البرلمان السوري يكتمل: مرحلة جديدة لاستعادة السلطة التشريعية واختبار المرحلة الانتقالية


هذا الخبر بعنوان "اكتمال تشكيل البرلمان السوري.. بين استعادة المؤسسة التشريعية واختبار المرحلة الانتقالية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن صدور المرسوم الرئاسي بتسمية “الثلث المكمل” لمجلس الشعب مجرد خطوة إجرائية لاستكمال مؤسسة دستورية، بل محطة جديدة في مسار إعادة بناء الدولة السورية بعد سقوط النظام السابق. فمع اكتمال عضوية المجلس البالغة 210 أعضاء، تدخل السلطة التشريعية مرحلة غير مسبوقة منذ أكثر من ستة عقود، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه البرلمان في إعادة صياغة الحياة السياسية، بعد سنوات طويلة بقي خلالها حضوره محدوداً أمام اتساع نفوذ السلطة التنفيذية.
وأصدر رئيس الجمهورية، الأربعاء، المرسوم رقم 134 القاضي بتسمية سبعين عضواً ضمن “الثلث المكمل”، ليكتمل بذلك تشكيل أول مجلس شعب في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق. رئيس اللجنة العليا للانتخابات، محمد طه الأحمد، أعلن خلال مؤتمر صحفي، أن المجلس سيعقد أولى جلساته يوم الاثنين السادس من تموز/يوليو، موضحاً أن ولايته تمتد ثلاثين شهراً، وستُناط به مهام إقرار الموازنة العامة، وإصدار التشريعات اللازمة للمرحلة الانتقالية، ومواكبة الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها مناقشة مشروع الدستور الذي ستعده اللجنة المختصة.
وقال الأحمد إن اختيار أعضاء “حصة الرئيس” لم يستند إلى المحاصصة، وإنما إلى معايير الكفاءة والخبرة، مع مراعاة تمثيل النساء والمكونات المجتمعية، إلى جانب المصابين وذوي الإعاقة، بما يعكس تنوع المجتمع السوري. وضمت القائمة سبعين عضواً، بينهم خمسة وخمسون رجلاً وخمس عشرة امرأة، وسبعة عشر من حملة الدكتوراه، واثنا عشر من حملة الماجستير، إلى جانب شخصيات أكاديمية وقانونية واقتصادية ومهنية.
يأتي انعقاد المجلس في مرحلة تعيد فيها سوريا بناء مؤسساتها بعد سنوات من الحرب والتحولات السياسية. غير أن التجربة البرلمانية السورية ليست وليدة المرحلة الحالية، إذ تعود جذورها إلى سنوات الانتداب الفرنسي، قبل أن تترسخ مع الاستقلال عام 1946، حين لعبت المجالس النيابية دوراً في رسم السياسات العامة، وبرز تحت قبتها رجال دولة، من بينهم فارس الخوري وهاشم الأتاسي وشكري القوتلي وسعد الله الجابري وجميل مردم بك، الذين ارتبطت أسماؤهم ببناء الجمهورية السورية الحديثة. لكن الانقلابات العسكرية التي بدأت عام 1949، ثم وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، أعادا رسم العلاقة بين السلطات، قبل أن تتركز معظم صلاحيات الدولة في السلطة التنفيذية خلال عهدي الرئيس الراحل حافظ الأسد والرئيس السابق بشار الأسد، ليتحول البرلمان تدريجياً من ساحة للنقاش السياسي والرقابة إلى مؤسسة ذات تأثير محدود في صناعة القرار.
والיום، يعود البرلمان إلى واجهة المشهد السياسي في ظل إعلان دستوري جديد رسخ مبدأ الفصل بين السلطات، إلا أن حدود هذا الفصل، وحجم الدور الذي ستؤديه المؤسسة التشريعية، سيحددهما التطبيق العملي أكثر مما تحددهما النصوص الدستورية.
وتضم قائمة “الثلث المكمل” شخصيات سياسية وأكاديمية وقانونية لعبت أدواراً مختلفة خلال السنوات الماضية، من بينها أنس العبدة، الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري، وبدر جاموس، الرئيس السابق لهيئة التفاوض السورية، وعبد الحميد عكيل العواك، رئيس لجنة صياغة الإعلان الدستوري، وحسن إبراهيم دغيم، عضو اللجنة العليا للانتخابات، إلى جانب شخصيات تمثل مختلف المحافظات والمكونات المجتمعية. ويرى متابعون أن تركيبة القائمة تعكس محاولة للموازنة بين الخبرة الإدارية، والتمثيل المجتمعي، والاستفادة من شخصيات شغلت مواقع بارزة في مؤسسات المعارضة أو في العمل الأكاديمي والقانوني، بما يمنح المجلس قاعدة أوسع من الخبرات مقارنة بالمجالس السابقة.
وقالت مصادر برلمانية لـ« سوريا 24 » إن النواب المنتخبين لم يشاركوا في اختيار أعضاء “الثلث المكمل”، وإن دور بعضهم اقتصر على تقديم مشورات غير ملزمة، بينما اتخذ القرار النهائي وفق المعايير التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات، وبقرار من رئيس الجمهورية.
ومع اكتمال تشكيل المجلس، انتقلت الأنظار سريعاً إلى أول استحقاق سياسي ينتظر النواب، والمتمثل في انتخاب رئيس مجلس الشعب وهيئة مكتبه. وعلى الرغم من أن المشاورات تكثفت خلال الساعات التي أعقبت إعلان “الثلث المكمل”، فإن الصورة النهائية لا تزال قيد التشكل، وسط اتصالات بين النواب والكتل الناشئة لتحديد ملامح القيادة البرلمانية الأولى في المرحلة الانتقالية.
وقالت مصادر برلمانية لـ« سوريا 24 » إن دائرة الأسماء المتداولة لرئاسة المجلس تضم حسن إبراهيم دغيم، عضو اللجنة العليا للانتخابات، والدكتور عبد الحميد عكيل العواك، رئيس لجنة صياغة الإعلان الدستوري، إلى جانب عزام خانجي، فضلاً عن أسماء أخرى يجري تداولها داخل المجلس. وترى المصادر أن المنافسة لن تكون بالمعنى التقليدي، بقدر ما ستكون محاولة للوصول إلى مرشح يحظى بأوسع توافق ممكن، مشيرة إلى أن الأوساط البرلمانية لا تبدي توجهاً لمعارضة أي اسم يحظى بقبول الرئاسة، ولا سيما إذا شكل نقطة التقاء بين مختلف الكتل.
وبحسب المصادر، فإن غالبية النواب تفضل تجنيب المجلس أول مواجهة سياسية منذ تشكيله، انطلاقاً من قناعة بأن نجاح المرحلة الانتقالية يبدأ بإطلاق عمل المؤسسة التشريعية في أجواء توافقية، قبل الدخول في الملفات الأكثر حساسية.
ويقول عضو مجلس الشعب عن ريف حلب، طارق حامد، إن المجلس لن يبدأ فوراً بمناقشة مشاريع القوانين، بل سيخصص شهره الأول لاستكمال بنيته المؤسسية، عبر انتخاب رئيس المجلس وهيئة المكتب، وإقرار النظام الداخلي، وتشكيل اللجان الدائمة التي ستتولى دراسة مشاريع القوانين ومتابعة أعمالها.
وأضاف لـ« سوريا 24 »: “بعد أداء القسم سيكون الشهر الأول مخصصاً لوضع النظام الداخلي للمجلس، وبعدها يبدأ العمل الفعلي في التشريع وإقرار واقتراح وتعديل القوانين”. ويرى حامد أن المجلس سيدخل عمله في ظل توقعات شعبية مرتفعة، قائلاً: “الناس متأملة الكثير، والقوانين المتوقع العمل عليها كثيرة جداً، ولذلك سيكون هناك ازدحام كبير في عمل المجلس قد يفوق المتوقع”.
ولا تتعلق المهمة التي تنتظر المجلس بإقرار قوانين جديدة فحسب، بل بإعادة صياغة جزء كبير من البنية القانونية التي ستقوم عليها الدولة في المرحلة المقبلة. ويرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن البداية ينبغي أن تكون من داخل البرلمان نفسه، عبر إقرار نظام داخلي يرسخ الحوكمة والشفافية ويحدد آليات عمل المجلس، باعتباره الإطار الذي سيحكم أداء المؤسسة التشريعية خلال السنوات المقبلة.
ويعتبر عبد الغني أن الخطوة التالية تتمثل في بناء الإطار القانوني للحياة السياسية، من خلال إصدار قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات، وإنشاء هيئة مستقلة لإدارة الاستحقاقات الانتخابية، بما يضمن مشاركة أوسع للنساء والمكونات والمناطق التي لم تحظ بتمثيل كافٍ خلال المراحل السابقة.
وفي تقديره، فإن العدالة الانتقالية ستكون الاختبار التشريعي الأهم، إذ تحتاج البلاد إلى قانون شامل يحدد اختصاصات المؤسسات المعنية، وعلاقتها بالقضاء، وآليات كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وحماية الشهود، ومشاركة الضحايا، والإصلاح المؤسسي، بما يضمن انتقالاً قانونياً لا يقتصر على البعد السياسي. ويضيف أن هذا المسار لا يكتمل من دون تشريعات خاصة بالمفقودين والمختفين قسراً، تنظم عمل الهيئة المختصة، وإنشاء قاعدة وطنية موحدة للبيانات، وبنك للحمض النووي، وحماية المقابر الجماعية والأرشيفات، وربط ذلك بسجل وطني للضحايا يحدد الحقوق وآليات التعويض والمساءلة وحفظ الذاكرة الوطنية.
كما يدعو إلى إصدار قانون يحمي الأدلة أثناء إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار، بحيث لا تؤدي مشاريع الإعمار إلى إتلاف المواقع التي قد تحتوي على أدلة مرتبطة بالانتخابات، بالتوازي مع إطلاق إصلاح شامل للمنظومة القضائية، يشمل مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الدستورية، والنيابة العامة، ومجلس الدولة، والتفتيش القضائي، وضمان استقلال القضاة.
ويضع عبد الغني كذلك مراجعة قوانين الملكية والسكن والأراضي ضمن أولويات المرحلة، باعتبارها مدخلاً لمعالجة قضايا المصادرة وتهيئة الظروف القانونية لعودة اللاجئين والنازحين، إلى جانب تحديث القوانين المتعلقة بالحريات العامة، وفي مقدمتها الإعلام، والجمعيات، والنقابات، والتجمع السلمي، وقانون الجريمة المعلوماتية.
ولا يفصل عبد الغني بين هذه الإصلاحات وإقرار الموازنة العامة، إذ يرى أن الموازنة يجب أن تتحول من وثيقة مالية إلى أداة تعكس أولويات الدولة، عبر توجيه الإنفاق نحو التعليم، والصحة، والعدالة، وتعويض الضحايا، وإزالة الألغام، وإعادة الإعمار، ومكافحة الفساد، ودعم العودة الآمنة.
وربما لن يكون السؤال الأهم بعد انعقاد الجلسة الأولى هو اسم رئيس مجلس الشعب، بقدر ما سيكون طبيعة البرلمان الذي سيولد من رحم هذه المرحلة الانتقالية. فهل ينجح المجلس في استعادة شيء من المكانة التي شغلتها المؤسسة التشريعية السورية في سنوات الاستقلال الأولى؟ وهل يتمكن من ترسيخ تقاليد برلمانية تجعل النقاش العام والتشريع والرقابة جزءاً من الحياة السياسية اليومية؟ ثم كيف ستتحدد العلاقة بين البرلمان والسلطة التنفيذية في ظل الإعلان الدستوري الذي كرس الفصل بين السلطات؟ وهل ستمنح الممارسة العملية المجلس مساحة حقيقية للتأثير في السياسات العامة، أم ستفرض ضرورات المرحلة الانتقالية نموذجاً مختلفاً لتوزيع الصلاحيات؟ الإجابة عن هذه الأسئلة لن تحدد فقط مستقبل مجلس الشعب، بل قد ترسم أيضاً ملامح الحياة السياسية السورية في السنوات الأولى من الجمهورية الجديدة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة