قلعة دمشق تُدرج على قائمة الإيسيسكو: اعتراف عالمي جديد بكنز سوري عريق


هذا الخبر بعنوان "قلعة دمشق على قائمة الإيسيسكو.. اعتراف جديد بمكانة الحاضرة التاريخية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب العاصمة السورية، وتحديداً في الزاوية الشمالية الغربية من دمشق القديمة، بالقرب من نهر بردى، تقف قلعة دمشق كشاهد حجري نابض بالحياة على تعاقب الحضارات والأزمنة. هذه القلعة، التي اختزنت في أسوارها وأبراجها ذاكرة المدينة العسكرية والسياسية والعمرانية، تتصدر الآن اهتماماً خاصاً في زاوية "نبض التراث" بوكالة سانا الثقافية، وذلك بعد إدراجها رسمياً على قائمة التراث التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو". هذه الخطوة لا تسلط الضوء على القيمة الاستثنائية لهذا المعلم التاريخي فحسب، بل تؤكد أيضاً مكانة دمشق كإحدى الحواضر التاريخية الكبرى في الوجدان العربي والإسلامي.
إن إدراج قلعة دمشق على قائمة الإيسيسكو يحمل دلالات تتجاوز مجرد الاعتراف بقيمتها الأثرية. فهو يعزز حضورها ضمن برامج الحماية والتوثيق والتعريف بالمواقع التراثية، ويؤكد على أن التراث السوري هو جزء لا يتجزأ من التراث الحضاري الإسلامي والإنساني. تأتي هذه المبادرة في سياق الجهود المتواصلة للتعريف بالموروث الحضاري السوري وصونه وإبرازه على الساحتين الإقليمية والدولية، خاصة وأن القلعة تُعد نموذجاً فريداً لفنون العمارة العسكرية الإسلامية، وتحمل بين حجارتها قصصاً عن حضارات ودول بصمت تاريخ دمشق.
وفي تصريح لوكالة سانا، أوضحت رئيسة دائرة آثار دمشق، نور كدالم، أن قلعة دمشق تكتسب أهمية إضافية لكونها جزءاً لا يتجزأ من مدينة دمشق القديمة، المدرجة أصلاً على قائمة التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" منذ عام 1979، كأحد أبرز المراكز الحضارية في تاريخ البشرية. وأضافت كدالم أن وجود القلعة ضمن النسيج التاريخي للمدينة يلعب دوراً محورياً في فهم تطور دمشق العمراني والدفاعي، وعلاقتها بالطرق التجارية والحضارية التي مرت بها عبر آلاف السنين.
تتمركز قلعة دمشق في الزاوية الشمالية الغربية للمدينة القديمة، وتشكل عنصراً أساسياً في نسيجها العمراني. وتشير الدراسات الأثرية والتاريخية المعتمدة لدى المديرية العامة للآثار والمتاحف إلى أن الموقع شهد تحصينات أقدم تعود لعصور سابقة، قبل أن تتخذ القلعة الحالية شكلها المعروف خلال العصر السلجوقي في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي. وشهدت القلعة لاحقاً توسعات وإعادة بناء واسعة في العصر الأيوبي، خاصة في عهد السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، لتصبح بذلك واحدة من أبرز القلاع الحربية في المشرق.
يُبرز كتاب "قلعة دمشق" للدكتور عبد القادر الريحاوي أن هذا الصرح يمثل نموذجاً هاماً للعمارة الحربية الإسلامية، حيث بُني وفق نظام دفاعي متطور لعصره، مستفيداً من طبيعة الموقع ومجرى نهر بردى المحيط به. تتخذ القلعة شكلاً مستطيلاً تقريباً، وتحيط بها أسوار ضخمة مدعمة بأبراج دفاعية بارزة. وتذكر الدراسات المتخصصة في العمارة الإسلامية أن القلعة احتوت على منظومة متكاملة من الأبراج والممرات والغرف العسكرية والمخازن والمنشآت الخدمية، مما مكنها من أداء دور دفاعي وإداري متكامل. كما تميز بناؤها باستخدام الحجر الكلسي والبازلتي، وإضافة عناصر زخرفية وكتابية توثق مراحل ترميمها وتطويرها في العهود الأيوبية والمملوكية والعثمانية.
يجمع المؤرخون على أن العصر الأيوبي شهد المرحلة الأهم في تاريخ قلعة دمشق، حيث أمر الملك العادل بإعادة بنائها بصورة شبه كاملة بين عامي 1203 و1216 ميلادية، مستفيداً من الخبرات الهندسية والعسكرية التي تطورت خلال الحروب الصليبية. أسفرت هذه الأعمال عن إنشاء قلعة أكثر متانة واتساعاً، مزودة بأبراج ضخمة وبوابات محصنة ومنشآت داخلية متطورة، مما جعلها من أقوى القلاع في المنطقة خلال تلك الفترة.
لم تكن قلعة دمشق مجرد منشأة دفاعية، بل لعبت أدواراً سياسية وإدارية هامة في تاريخ المدينة. فقد استخدمت مقراً للحكم في بعض المراحل، واحتضنت حاميات عسكرية ومرافق إدارية، وشهدت أحداثاً مفصلية ارتبطت بتاريخ الدول الأيوبية والمملوكية والعثمانية. وخلال الحروب التي مرت بها المنطقة، ظلت القلعة مركزاً للدفاع عن دمشق، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي داخل المدينة التاريخية وتحصيناتها المتقدمة.
تكشف الحفريات والدراسات الأثرية التي أجريت داخل القلعة على مدى العقود الماضية عن طبقات عمرانية متعددة توثق مراحل تطور دمشق وتاريخها العسكري والمعماري. وتوفر هذه الاكتشافات مادة غنية للباحثين لفهم التحولات التي شهدتها المدينة عبر العصور. إن قلعة دمشق، بأسوارها وأبراجها وممراتها الحجرية، هي أكثر من مجرد معلم أثري؛ إنها ذاكرة عمرانية مفتوحة على تاريخ المدينة، وشاهد على قدرتها على الاحتفاظ بملامحها الحضارية رغم تقلبات الزمن. ويأتي إدراجها على قائمة الإيسيسكو تأكيداً جديداً على مكانة التراث السوري وأهمية صونه والتعريف به ونقله إلى الأجيال القادمة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة