موجة حر 2026 تكشف عجز أوروبا عن مواجهة التغير المناخي.. ومدن الشرق الأوسط تقدم حلولاً مبتكرة


هذا الخبر بعنوان "مدن تحترق وأخرى تبتكر… موجة حرّ 2026 تكشف هشاشة أوروبا أمام مناخ متغيّر" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في صيف عام 2026، وتحديداً في الرابع والعشرين من حزيران/يونيو، أصدرت بلجيكا تحذيراً وطنياً من موجة حر غير مسبوقة. بالتزامن مع ذلك، نشر مكتب الفضاء الأوروبي صوراً بالأقمار الاصطناعية لبروكسل تُظهر مناطق عمرانية كاملة مضاءة باللونين الأرجواني والأحمر على خريطة درجات الحرارة، بينما تظهر بقع زرقاء نادرة تتركز قرب الأنهار والمتنزهات. هذا المشهد لم يقتصر على بروكسل، بل تكرر في باريس وبرلين ومدريد وروما. فقد ضربت موجة الحر التي شهدها حزيران 2026 أوروبا الغربية والوسطى نتيجة لنظام ضغط جوي مرتفع مستمر يُعرف بـ”كتلة أوميغا”. وسجلت دول مثل فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، ألمانيا، المملكة المتحدة، سويسرا، لوكسمبورغ، وبلجيكا درجات حرارة استثنائية أدت إلى تنبيهات واسعة ومضاعفات جسيمة.
يؤكد علم المناخ أن موجة حر يونيو 2026 هي الأشد في أوروبا منذ بدء التسجيل، متجاوزة الأرقام القياسية السابقة المسجلة في عام 1976. ففي ذلك العام، كان بلوغ درجات حرارة مماثلة لما شهدته 2026 في حزيران، بل وفي أي وقت من العام، شبه مستحيل. أما اليوم، فإن 45% من المدن الأوروبية تتخطى خلال هذه الموجة عتبات درجة حرارة البصيلة الرطبة الكروية (WBGT)، وهي درجة حرارة تُعد الأكثر خطورة على الصحة البشرية. وتتركز هذه الظاهرة بشكل خاص في المدن بسبب جزر الحرارة الحضرية، والمباني القديمة، والتفاوتات الاجتماعية التي تزيد من التعرض للخطر.
يكمن الفارق الجوهري بين أوروبا والمناطق الحارة الأخرى في العالم ليس في شدة الحر، بل في عدم التهيئة. فمباني وسط وشمال أوروبا صُممت لحماية السكان من البرد لا من الحرارة. معظم الأسر تفتقر إلى مكيفات الهواء، والطراز المعماري السائد قبل خمسينيات القرن الماضي يحتجز الحرارة بدلاً من دفعها للخارج. وعندما ترتفع درجات الحرارة ليلاً ولا تنخفض، تتحول الشقق إلى أفران. وعلى الرغم من بعض الجهود المبذولة، لا يزال التفاوت واضحاً؛ فإسبانيا تمتلك اليوم واحدة من أضخم شبكات “ملاجئ المناخ” في العالم، توفر للفئات الهشة مساحات للتبريد والترطيب، وعدّلت ظروف العمل في الأماكن المفتوحة. في المقابل، تعالج باريس ظاهرة جزر الحرارة بإزالة الأسفلت والإسمنت من شوارعها. لكن ألمانيا والنمسا ومدن أوروبا الوسطى لا تزال في مراحل مبكرة من التكيف.
يحذر تقرير مركز البحوث المشترك للاتحاد الأوروبي (JRC) من أن جزر الحرارة الحضرية ترفع درجة حرارة المدن في المتوسط 4 إلى 6 درجات مئوية عن محيطها الريفي، وقد تصل الفجوة إلى 10 درجات في ذروة الارتفاع. وقد واجه ما يقارب نصف المدن في العالم تصاعداً في التعرض للحرارة خلال العقود الأربعة الأخيرة، والمدن الأوروبية تتحول في آنٍ واحد إلى مدن أكثر حرارة، وهي مشكلة، وفقاً للمركز، لن تختفي.
في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا حرارة استثنائية تبدو لها غير مألوفة، تُدار أبو ظبي بذكاء منذ عقود للتغلب على المناخ الصحراوي، وهنا تكمن الدروس الأكثر قيمة. ففي مدينة مصدر المستدامة قرب أبو ظبي، أُعيدت صياغة تقنية أبراج الرياح التقليدية بلمسة حديثة: برج يلتقط الريح ويوجهها نحو فوهات ضباب التبريد في الأسفل، ثم إلى الفناء المركزي، مما يخفض الحرارة 5 درجات مئوية على مستوى الشارع. وفي المكان ذاته، تجمع أبراج البحر بين المشربية التقليدية والتقنية الرقمية، حيث تتحرك أكثر من ألف لوح سداسي محوسب وتتكيف تلقائياً طوال اليوم لإدارة الظل بحسب زاوية الشمس.
أما مبادرة مرونة المناخ في أبو ظبي، التي اعترف بها المنتدى الاقتصادي العالمي ضمن أفضل الابتكارات العالمية لمواجهة الاحترار، فتقوم على فكرة بسيطة: لا حل واحد يناسب الجميع. فكل حي يحصل على تصميم مخصص يأخذ في الاعتبار اتجاه الرياح، وطبيعة الأرض، وأنماط حياة السكان. ومن أبرز تجلياتها إحياء فكرة “السكة”، أي الممر الضيق التقليدي بين المباني، لكن بتوجيهه بعناية لاستقطاب أكبر قدر من النسيم الطبيعي ودفعه عبر الأحياء. وعلى صعيد التكنولوجيا الرقمية، طورت شركة FortyGuard الإماراتية منصة ذكاء مناخي محلية الدقة تستخدم الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وصور الأقمار الاصطناعية لرسم خرائط درجات حرارة سطح المدينة بدقة تصل إلى 10 أمتار مربعة. وقد فازت المنصة بجائزة “أفضل مبادرة تقنية مستدامة في العالم 2025”.
تشمل التجارب نماذج متنوعة؛ ففي سنغافورة، تعتمد شبكة أنابيب تحت الأرض توزع المياه المبردة على ناطحات السحاب بكفاءة تفوق أجهزة التكييف التقليدية بنسبة تصل إلى 50%. وفي كولومبيا، أفرزت “الممرات الخضراء” لميديلين انخفاضاً بـ4.5 درجات مئوية في المناطق التي طُبقت فيها. يخلص تقرير مركز JRC إلى أن التجارب الأوروبية الأكثر نجاحاً تدمج مقاربتين: شبكة مدارس في برشلونة تحولت إلى ملاجئ تبريد مفتوحة للعموم، وحلول طبيعية في تورينو الإيطالية لتحويل الشوارع إلى ممرات خضراء. لكن هذه التجارب تبقى متفرقة في مدن بعينها وليست سياسة عامة موحدة.
يؤكد تقرير شركة Sweco الهندسية الإسكندنافية أن “المخاوف المتعلقة بالحرارة تُهمَل كثيراً في الخطط المناخية، وأن مدن أوروبا الشمالية تحتاج تحديداً إلى تحضّر أفضل، لأنها لا تزال مصممة لحماية السكان من البرد لا من الحرارة”. وتتراكم الفاتورة؛ إذ تشير الأرقام إلى أن التكيف المناخي الحضري في أوروبا يتطلب استثمارات بعشرات المليارات، بينما يعادل تكلفة التقاعس خسائر بشرية واقتصادية تفوق ذلك بأضعاف.
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا