الكفاءة أم الولاء؟ معايير اختيار القيادات السورية في ظل التعيينات الجديدة


هذا الخبر بعنوان "بين الولاء والكفاءة.. أي كوادر تدير الدولة السورية اليوم؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يقتصر نجاح الحكومات، خاصة في المراحل الانتقالية، على تغيير الوجوه المسؤولة، بل يتوقف على قدرتها على بناء إدارة عامة ترتكز على الكفاءة، وتشرك الخبرات في صنع القرار، وتستثمر في تطوير كوادرها. وفي سوريا، أعادت موجة التعيينات الأخيرة في مؤسسات الدولة، منذ تولي الإدارة الجديدة السلطة، فتح النقاش حول الأسس التي تُدار بها المؤسسات العامة، وما إذا كانت معايير الاختيار تستند إلى الجدارة والخبرة أم إلى اعتبارات الثقة والولاء. بالتوازي مع الجدل حول التعيينات، تبرز أسئلة جوهرية: إلى أي مدى تشارك الكفاءات والخبرات الوطنية في رسم السياسات واتخاذ القرارات؟ وهل تستطيع برامج التدريب التي بدأت بعض المؤسسات الحكومية بتنفيذها معالجة أوجه القصور في الإدارة العامة، أم أن نجاحها يبقى مرهونًا بحسن اختيار القيادات وبناء منظومة حوكمة تقوم على الشفافية والمساءلة؟ في هذا الملف، تستطلع عنب بلدي آراء خبراء في الإدارة والحوكمة والاقتصاد والتنمية البشرية حول العلاقة بين الكفاءة والولاء، وأثر التشاركية في تعزيز الأداء المؤسسي، ودور التدريب في تأهيل الكوادر الحكومية، بوصفها ركائز متكاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة ثقة السوريين بها.
منذ وصول الإدارة السورية الجديدة إلى السلطة، اتجهت الحكومة نحو إعادة تشكيل مؤسسات الدولة عبر موجة واسعة من الإعفاءات والتعيينات التي شملت عددًا كبيرًا من الوزارات والإدارات العامة. وبررت الحكومة هذه الخطوات بضرورات إعادة هيكلة المؤسسات بعد سنوات الحرب وإزالة آثار النظام السابق، إلا أن هذه التغييرات أثارت نقاشًا واسعًا حول المعايير التي تحكم التعيينات، ولا سيما مع اتهامات متكررة بأن الولاء السياسي والتنظيمي أصبح يتقدم على الكفاءة والخبرة الإدارية. في المقابل، يرصد مراقبون اعتماد الحكومة الانتقالية على شخصيات تحظى بالثقة وقادرة على تنفيذ برنامجها. بينما يرى خبراء في الإدارة والحوكمة وناشطون في المجتمع المدني أن استمرار هذا النهج ينعكس سلبًا على أداء مؤسسات الدولة ويؤخر عملية التعافي وإعادة البناء.
مديرية التنمية الإدارية في حماة تطلق برنامجًا تدريبيًا متخصصًا في تطوير منظومة اختيار الكفاءات وتعزيز بيئة العمل – 3 تموز 2026 (وزارة التنمية الإدارية في سوريا)
تمثل التعيينات الحكومية أول اختبار لأي سلطة جديدة، إذ تحدد طبيعة الإدارة التي ستقود مؤسسات الدولة خلال المرحلة المقبلة. وفي الحالة السورية، يرى مراقبون أن جزءًا كبيرًا من التعيينات اتجه نحو شخصيات مقربة من الإدارة الجديدة أو تنتمي إلى البيئة التي كانت تدير مناطق شمال غربي سوريا، في حين تراجع حضور الكفاءات الإدارية ذات الخبرة الطويلة في مؤسسات الدولة. وهنا، يرى خبير الإدارة والحوكمة، ومدير “المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، الدكتور باسم حتاحت، أن جوهر المشكلة لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يرتبط بغياب الإطار المؤسسي المنظم لعملية التعيين. وأوضح أن الدولة السورية تعاني من ضعف في القوانين والسياسات الناظمة للوظيفة العامة، ما يجعل أي تعيينات عرضة للتشكيك، طالما أنها لا تستند إلى معايير شفافة تعتمد على الكفاءة والخبرة والاستحقاق. وقال حتاحت، في حديث إلى عنب بلدي، إن تحسين الرواتب أو تعديل السلم الوظيفي لا يكفي لإصلاح الإدارة العامة إذا لم يترافق مع منظومة متكاملة لإدارة الموارد البشرية تشمل التوظيف والتقييم والترقية والمساءلة، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء مؤسسات قادرة على اختيار الأكفأ.
“جوهر المشكلة لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يرتبط بغياب الإطار المؤسسي المنظم لعملية التعيين، كما أن الدولة السورية تعاني من ضعف في القوانين والسياسات الناظمة للوظيفة العامة.” – الدكتور باسم حتاحت، خبير في الإدارة والحوكمة
من جانبه، يذهب خبير العلوم الإدارية وعميد كلية العلوم الإدارية في جامعة “إيبلا” الدكتور صبري حسن، إلى أن غياب الكفاءات في الإدارات العامة يعتبر خللًا هيكليًا ومشكلة مستقبلية “خطيرة جدًا”. كما أنها تؤدي إلى انخفاض الإنتاجية واللامبالاة وهروب الكفاءات وتدمير بيئة العمل، وبالتالي تراجع الخدمات العامة، وانتشار الفساد على حساب الأداء المؤسساتي. وقال حسن، في حديث إلى عنب بلدي، إن الواقع الإداري في ظل غياب الكفاءات يتم من خلال معايير تعتمد على الولاءات والمحسوبيات، حيث يتم اختيار القيادات بناء على الولاء وصلات القرابة والروابط الشخصية، بالإضافة إلى المعايير الأمنية، حيث الأولوية للضبط الأمني والامتثال، بدلًا من الجدارة والمهارات العلمية والعملية. أما الناشط المدني جورج طلاماس، فيرى أن الخلل بدأ من الخلط بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة، معتبرًا أن مؤسسات الدولة يجب أن تبقى مؤسسات مهنية مستقلة تستمر بغض النظر عن تغير الحكومات، بينما يؤدي ربطها بالسلطة السياسية إلى إعادة إنتاج نموذج يقوم على الولاء بدلًا من الكفاءة، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الإدارة والخدمات.
لا تقف آثار التعيينات عند حدود اختيار الأشخاص، بل تمتد إلى قدرة المؤسسات على تنفيذ مهامها اليومية. فكلما ابتعدت معايير الاختيار عن الخبرة والتخصص، ازدادت احتمالات بطء الإجراءات وضعف التخطيط وارتفاع نسبة الأخطاء الإدارية. الدكتور باسم حتاحت، أكد أن غياب الشخص المناسب عن المكان المناسب يؤدي إلى تراجع كفاءة اتخاذ القرار وانخفاض الإنتاجية وزيادة تكلفة الأخطاء الإدارية، بينما ينعكس وجود كفاءات مؤهلة ضمن إطار مؤسسي واضح على رفع جودة الخدمات وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات. ويتوسع الدكتور صبري حسن في توصيف هذه الآثار، مشيرًا إلى أن ضعف الكفاءات يخلق سلسلة من المشكلات تبدأ بسوء الإدارة ولا تنتهي عند تراجع الخدمات العامة، فغياب الخبرة يؤدي، بحسب رأيه، إلى:
“غياب الخبرة لدى بعض الشخصيات الإدارية يؤدي إلى تعقيد الإجراءات الإدارية وضعف التخطيط وسوء توزيع الموارد، إضافة إلى زيادة المركزية.” – الدكتور صبري حسن، خبير في العلوم الإدارية والحوكمة
ويتفق جورج طلاماس مع هذا الطرح، مؤكدًا أن مؤسسات الدولة المدنية ينبغي أن تدار بواسطة خبرات أكاديمية وإدارية، لا عبر شخصيات جاءت من خلفيات عسكرية أو قتالية. وأشار إلى أن سوريا تمتلك كفاءات كبيرة داخل البلاد وخارجها كان يمكن الاستفادة منها في مرحلة إعادة البناء، إلا أن تراجع الاعتماد عليها قد يضعف قدرة المؤسسات على استعادة فعاليتها.
وزارة التنمية الإدارية تعقد ورشة عمل متخصصة لتطوير الهياكل التنظيمية للمحافظات – 14 حزيران 2026 (وزارة التنمية الإدارية)
يرى خبراء أن انعكاسات سياسات التعيين لا تقتصر على أداء المؤسسات، بل تمتد إلى مستقبل رأس المال البشري السوري، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى جميع خبراتها لإعادة الإعمار. وأكد الدكتور باسم حتاحت أن غياب العدالة وتكافؤ الفرص يدفع أصحاب الكفاءات إلى فقدان الحافز للعمل في القطاع العام، والبحث عن فرص في القطاع الخاص أو خارج البلاد، مشيرًا إلى أن الحفاظ على الكفاءات يتطلب بناء نظام وظيفي يقوم على الاستحقاق لا على الاعتبارات الأخرى. وحذر الدكتور صبري حسن من أن استمرار هذا الواقع يفاقم هجرة الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وغيرهم من أصحاب الاختصاص، لأنهم لا يجدون بيئة عمل تقدّر خبراتهم أو تتيح لهم فرصًا عادلة للتطور الوظيفي، وهو ما يؤدي إلى استنزاف الكفاءات المتخصصة داخل سوريا، والتي تحتاج إليها الدولة في مرحلة التعافي. ويتقاطع ذلك مع ما يطرحه جورج طلاماس، الذي يرى أن تجاهل الخبرات السورية، سواء الموجودة داخل البلاد أو المنتشرة في الخارج، يمثل خسارة كبيرة لسوريا، خصوصًا أن المرحلة الحالية تتطلب خبرات فنية وإدارية أكثر من حاجتها إلى الولاءات السياسية أو العسكرية. كما أشار طلاماس إلى أن تعيين مسؤولين من خارج المحافظات لإدارة مؤسساتها، رغم وجود كوادر محلية مؤهلة، خلق شعورًا بالإقصاء لدى كثير من المجتمعات المحلية، وأسهم في زيادة الاحتقان الاجتماعي.
“تعيين مسؤولين من خارج المحافظات لإدارة مؤسساتها، رغم وجود كوادر محلية مؤهلة، خلق شعورًا بالإقصاء لدى كثير من المجتمعات المحلية.” – جورج طلاماس، ناشط مدني
إلى جانب تعيين المسؤولين الذين سبق لهم العمل في إدارات شمال غربي سوريا أو في المؤسسات المدنية المرتبطة بالإدارة السابقة في إدلب، برز حضور شخصيات أكاديمية ومستقلة انضمت لاحقًا إلى الحكومة أو الهيئات العامة. وأغلب تلك الشخصيات ممن كانوا خارج سوريا خلال سنوات الثورة السورية، ورغم أن نسبتهم تكاد تكون منخفضة، فإن بعض الخبراء اعتبر ذلك مؤشرًا جيدًا على بدء الاعتماد على بعض الكفاءات. وهنا يشرح خبراء أن المشكلة لا تكمن في خلفية الأشخاص بحد ذاتها، وإنما في غياب معايير معلنة وواضحة تضمن تكافؤ الفرص لجميع السوريين. ويؤكدون أنه لا توجد حتى الآن بيانات رسمية أو إحصاءات دقيقة تسمح بتحديد نسبة المسؤولين القادمين من خلفيات تنظيمية أو عسكرية مقارنة بالمدنيين أو المستقلين، الأمر الذي يجعل أي أرقام متداولة غير قابلة للتحقق. كما يشددون على أن بناء الثقة يتطلب إعلان معايير الاختيار للرأي العام، وإخضاع جميع التعيينات للرقابة والمساءلة. وتشير آراء الخبراء إلى أن غياب معايير الكفاءة والشفافية يهدد بإضعاف مؤسسات الدولة واستمرار نزيف الكفاءات، في حين أن بناء جهاز إداري مهني قائم على العدالة وتكافؤ الفرص يمثل أحد الشروط الأساسية لإنجاح المرحلة الانتقالية واستعادة ثقة السوريين بمؤسسات دولتهم. ولتحقيق واقع إداري وحوكمي يحسن موضوع التعيينات، يقدم الدكتور صبري حسن، عدة مقترحات، هي:
أما الدكتور باسم حتاحت فيرى أن الأولويات تتمثل بـ:
الدكتور صبري حسن، خبير في العلوم الإدارية والحوكمة
مديرية التنمية الإدارية في حماة تطلق برنامجًا تدريبيًا متخصصًا في تطوير منظومة اختيار الكفاءات وتعزيز بيئة العمل – 3 تموز 2026 (وزارة التنمية الإدارية في سوريا)
ترتبط كفاءة المؤسسات العامة بالمؤهلات الفردية للعاملين فيها، وتمتد أيضًا إلى الكيفية التي تُصنع بها القرارات داخلها، ومدى مشاركة أصحاب الاختصاص والخبرة في رسم السياسات وتقييم الخيارات قبل اعتمادها. ومع التغييرات الإدارية التي شهدتها مؤسسات الدولة السورية خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، برزت تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات الحكومية، وما إذا كانت تقوم على نهج تشاركي يتيح الاستفادة من الخبرات المتنوعة، أم أنها تتسم بالمركزية وما يترتب على ذلك من آثار في أداء المؤسسات وجودة الخدمات العامة. التشاركية لا تعني إشراك أكبر عدد ممكن من الأشخاص في القرار، بقدر ما تعني بناء آليات مؤسسية تضمن حضور أصحاب الكفاءة والخبرة في مختلف مراحل إعداد السياسات وصياغة القرارات، بما يسهم في الحد من الأخطاء ورفع كفاءة التنفيذ وتعزيز ثقة الموظفين والجمهور بالمؤسسات. وفي المقابل، يثير غياب هذه المقاربة، وفق خبراء، تساؤلات حول انعكاسه على بيئة العمل داخل القطاع العام، وإمكانية صدور قرارات لا تستند إلى تقييم كافٍ أو نقاش مؤسسي، الأمر الذي قد ينعكس على أداء الإدارات الحكومية، ويزيد من التحديات التي تواجهها في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة.
التشاركية: هي عملية تعاونية تتيح للأفراد والمجتمعات الإسهام الفعال في اتخاذ القرارات والأنشطة التي تؤثر على حياتهم، فهي تكسر احتكار السلطة وتوفر منصة للجميع. وتبرز أهمية العمل التشاركي من خلال عدة جوانب أساسية تسهم في بناء مجتمعات ومؤسسات ناجحة:
يرى الاستشاري والخبير الاقتصادي والإداري الدكتور رازي محيي الدين، أن إشراك أصحاب الاختصاص والخبراء والتكنوقراط هو أحد المبادئ الأساسية للإدارة الحديثة والحوكمة الرشيدة، موضحًا أن غياب هذه المشاركة يجعل القرارات أقل دقة وأكثر عرضة للأخطاء، ويزيد احتمالات هدر الوقت والموارد. وقال محيي الدين، في حديث إلى عنب بلدي، إن سوريا بحاجة إلى توسيع دائرة المشاركة والاستفادة من جميع الكفاءات الوطنية داخل البلاد وخارجها، بعيدًا عن أي اعتبارات غير مهنية، لأن تحديات إعادة بناء مؤسسات الدولة تتطلب تكامل الخبرات، لا الاعتماد على دائرة محدودة من الأشخاص. واعتبر أن الفريق الإداري الجديد القادم من إدلب يمتلك خبرات ناجحة في بعض الجوانب، إلا أن إدارة مؤسسات الدولة السورية بحجمها وتعقيدها تتطلب خبرات أوسع في إدارة المؤسسات المركزية والقطاعات الاقتصادية والخدمية الكبرى، وهو ما يستدعي، بحسب الخبير، الاستفادة من مختلف الكفاءات السورية دون استثناء، ضمن بند التشاركية. وأكد أن تركز القرار بيد عدد محدود من المسؤولين، مع غياب المشاورات المؤسسية، يرفع احتمالات اتخاذ قرارات لا تستند إلى معلومات كافية أو تقييم موضوعي للبدائل، وهو ما ينعكس في تأخر تنفيذ المشاريع، وهدر المال العام، وضعف استثمار الموارد وتكرار الأخطاء، إلى جانب خلق بيئة عمل لا تشجع أصحاب الكفاءات على المبادرة أو تحمل المسؤولية.
خبير العلوم الإدارية الدكتور صبري حسن، يعتقد أن غياب التشاركية في صنع القرار والتعيينات، يؤدي إلى الإقصاء وتهميش الكفاءات، وهذا يولد فجوة ثقة بين المجتمع والمؤسسات، وإضعاف الحلول الاقتصادية، وتراجع الاستقرار التنموي نتيجة ضعف الأداء المؤسسي والاقتصادي، وغياب التخطيط الشامل. كما يؤدي إلى زيادة العقبات أمام قطاع الأعمال والمستثمرين نتيجة عدم إشراكهم في صياغة القوانين التنظيمية الإدارية والاقتصادية، والأثر الأكثر خطورة هو الأثر السياسي والاجتماعي، واتساع فجوة الثقة بين المواطنين والحكومة، وشعور الأفراد والمكونات المجتمعية (العرقية والطائفية والدينية) بالإقصاء، مما قد يولد احتجاجات أو مطالبات بتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية، وزيادة فرص الصراع الداخلي وضعف الاستقرار الوطني. كل ما سبق يعني أن غياب التشاركية يزيد من الانقسامات ويؤخر فرص التعافي الاقتصادي والاجتماعي، بحسب الخبير في العلوم الإدارية.
المتخصص في إدارة الجودة والحوكمة الدكتور زيدون الزعبي، اعتبر أن مسألة الكفاءات والمؤهلات في سوريا باتت معقدة، إذ إن جزءًا كبيرًا من أصحاب الكفاءات يقيمون خارج البلاد، واستقروا في أماكن عملهم وحياتهم الجديدة، ما يجعل عودتهم إلى سوريا صعبة، كما أنها تتطلب تكلفة وجهدًا من الدولة لاستقطابهم، الأمر الذي يفرض على المؤسسات التعامل مع الواقع القائم. وقال الزعبي، إن هذا الواقع لا ينفي تأثير غياب التشاركية في التعيينات وصناعة القرار، موضحًا أن هناك أشخاصًا يمتلكون الكفاءة اللازمة لتولي مناصب إدارية، لكنهم لا يشغلونها، في حين يتولاها آخرون أقل كفاءة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات وأداء المؤسسات. واعتبر أن أزمة الكفاءات في سوريا متعددة الأسباب، فهي ترتبط بهجرة أصحاب الخبرات، وعدم عودة كثير منهم إلى البلاد، إلى جانب وجود كفاءات عملت سابقًا ضمن مؤسسات النظام السوري، وهو ما يفرض على الدولة تحديات إضافية في كيفية الاستفادة من هذه الخبرات، بحسب الزعبي، مؤكدًا أن ذلك “يفسر الواقع ولا يبرره”. وحول سبل تعزيز كفاءة الإدارة العامة، أشار الزعبي إلى أن نقطة البداية تتمثل في وجود قيادات ذات كفاءة، لأن كفاءة من يقود المؤسسة تنعكس على أداء المؤسسة بأكملها. الاستفادة من الكفاءات السورية الموجودة خارج البلاد، ولو من خلال صيغ مختلفة، مثل المهام الاستشارية قصيرة الأمد، يتيح نقل الخبرات والمساهمة في تأهيل الكوادر العاملة داخل مؤسسات الدولة.
زيدون الزعبي، متخصص في إدارة الجودة والحوكمة
دعا الاستشاري والخبير الاقتصادي والإداري الدكتور رازي محيي الدين، إلى تعزيز التشاركية ورفع كفاءة الإدارة العامة، من خلال:
كما شدد على أهمية تطوير برامج تدريب احترافية مرتبطة بقياس الأداء، وتحسين الرواتب والحوافز لاستقطاب الكفاءات والحد من هجرتها، والاستفادة من الخبرات السورية في الداخل والخارج، إلى جانب تعزيز ثقافة العمل الجماعي داخل المؤسسات. المشكلة لا تقتصر على نقص الكفاءات، بل تشمل أيضًا ضعف الحوكمة والتشاركية والشفافية، بحسب محيي الدين، معتبرًا أن الاستثمار في الإنسان والاعتماد على الكفاءة وتوسيع المشاركة في صناعة القرار، تمثل الطريق الأسرع لبناء إدارة عامة أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق التنمية.
من إحدى ورشات العمل التي أطلقتها وزارة التنمية الإدارية لكوادرها في حلب- 27 حزيران 2026 (وزارة التنمية الإدارية)
مقابل معايير الكفاءة في القطاع الحكومي، وعدم وجود خبرة لدى قطاع واسع من المديرين والموظفين الجدد، تتصاعد التساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تؤديه برامج التدريب في تطوير أداء الكوادر. ويرى أستاذ كلية الاقتصاد في جامعة “دمشق” وخبير الحوكمة الدكتور زكوان قريط، أن الدورات التدريبية تعد من أهم الأدوات التي تعتمد عليها المؤسسات الحكومية لرفع كفاءة موظفيها ومديريها، ولا سيما في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الإدارة العامة. وتتجه مؤسسات حكومية إلى تنظيم دورات تدريبية تستهدف الموظفين والمديرين، ضمن مساعٍ معلنة لتطوير الأداء الإداري ورفع كفاءة العاملين. إلا أن هذه الخطوات تثير بدورها تساؤلات حول مدى قدرة التدريب على معالجة المشكلات البنيوية التي تعاني منها الإدارة العامة، وما إذا كان بإمكانها تعويض ضعف التأهيل الأكاديمي أو سد النقص في الخبرات اللازمة لتولي المناصب القيادية. وفي تجارب الإدارة الحديثة، لا يُنظر إلى التدريب بوصفه غاية بحد ذاته، وإنما باعتباره إحدى حلقات تطوير الموارد البشرية داخل المؤسسات، تبدأ باختيار الشخص المناسب للموقع المناسب، مرورًا بالتأهيل العلمي واكتساب الخبرة العملية، وصولًا إلى التدريب المستمر الذي يواكب تطور أساليب الإدارة ومتطلبات العمل. وقال قريط في حديث إلى عنب بلدي، إن المؤسسات الحكومية تحتاج بصورة مستمرة إلى تحديث مهارات العاملين لديها، لأن بيئة العمل تتغير باستمرار، سواء من حيث التقنيات أو أساليب الإدارة، وهو ما يجعل التدريب وسيلة للحفاظ على كفاءة الكوادر ورفع جاهزيتها للتعامل مع المتغيرات.
“المؤسسات الحكومية تحتاج بصورة مستمرة إلى تحديث مهارات العاملين لديها، لأن بيئة العمل تتغير باستمرار.” – الدكتور زكوان قريط، خبير بالحوكمة وأستاذ في جامعة “دمشق”
لا يقتصر التدريب على نقل المعلومات، وفق قريط، بل يسهم في تطوير مهارات اتخاذ القرار وإدارة الوقت والعمل الجماعي والتخطيط واستخدام التقنيات الحديثة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على جودة الأداء داخل المؤسسات، ويؤدي إلى رفع الإنتاجية وتحسين الخدمات. ويرى قريط أن الاستثمار في تدريب الكوادر الحكومية يعتبر العنصر الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات، موضحًا أن الموظف الذي يحصل على تدريب مستمر يكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، وأفضل استعدادًا لتحمل المسؤوليات الإدارية. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التدريب لا يمكن النظر إليه باعتباره علاجًا لجميع المشكلات الإدارية، لأن نجاحه يرتبط بوجود بيئة مؤسساتية سليمة، وإدارة تعتمد معايير واضحة في اختيار الموظفين وتقييمهم، إضافة إلى وجود خطط تطوير مستمرة تستند إلى احتياجات العمل الفعلية.
من أكثر الأسئلة التي يثيرها الجدل الدائر حول الإدارة العامة، مدى قدرة التدريب على تعويض ضعف المؤهل العلمي، خاصة في ظل وجود مسؤولين يشغلون مواقع إدارية رغم امتلاكهم شهادات تعليمية متواضعة. ويرى الدكتور قريط أن الإجابة ليست مطلقة، إذ يمكن للدورات التدريبية أن تسد جزءًا من الفجوة المعرفية عندما تكون مصممة بصورة احترافية، وتركز على الجوانب التطبيقية والمهارات الإدارية والفنية، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يمتلكون خبرة عملية طويلة في المجال الذي يعملون فيه. لكن ذلك، بحسب قريط، لا يعني أن التدريب يستطيع أن يحل محل التعليم الأكاديمي، لأن المؤهل العلمي يمنح صاحبه الأساس النظري والمنهجي الذي يساعده على تحليل المشكلات واتخاذ القرارات وفهم النظم الإدارية والاقتصادية والقانونية التي تحكم عمل المؤسسات. وأضاف أن الإدارة الحديثة تقوم على المزج بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وليس على أحدهما دون الآخر، فحتى المدير الذي يمتلك خبرة طويلة يحتاج إلى تحديث معلوماته باستمرار، كما أن صاحب المؤهل العلمي يحتاج إلى اكتساب الخبرة الميدانية التي تمكنه من تحويل المعرفة إلى ممارسة عملية.
“الإدارة الحديثة تقوم على المزج بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وليس على أحدهما دون الآخر.” – الدكتور زكوان قريط، خبير بالحوكمة وأستاذ في جامعة “دمشق”
يعتقد الدكتور زكوان قريط أن الجدل حول تولي بعض الأشخاص مناصب إدارية رغم امتلاكهم مؤهلات متواضعة، ينبغي أن يُقرأ من زاوية الحوكمة والإدارة الرشيدة، التي تقوم أساسًا على وجود معايير واضحة وشفافة في اختيار القيادات. وقال إن الخبرة العملية قد تكون عاملًا مهمًا في بعض الوظائف، لكنها لا تكفي وحدها لتولي المناصب القيادية، لأن الإدارة تتطلب أيضًا قدرة على التخطيط والتحليل وإدارة الموارد واتخاذ القرار، وهي مهارات يعززها التعليم الأكاديمي والتطوير المهني المستمر. لذلك، يرى أن أي تطوير للإدارة العامة يجب أن يبدأ بوضع معايير دقيقة للتعيين والترقية، تعتمد على الكفاءة والإنجاز، لا على اعتبارات غير مهنية، مع إخضاع القيادات لبرامج تقييم وتطوير مستمرة.
من جانبه، يرى الدكتور هيثم محمد علي، الحاصل على دكتوراة في اقتصاديات التعليم وخبير التطوير الإداري والتنمية البشرية، أن التدريب يمثل إحدى الأدوات الأساسية لتطوير أداء المؤسسات، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن حسن اختيار الكفاءات منذ البداية. وقال محمد علي، إن التدريب يستهدف ثلاثة محاور رئيسة، تتمثل في تعزيز المعرفة وتنمية المهارات وترسيخ السلوكيات والأخلاقيات المهنية، بما يساعد العاملين على أداء وظائفهم بكفاءة أكبر. وأوضح أن الهدف الأساسي من التدريب هو ردم الفجوة بين الأداء الحالي والأداء المأمول داخل المؤسسة، باعتباره جزءًا من عملية تطوير مستمرة، وليس وسيلة لمعالجة أخطاء التوظيف. الهدف الأساسي من التدريب هو ردم الفجوة بين الأداء الحالي والأداء المأمول داخل المؤسسة.
هيثم محمد علي، دكتور متخصص في اقتصاديات التعليم
وأضاف أن لكل وظيفة متطلبات واضحة، تشمل المؤهل العلمي والخبرة والسمات الشخصية والكفايات المهنية، وبالتالي فإن اختيار الشخص المناسب يجب أن يسبق أي عملية تدريبية. واعتبر أن كثيرًا من المؤسسات تقع في خطأ الاعتقاد بأن التدريب قادر على تعويض ضعف الكفاءات، بينما الواقع يشير إلى أن التدريب ينجح عندما يُبنى على أساس صحيح، يبدأ بالتعيين السليم، ثم يستكمل بالتطوير المستمر.
يتفق الخبيران على أن نجاح التدريب لا يقاس بعدد الدورات أو الشهادات الممنوحة، وإنما بمدى انعكاسه على أداء الموظفين وجودة الخدمات. أشار قريط إلى أن البرامج التدريبية لا تحقق أهدافها ما لم تُبنَ على دراسة دقيقة لاحتياجات المؤسسات، وأن تتضمن أهدافًا واضحة، ومدربين مؤهلين، وآليات لقياس أثر التدريب قبل تنفيذه وبعده. كما أكد أهمية أن تتوفر بيئة عمل تسمح للموظفين تطبيق ما تعلموه، لأن كثيرًا من البرامج التدريبية تفقد قيمتها عندما يعود الموظف إلى مؤسسة لا تشجع على التطوير أو لا تمنحه الصلاحيات اللازمة للاستفادة من مهاراته الجديدة. بدوره، يرى محمد علي أن التدريب ينبغي أن يكون جزءًا من سياسة مستدامة لإدارة الموارد البشرية، ترتبط بالتقييم والترقية والتحفيز، وليس نشاطًا موسميًا أو إجراءً شكليًا. ويجمع الخبيران على أن تحسين أداء المؤسسات الحكومية لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على التدريب وحده، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ باختيار الكفاءات، وتمر بالتأهيل الأكاديمي والخبرة العملية، وتستمر بالتدريب والتقييم والتطوير المهني.
مديرية التنمية الإدارية في حمص تطلق برنامجًا تدريبيًا لتعزيز مهارات التخطيط والمتابعة في العمل المؤسسي – 24 أيار 2026 (وزارة التنمية الإدارية في سوريا)
صحة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد