النقابات السورية: من هيمنة الحزب إلى استعادة الديمقراطية عبر الانتخابات الحرة


هذا الخبر بعنوان "النقابات السورية والديمقراطية: من الوصاية إلى الانتخاب" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة، مدير المركز السوري للدراسات القانونية
لا تقتصر أهمية نقابات المهن العلمية، كالمحامين والمهندسين والأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان والفنانين، على كونها مجرد مؤسسات تُعنى بشؤون منتسبيها. بل إنها تمثل إحدى الركائز الأساسية للمجتمع المدني، وتُعد المدرسة الأولى التي يتعلم فيها المواطن ممارسة الديمقراطية، وتحمل المسؤولية، والمشاركة في إدارة الشأن العام. فكل دولة حديثة تسعى لبناء مؤسسات مستقلة، وكل مجتمع ديمقراطي ينطلق من إطلاق إرادة أفراده.
في سورية، قامت أنظمة هذه النقابات شكلياً على مبدأ الانتخاب الديمقراطي، حيث تتولى الهيئات العامة انتخاب أعضاء مجالس الفروع، ومن ثم انتخاب ممثليها إلى المؤتمر العام، الذي ينتخب بدوره مجالس النقابات المركزية. ورغم أن هذه الأنظمة تعكس مبدأ التداول السلمي للمسؤولية وتؤكد أن الشرعية النقابية تستمد من إرادة أعضاء النقابة، إلا أنها تضمنت نصوصاً كرّست مبدأ هيمنة حزب البعث على هذه النقابات ووصاية السلطات التنفيذية على أعمالها.
لا شك في أحقية القيادة السورية الجديدة في اتخاذ إجراءات استثنائية، مثل حل بعض المجالس النقابية وتعيين مجالس انتقالية لتسيير الأعمال، خاصة في مراحل الضرورة. لكن الضرورة بطبيعتها مؤقتة، ولا يجوز أن تتحول إلى قاعدة دائمة، وإلا فقدت مبررها القانوني والسياسي. واليوم، وبعد مرور أكثر من عام ونصف على حل مجالس النقابات وفروعها وتعيين مجالس بديلة، لم يعد هناك ما يبرر استمرار المرحلة الانتقالية داخل النقابات. بل أصبح من الواجب الانتقال إلى الوضع الطبيعي، عبر تعليق جميع النصوص القانونية التي فرضت الوصاية الحزبية والتنفيذية على العمل النقابي، وإعادة السلطة إلى أصحابها الحقيقيين: أعضاء النقابات أنفسهم، من خلال انتخابات حرة، نزيهة، ودورية.
تُثار في مواجهة هذا المطلب بعض الاعتراضات، أشهرها القول بأن فتح باب الانتخابات سيؤدي إلى فوز من ارتبطوا بالنظام السابق أو بما يسمى “الشبيحة”. هذا القول لا يقوم على أساس سليم، لأنه يختزل عشرات الآلاف من المهنيين السوريين في صورة رسمتها عقود من القمع والهيمنة، ويتجاهل أن النقابات لم تكن طوال العقود الماضية تعبر عن إرادة أعضائها، بل كانت خاضعة لهيمنة حزب البعث والأجهزة الأمنية، التي صادرت القرار النقابي وفرضت قياداته بعيداً عن الإرادة الحرة. ولا يجوز أن يبقى المهنيون جميعاً أسرى لهذا الإرث، أو أن يُحرموا من حقهم الديمقراطي بسبب تصرفات أقلية فرضتها السلطة السابقة.
ويُقال أيضاً إن الديمقراطية تحتاج أولاً إلى ثقافة ديمقراطية. غير أن التاريخ يعلمنا عكس ذلك؛ فالثقافة الديمقراطية لا تُصنع بانتظار الديمقراطية، وإنما تولد من ممارستها وتكرارها. فلا يمكن لشعب أن يتعلم السباحة وهو واقف على الشاطئ، كما لا يمكن لمجتمع أن يتعلم الديمقراطية وهو ممنوع من ممارستها. فالانتخابات ليست نهاية الطريق، بل هي بدايته، والأخطاء التي قد ترافقها تُصحح بصناديق الاقتراع في الدورة التالية، لا بحرمان الناس من حقهم في الاختيار.
بتقديري، فإن السبب الحقيقي وراء كثير من الدعوات إلى تأجيل الانتخابات النقابية ليس غياب الجاهزية، بل ضعف الثقة بالديمقراطية نفسها، أو الخوف من نتائجها. لكن الديمقراطية لا تكون ديمقراطية إذا قبلنا بها عندما تأتي بمن نريد، ورفضناها عندما يحتمل أن تأتي بغيرهم. لقد خرج السوريون مطالبين بالحرية والكرامة ودولة القانون، وكانت الديمقراطية في صميم هذه المطالب. ولذلك، فإن أول امتحان حقيقي لهذه المبادئ يبدأ من احترام حق الناس في اختيار ممثليهم، لا من البحث عن المبررات لتأجيل هذا الحق.
من هنا، فإن النقابات المهنية تمثل البيئة الأنسب لاستئناف الحياة الديمقراطية في سورية. فهي تضم النخب العلمية والمهنية، وتملك خبرة مؤسسية، وقادرة على تقديم نموذج حضاري لإدارة الانتخابات واحترام نتائجها. وإذا نجحت التجربة داخل النقابات، فإنها ستشكل خطوة عملية نحو ترسيخ الديمقراطية في سائر مؤسسات الدولة. آن الأوان لأن تعود النقابات مؤسسات مستقلة، حرة، تعبر عن إرادة أعضائها، وأن يكون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو المصدر الوحيد للشرعية النقابية، شرط تعليق العمل بالنصوص القانونية التي تكرس وصاية الحزب والسلطة. “فلنبدأ، فالديمقراطية لا تولد كاملة، وإنما تنمو بالممارسة، وتترسخ بالثقة، وتحيا بالإرادة الحرة.”
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة