سوريا: عندما يصبح الجنون هو اللغة الوحيدة في ظل غياب الحوار


هذا الخبر بعنوان "سوريا.. حين يصبح الجنون اللغة الوحيدة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ إغلاق أبواب الحوار بمثابة موت سريري للأفكار والعقول، فهو لا يقتصر على تعثر النقاش العام أو تراجع التفاهم بين الأفراد، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أخطر. فالأفكار تحتاج إلى الاحتكاك والاختبار والمراجعة المستمرة لتنمو وتتطور، ولا تزدهر في العزلة أو البيئات المغلقة. وعندما يُحرم المجتمع من هذه العملية الحيوية، تدخل عقول أفراده في حالة من الجمود أشبه بالغيبوبة الطويلة، وتتحول الحياة العامة إلى مساحة تتكاثر فيها الأوهام وتزدهر أشكال التطرف والجنون.
المجتمعات الحية هي تلك القادرة على إدارة خلافاتها بعقلانية، لا تلك التي يتفق أفرادها على كل شيء. فالحوار ليس مجرد ترف ثقافي أو نشاط نخبوي، بل هو الآلية الأساسية التي تمكّن المجتمع من تصحيح أخطائه، واكتشاف عيوبه، وتطوير أدواته السياسية والثقافية والمعرفية. وعندما تتوقف هذه الآلية عن العمل، تبدأ الأمراض بالتراكم داخل الجسد الاجتماعي، مما يجعله عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والوهم.
في سوريا اليوم، يبدو المشهد وكأن البلاد تعيش واحدة من أكثر مراحلها فقرًا على مستوى النقاش العام. فلا يكاد يُسمع صوت العقل وسط ضجيج التخوين والتحريض والكراهية. كل طرف يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وكل رأي مختلف يُنظر إليه كتهديد أو خيانة أو مؤامرة. لم يعد الهدف إقناع الآخر بل إلغاءه، ولم يعد المطلوب البحث عن حلول بل البحث عن أعداء جدد. هذه الحالة ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هي أزمة وطنية مستحكمة ومؤشر خطير على تدهور البنية العقلية للمجتمع نفسه. فعندما يفقد الناس القدرة على الإصغاء لبعضهم البعض، يفقدون تدريجيًا القدرة على التفكير النقدي. عندها، يصبح الانتماء للجماعة أهم من الحقيقة، وتتحول العقول إلى مجرد أدوات لترديد الشعارات والدفاع عن المواقف المسبقة، مهما كانت متناقضة أو خاطئة.
لقد مرت سوريا خلال السنوات الماضية بتجارب قاسية كان يُفترض أن تنتج قدرًا أكبر من الحكمة والتواضع الفكري. فالحروب والكوارث عادة ما تدفع المجتمعات إلى مراجعة أفكارها وإعادة تقييم مسلماتها. لكن ما نشهده في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا. فبدلًا من أن تؤدي المأساة إلى تعزيز ثقافة الحوار، أدت إلى مزيد من الانغلاق والاستقطاب. وبدلًا من أن تخلق شعورًا بالحاجة إلى التفاهم الوطني، رسخت لدى كثيرين قناعة بأن النجاة لا تكون إلا داخل الجدران الضيقة للطائفة أو العشيرة أو الحزب أو الجماعة.
الأخطر من ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي كان يُفترض أن توسع مساحة التعبير، تحولت في كثير من الأحيان إلى غرف مغلقة يتبادل فيها المتشابهون الأفكار ذاتها ويعيدون إنتاج القناعات نفسها. وهكذا، أصبح كل فريق يعيش داخل عالمه الخاص، يسمع صدى الأصوات والأفكار التي تشبهه فقط، ويرى الوقائع من زاوية واحدة، ويعتبر كل ما عداها ضربًا من الضلال أو العداء.
حين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح الجنون هو اللغة الأكثر انتشارًا. والجنون هنا لا يُقصد به بطبيعة الحال المرض العقلي بالمعنى الطبي، بل يعني فقدان القدرة الجماعية على التفكير المتزن. ويعني أن تتحول الشائعات إلى حقائق، وأن يُنظر إلى الاعتدال باعتباره ضعفًا وإلى التعصب باعتباره قوة. عندها، لا يعود العقل هو المرجعية، بل الغضب والخوف والأهواء.
لهذا، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه سوريا اليوم لا يقتصر على أزماتها الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية، بل يتمثل أيضًا في تآكل المساحات التي تسمح للعقل بأن يؤدي وظيفته الطبيعية. فالمجتمع الذي يغلق أبواب الحوار يحكم على نفسه بالعجز عن التعلم، مما يفقده كل قدرة على التطور، فيدخل تدريجيًا في مسار الأفول، مهما امتلك من موارد أو تراث أو شعارات أو انتصارات مؤقتة.
إن استعادة الحوار ليست مهمة سياسية فقط، بل هي ضرورة وجودية. فلا مستقبل لأي دولة إذا كان مواطنوها عاجزين عن الاستماع لبعضهم البعض، ولا أمل في بناء وطن يتسع للجميع إذا كان الاختلاف يُعامَل بوصفه جريمة. فالعقول التي تدخل في غيبوبة طويلة قد تستيقظ يومًا، لكن ذلك يتطلب إرادة واعية لإعادة فتح النوافذ والأبواب أمام الهواء النقي للأفكار. أما إذا استمرت الحال على ما هي عليه، وإذا بقي صوت العقل غائبًا وسط ضجيج التعصب والانفعال، فقد تتحول سوريا بالفعل إلى أكبر مأوى للمجانين والمجاذيب في العالم، ليس لأن أهلها فقدوا عقولهم، بل لأنهم فقدوا رشدهم عندما فقدوا المساحة التي تسمح للعقل بأن يعمل.
صحة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد