تصريحات ترامب عن سوريا وحزب الله: إعادة توزيع للأعباء الأمنية وتحديات إقليمية


هذا الخبر بعنوان "سوريا وحزب الله في حسابات ترامب" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تثير تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أشار فيها إلى ترك سوريا "تتعامل" مع حزب الله، تساؤلات عميقة حول طبيعة التوتر الإقليمي الراهن. تُعد هذه التصريحات مؤشراً على نية واشنطن نقل جزء من الأعباء الأمنية عن "إسرائيل" إلى أطراف إقليمية أخرى، وفي مقدمتها سوريا. يندرج هذا التوجه ضمن هندسة إقليمية معقدة تتشابك فيها مصالح وحسابات واشنطن وتل أبيب وطهران ودمشق وبيروت.
لا تهدف الفكرة الأساسية من هذا الطرح إلى إنهاء الصراع على الجبهة اللبنانية، بل إلى إعادة توزيع الضغوط الأمنية. يبرز الخيار السوري كبديل قد يكون أقل حرجاً لـ"إسرائيل" وأكثر قبولاً من الناحية الأميركية، إلا أنه ينطوي على مخاطر جسيمة تتمثل في تحويل سوريا إلى منطقة عازلة وحاجز أمني بين حزب الله و"إسرائيل".
من منظور دمشق، قد يفتح أي دور أمني جديد آفاقاً لدور إقليمي أوسع، لكن الثمن المحتمل يبقى غير واضح. إن الانخراط في ملف حزب الله يعني الاصطدام بشبكة معقدة ذات أبعاد عسكرية وسياسية واجتماعية، لا يقتصر نفوذها على لبنان فحسب، بل يمتد عبر الحدود ويتغلغل في الذاكرة والمصالح المشتركة. وفقاً للسياق الذي طرحه ترامب، تتحول السيادة السورية من مشروع داخلي إلى وظيفة خارجية مشروطة، مما يضع سلطة دمشق أمام مهمة تفوق قدراتها الفعلية وتتسم بتعقيدات بالغة.
أما لبنان، فلن ينظر إلى أي دور سوري محتمل في ملف حزب الله على أنه إجراء أمني محايد. فالذاكرة اللبنانية لا تزال مثقلة بعقود من النفوذ السوري، وبقضية السيادة التي لم تغب عن المشهد السياسي منذ الحرب الأهلية. سيرى خصوم حزب الله في أي ضغط سوري فرصة لإضعاف الحزب، لكنهم في الوقت ذاته سيخشون عودة النفوذ السوري عبر البوابة الأمنية. في المقابل، ستعتبر بيئة حزب الله هذا الدور استهدافاً أميركياً-إسرائيلياً تنفذه سلطة دمشق، مما قد يؤدي إلى تصعيد التعبئة بدلاً من خفضها.
نتيجة لذلك، قد تزداد الدولة اللبنانية ضعفاً، فبدلاً من معالجة قضية السلاح من خلال مؤسساتها وجيشها وحكومتها، ينتقل اتخاذ القرار إلى تفاهمات خارجية بين واشنطن وتل أبيب ودمشق وطهران. هذا لا يؤسس لأمن لبناني مستقر، بل يمثل توزيعاً للأمن بين قوى غير لبنانية.
تستطيع "إسرائيل" الاستفادة من هذا الطرح في كلا السيناريوهين المحتملين. فإذا نجح الدور السوري في احتواء حزب الله، ستنخفض تكلفة عملياتها العسكرية المباشرة في لبنان. أما إذا فشل هذا الدور، فستجد "إسرائيل" ذريعة لتوسيع نطاق ضرباتها داخل سوريا ولبنان، بحجة ملاحقة خطوط إمداد حزب الله. هذا لا يعني إغلاق جبهة الجنوب، بل امتدادها كظل يغطي مناطق واسعة من البقاع والقلمون وصولاً إلى محيط دمشق.
من جانبها، تنظر إيران إلى هذه المسألة من منظور "الممر المشرقي". لطالما شكلت سوريا، على مدى عقود، حلقة وصل مركزية تربط طهران بحزب الله وبالبحر المتوسط. إن خسارة هذا الموقع الاستراتيجي لن تنهي الصراع، بل ستحوله إلى معركة لمنع تثبيت أي قطيعة بين دمشق وحزب الله. قد لا يكون الرد الإيراني بالضرورة عودة عسكرية مباشرة إلى سوريا، بل قد يتجلى في تعقيد البيئة المحيطة بأي دور سوري جديد.
تزيد العوامل الجغرافية من تعقيد هذا السيناريو. فالحدود السورية-اللبنانية ليست مجرد خط أمني واضح المعالم، بل هي فضاء جبلي واجتماعي واقتصادي متداخل. تُعد مناطق مثل القلمون والبقاع ممرات تاريخية لتهريب السلاح والتجارة واللجوء. كما أن ضعف الاقتصاد يجعل مهمة ضبط هذه الحدود بالقوة وحدها أمراً شبه مستحيل.
في الختام، تكشف تصريحات ترامب عن معادلة أمنية هشة، تسعى لتخفيف الضغط عن المركز (إسرائيل) ونقله إلى الأطراف. لا تكمن المشكلة في أن تلعب سوريا دوراً إقليمياً، بل في أن يكون هذا الدور أكبر من قدرة السلطة فيها بتكوينها الحالي، وأعمق من شرعيتها، وأخطر من حاجتها الملحة للاستقرار الداخلي. في مثل هذه الحالة، لن تسفر السياسة الأميركية عن سلام حقيقي، بل عن أمن مبعثر يوزع التوتر بدلاً من إنهائه.
سياسة
سياسة
رياضة
منوعات