سوريا: كيف تحولت آلام الشعب إلى منصة للشماتة والانقسام؟


هذا الخبر بعنوان "حين رقص السوريون على جراح بعضهم..!!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: القاضي حسين حمادة، مدير المركز السوري للدراسات القانونية
من أكثر ما يؤلم في المأساة السورية هو أن الحرب التي شنها النظام الأسدي على الشعب السوري المطالب بالحرية لم تكتفِ بقتل الإنسان وهدم المدن، بل هدمت شيئًا أعمق بكثير: الجسور التي كانت تربط بين أبناء الوطن الواحد.
منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، لم يكن الانقسام سياسيًا فحسب، بل تحول تدريجيًا إلى انقسام اجتماعي ونفسي وأخلاقي. أصبح السوري يرى أخاه السوري من خلال موقفه السياسي قبل أن يراه إنسانًا، وأصبح الألم يُقاس بهوية الضحية لا بحجم المأساة. كانت البراميل تتساقط على مدينة، بينما كان آخرون يحتفلون باعتبارها انتصارًا. وكانت صور المعتقلين والقتلى والمهجرين تملأ الشاشات، فيجد بعض الناس فيها سببًا للشماتة بدل الحزن، أو مناسبة للتشفي بدل المواساة.
وكأن نصف الشعب كان يرقص على أشلاء نصفه الآخر! لم يكن ذلك لأن السوريين شعب بلا رحمة، بل لأن سنوات طويلة من التحريض والخوف والدعاية والكراهية نجحت في تجريد الإنسان من إنسانيته، حتى صار الخصم السياسي يُعامل كأنه لا يستحق الحياة ولا الحزن عليه.
عندما سقط النظام الأسدي، ظن كثيرون أن صفحة الألم قد طُويت، وأن السوريين سيعودون إلى بعضهم، وأن الوطن سيستعيد أبناءه. لكن الحقيقة للأسف لم تتغير، بل تبدلت المواقع، وتغيرت الأدوار، وثقافة التشفي بقيت حاضرة. فكما كان بعض الناس يفرح سابقًا بمصاب الآخرين، أصبح آخرون اليوم يقابلون مآسي خصوم الأمس بالشماتة ذاتها، وكأن الانتقام أصبح لغة مشتركة بين الجميع. تغيرت الوجوه وتبادلت الأدوار، وبقي المشهد من حيث النتيجة كما هو، بحيث لا يحزن السوري حين تصيبه المصيبة سوري كان في الطرف الآخر، وربما يصمت أو يشمت.
هذه الحالة ليست هزيمة لفريق سياسي، بل هزيمة لمجتمع كامل. إن أخطر ما خلفته سنوات الصراع ليس الخراب العمراني، ولا الانهيار الاقتصادي، ولا حتى ملايين اللاجئين، وإنما ذلك الشرخ العميق الذي أصاب الضمير الجمعي، حتى أصبح كثير من الناس عاجزين عن رؤية الإنسان قبل رؤية موقفه.
لا يمكن لوطن أن ينهض إذا بقيت دموع أبنائه تُصنَّف بحسب الانتماء، ولا يمكن لعدالة أن تولد من رحم الشماتة، ولا لمستقبل أن يُبنى فوق ذاكرة تتغذى على الانتقام. تبقى محاسبة المجرمين من أي طرف كان وفق أحكام القانون هي المدخل الموضوعي لاستقرار البلاد، وهو واجب إنساني وأخلاقي قبل أن يكون التزامًا قانونيًا. فبدون تحقيق العدالة ومساءلة المسؤولين عن الجرائم، لن يتمكن المجتمع السوري من تضميد الجراح والشفاء من الندوب العميقة التي خلّفتها سنوات الصراع، ولن يكون بالإمكان بناء سلام حقيقي قائم على الثقة وسيادة القانون.
سوريا اليوم تحتاج إلى استعادة الإنسان الذي ضاع في زحام الكراهية. فالبلاد التي يفرح فيها نصف الشعب بألم نصفه الآخر، لن يعرف فيها أحد طعم الانتصار الحقيقي. لقد خسر الجميع، حتى أولئك الذين ظنوا أنهم انتصروا. وستبقى سورية تنزف ما دام السوري يصفق لمأساة أخيه، ويعتقد أن وجع الآخرين هو طريق خلاصه. فالدم لا يبني وطنًا، والشماتة لا تصنع عدالة، والكراهية لا تورث إلا كراهية جديدة. ولعل أول خطوة في طريق التعافي أن نحزن على كل سوري، أيًا كان موقفه، وأن ندرك أن الوطن لا يشفى عندما ينتصر بعض أبنائه على بعض، بل عندما يتوقف الجميع عن الرقص على جراح بعضهم.
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي