة