تنظيم الدولة الإسلامية يتكيف تحت الضغط: رهان على فوضى المرحلة الانتقالية في سوريا


هذا الخبر بعنوان "‘Waiting for chaos’: IS adapts under pressure, betting on the failure of Syria’s transition" نشر أولاً على موقع syriadirect وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواصل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تبني استراتيجية جديدة للتكيف مع الضغوط الأمنية المتزايدة في سوريا، حيث يركز على شن عمليات محدودة للحفاظ على حضوره الإعلامي والأمني، بينما يراهن على فشل المرحلة الانتقالية في البلاد. ورغم الحملات الأمنية الحكومية المكثفة، يبدو التنظيم عاجزًا عن استعادة السيطرة على الأراضي، مما دفعه إلى تغيير تكتيكاته.
أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن سلسلة عمليات في أنحاء سوريا خلال الشهر الماضي، شملت اغتيال اثنين من أفراد وزارة الدفاع في شرق حلب، والهجوم على مقر أمني في مدينة الرقة، واستهداف مسؤول قضائي في ريف دمشق، ونصب كمين لحافلة عسكرية في الحسكة. في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع السورية مرارًا عن تفكيك خلايا للتنظيم واعتقال عناصره في عدة محافظات، كان آخرها القبض على مصنع متفجرات في شرق سوريا.
لا تشير العمليات الأخيرة، من حيث حجمها العسكري، إلى عودة التنظيم للسيطرة على الأراضي كما كان قبل انهيار خلافته المعلنة ذاتيًا في عام 2019. كما أنها لا تعكس قدرة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق ومعقدة كما في السنوات السابقة. بدلاً من ذلك، تكشف هذه الهجمات عن سعي التنظيم للحفاظ على وجوده، كتهديد أمني وكقوة إعلامية، من خلال عمليات صغيرة ومنخفضة التكلفة تستهدف أفراد الجيش وقوات الأمن، بالإضافة إلى شخصيات مرتبطة بالمؤسسات الحكومية ومناطق ذات وجود أمني ضعيف نسبيًا.
من منظور أمني، يعمل تنظيم الدولة الإسلامية على مسارين، وفقًا للباحث العسكري والضابط المنشق رشيد حوراني: "تنفيذ عمليات محدودة في مناطقه السابقة، خاصة في شرق سوريا"، و"محاولة تنشيط عملائه في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة" لشن هجمات. ويهدف هذا النهج إلى "كسر الحكومة وإضعافها وإرباكها في الوقت الذي تتجه فيه نحو بناء الدولة"، بحسب ما صرح به حوراني لـ"سوريا دايركت".
في أعقاب سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024، تحول تنظيم الدولة الإسلامية من استراتيجية الانتشار في "المساحات المفتوحة"، مثل البادية السورية، إلى محاولة التسلل إلى المدن، لكنه اصطدم بالإجراءات الأمنية الحكومية، حسب الباحث محمد أديب. ويقول أديب لـ"سوريا دايركت": "مع تكثيف العمليات الحكومية ضد التنظيم، يزداد تكرار عملياته الصغيرة، حتى مع تراجع قدرته على تنفيذ عمليات استراتيجية مؤثرة".
ما هو شكل تواجد التنظيم الحالي في سوريا؟ إلى أي مدى تؤثر الحملات الأمنية الجديدة للحكومة على هيكله ونشاطه؟ هل يتجه التنظيم نحو التفكك، أم يتكيف مرة أخرى مع واقع جديد؟
التنظيم تحت الضغط
في الآونة الأخيرة، كثفت وزارة الداخلية السورية إعلاناتها عن العمليات الأمنية التي تستهدف خلايا التنظيم، كجزء من جهودها لملاحقة التنظيم وتعطيل قدرته على تنفيذ هجمات جديدة. ووفقًا لإحصائيات نُشرت في 8 يونيو، ألقت إدارة مكافحة الإرهاب بالوزارة، بالتنسيق مع جهاز المخابرات العامة، القبض على 235 عنصرًا من التنظيم خلال ثلاثة أشهر، منهم 198 سوريًا و37 أجنبيًا.
كانت العمليات الحكومية ذات تأثير كبير على هيكل التنظيم لعدة أسباب، بحسب الباحث العسكري رشيد حوراني. أبرزها، "جدية الحكومة في استهداف التنظيم، وإنهاء العلاقة الخدمية غير المعلنة بينه وبين أطراف أخرى، مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإيران، بعد خروجها من الساحة السورية". بالإضافة إلى ذلك، فإن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد التنظيم في وقت سابق من هذا العام جعل تحركات التنظيم "صعبة"، بحسب حوراني، بما في ذلك في المناطق التي كان ينشط فيها سابقًا، والتي أعادت القوات الحكومية الانتشار فيها.
دمشق لا تستجيب فقط للعمليات التي ينفذها التنظيم، بل "تركز على تتبع وتفكيك الخلايا والشبكات"، بحسب الباحث أديب. ويضيف أديب: "تركز العمليات الحكومية على التفكيك الكامل لشبكات التنظيم، وليس القبض على عضو أو عضوين"، واصفًا ذلك بأنه استراتيجية "لضرب هيكله التنظيمي واللوجستي".
ويشير أديب إلى أن "التنظيم فقد بعضًا من هامش المناورة الذي كان يتمتع به في البادية السورية ومناطق النفوذ المتداخلة منذ سقوط النظام السابق"، لأن "القوات الحكومية لها تواجد حقيقي، مع وجود عناصر محلية من المنطقة تعرف طبيعتها الجغرافية". لسنوات قبل سقوط النظام، استغل التنظيم مساحات صحراوية شاسعة للتنقل بين سوريا والعراق، مستفيدًا من الفراغات الأمنية التي تركتها الميليشيات الإيرانية وقوات النظام والقوات الروسية في البادية.
يتفق أديب وحوراني على أن التنظيم اليوم لم يفقد قدرته على المناورة، ولكنه يحاول "الاستفادة من تداعيات الفوضى"، على حد تعبير حوراني. وفي الوقت نفسه، يلاحظ أديب "تراجعًا في قدرته على تنفيذ عمليات استراتيجية وكبيرة، مع الاعتماد على هجمات أصغر تستهدف القوات الحكومية في المناطق المفتوحة والهوامش، حيث يكون الأمن أضعف منه في مراكز المدن".
ومع ذلك، فإن تفكيك الخلايا المحلية للتنظيم لا يضرب بالضرورة هيكل التنظيم العام. فبعد هزيمته الإقليمية في بلدة الباغوز بدير الزور عام 2019، "تحول التنظيم من منظمة مركزية إلى منظمة لا مركزية، تعمل ضمن نظام من الخلايا العسكرية والأمنية"، بحسب حسن أبو هنية، الخبير الأردني في الجماعات الإسلامية. ويضيف: "هناك مركزية في اتخاذ القرارات وتحديد الأهداف، لكن التنفيذ لا مركزي، متروك للأفراد والخلايا".
ويؤكد أبو هنية لـ"سوريا دايركت" أن "التنظيم لم يفقد قدرته على التكيف، ويحاول أن يكون اقتصاديًا في عملياته مع الحفاظ على القدرة التشغيلية والخطاب الأيديولوجي الهادف إلى نزع الشرعية عن السلطة الجديدة في دمشق". يراهن التنظيم على ما يسميه "الصبر الاستراتيجي"، في انتظار تطورات الوضع في سوريا، بحسب قوله. "قوته موضوعية أكثر منها ذاتية، مرتبطة بوجود اختلالات أمنية وسياسية واقتصادية يمكنه استغلالها".
عمليات محدودة، رسائل أقوى
على الرغم من تراجع قدرته على تنفيذ عمليات واسعة النطاق أو معقدة، يواصل التنظيم إثبات وجوده من خلال هجمات محدودة، بعضها يستهدف مواقع ذات أهمية أمنية وسياسية. وينعكس هذا النهج في الهجمات الأخيرة في الرقة، وريف دمشق، وحلب، والحسكة.
ويقول أبو هنية: "في هذه المرحلة، يحافظ التنظيم على قدرة تشغيلية محدودة من خلال عمليات محدودة تركز على اغتيال رموز النظام الجديد وتوجيه ضربات تعيده إلى دائرة الضوء، بدلاً من شن عمليات كبرى أو مفتوحة". وفي الوقت نفسه، "يعمل على إعادة تأسيس نفسه وترسيخ مفهوم الخلايا العسكرية التي تعمل في الفراغات الأمنية وداخل المدن، مع محاولة جذب وتجنيد أكبر عدد ممكن من الأشخاص وبناء شبكة واسعة".
يعمل التنظيم على مستويين في سوريا اليوم، بحسب أديب. بعض الهجمات هي "عمليات رمزية، تستهدف مواقع وأفرادًا يمكن أن تولد تأثيرًا أكبر من الحادث نفسه"، بينما "تستهدف أخرى أفرادًا حكوميين في مناطق مفتوحة ونائية على الأطراف".
في اختيار أهدافه، "سعى التنظيم إلى تقويض الحكومة السورية من الناحية الطائفية من خلال استهداف شخصيات أو مواقع حساسة دينيًا، بهدف توسيع تأثير كل عملية إلى ما وراء نطاق الأمن إلى المجالات السياسية والنفسية"، حسبما أضاف حوراني.
الرهان على الفوضى
قد يرتبط مستقبل التنظيم في سوريا ليس فقط بقدرته العسكرية، بل أيضًا بالظروف التي قد تسمح له بإعادة بناء نفسه. على الرغم من خسارته السيطرة الإقليمية، وتعرضه لضغوط متجددة، وتراجع قدرته على تنفيذ هجمات كبرى، لا يزال التنظيم يحتفظ بهامش للمناورة، خاصة في المناطق التي تتسم بضعف الأمن أو التوترات السياسية والاجتماعية.
لسنوات قبل سقوط النظام، حافظ التنظيم على "نمط ثابت من العمليات المعقدة في سوريا"، بحسب أبو هنية. بعد سقوط النظام، حول التنظيم تركيزه إلى "إعادة تشكيل خطابه الأيديولوجي والعقائدي والفكري، بالإضافة إلى هيكله التنظيمي".
ويضيف أبو هنية: "بدأ التنظيم في تطوير دعاية حول كيفية التعامل مع النظام الجديد، وتدرج تدريجيًا إلى وصفه بالمرتد والكافر الذي لا يطبق الإسلام والشريعة، ويخدم الولايات المتحدة، ومتساهل مع إسرائيل". سعت هذه الصياغة إلى "نزع الشرعية عن حكومة الرئيس أحمد الشرع، التي استمدت شرعيتها من إسقاط نظام طائفي مجرم وقاتل. وإدراكًا للدعم الشعبي لإدارة الشرع، تصاعدت خطاباته ومواجهاته وعملياته تدريجيًا".
تنبثق القوة التي يحتفظ بها التنظيم ليس فقط من خلاياه وتمويله ورسالته الأيديولوجية، بل من "الاختلالات المحيطة به"، بحسب قوله. "التنظيم يراهن على الفوضى وفشل الحكومة الجديدة، وينتظر تطورات الوضع في سوريا، خاصة في ظل عدم اليقين بشأن شكل الدولة، والعلاقات المعقدة مع القوى المحلية، والعوامل الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا".
في هذا السياق، "لا يبدو التنظيم في عجلة من أمره للعودة إلى عمليات كبرى ومواجهة مفتوحة. إنه يراقب مسار المرحلة الانتقالية والأزمات التي قد تنتج عنها"، المتعلقة بالاقتصاد، والبطالة، والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والقضايا الداخلية المتعلقة بالمقاتلين الأجانب وقوات سوريا الديمقراطية، بحسب أبو هنية. "كل هذه الملفات، إذا لم تُحل أو إذا أُديرت بطريقة تزيد من التوتر، يمكن أن تصبح مادة يستخدمها التنظيم للدعاية والتجنيد".
تلعب إسرائيل دورًا حاسمًا في تشكيل المستقبل، بحسب قوله. "لديها نظرة عدائية للغاية تجاه سوريا، وتريد رؤيتها مقسمة ومجزأة، مما يساعد التنظيم. مستقبل التنظيم مرتبط بالشكل المستقبلي للمنطقة، الذي لا نعرفه بعد، خاصة بعد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران"، يختتم أبو هنية. "التنظيم ينتظر الفوضى والفشل".
من جانبه، يعتقد الباحث أديب أن مكافحة التنظيم لا يمكن أن تتم على المستوى الأمني وحده. "التنظيم يربط وجوده ببعد أيديولوجي وفلسفي وفكري"، و"يهدف إلى تقديم نفسه كملاذ لمن هم غير راضين عن سياسات الحكومة وتوجهاتها أو يعارضونها". التحدي إذن، ليس فقط مطاردة خلايا التنظيم وشبكاته، بل "معرفة الشرائح المجتمعية التي يحاول جذبها ومعالجة أسباب استيائها قبل أن ينجح التنظيم"، بحسب أديب.
ويحذر أديب من أن "التنظيم لا يزال قادرًا على التجنيد، حتى لو كان ذلك بمستوى أقل من السابق بسبب محدودية موارده وقدرته على الحركة". الخطر المستقبلي "يكمن في استمراره في البحث عن أجزاء من المجتمع تكون أكثر تقبلاً لخطابه، سواء كانوا غير راضين عن السياسات الحكومية، أو مجموعات مهمشة اقتصاديًا واجتماعيًا، أو أفرادًا مدفوعين بالاندفاع ولا يفهمون طبيعته والخطر الذي يمثله".
"الخطر الأكبر يكمن في استغلال التنظيم لشبكات النظام السابق، وبقايا النظام وشبكات تهريب المخدرات تحت ضغط الحكومة، ليصبح ملاذًا ومهربًا لهذه الشبكات، حتى لو لم تشاركها أيديولوجيته". "وهذا مهم بشكل خاص لأن التنظيم استثمر في السنوات الأخيرة في شبكات المخدرات التي تتقاطع مصالحها مع مصالحه".
ويضيف أديب أن "حجم التحدي المرتبط بالتنظيم هائل، وينبع من عوامل متعددة تجعله معضلة عابرة للحدود"، بما في ذلك "اتساع الصحراء في سوريا والعراق والأردن ووجود جيوب للتنظيم في العراق تكافح الحكومة هناك لاحتوائها"، بالإضافة إلى "السياسات الحكومية التي لا تأخذ في الاعتبار سياق تشكيل التنظيم وأنشطته". زيادة الضغط على "شرائح معينة من المجتمع، وتهميشها السياسي والاجتماعي، يزيد من قدرة التنظيم على التجنيد من هذه السكان".
ويختتم أديب بأن "معضلة تفكيك التنظيم تتطلب جهدًا جادًا لتعزيز التكامل وتبادل الأدوار بين القوى الإقليمية، بالإضافة إلى سياسات أمنية واجتماعية وتنموية أكثر شمولاً، لضمان حل أكثر استدامة".
ومع ذلك، يحتفظ حوراني بمستوى من التفاؤل، ويختتم بالقول: "مع استمرار الدولة السورية في تنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية، أعتقد أنه في غضون عام، سينتهي نشاط التنظيم وقدرته على التجنيد وتنفيذ العمليات في مختلف أنحاء البلاد".
سياسة
صحة
سياسة
اقتصاد