التجربة التركية في الطاقة المتجددة: نموذج لسوريا نحو مستقبل أخضر وأمن طاقي


هذا الخبر بعنوان "التجربة التركية ومتطلبات التحول نحو الطاقة المتجددة في سوريا" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد التجربة التركية في التوسع بإنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة نموذجاً إقليمياً يمكن لسوريا الاستفادة منه في رسم سياسات الطاقة المستقبلية، خاصة في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، وارتفاع تكاليف الوقود الأحفوري، وتزايد الضغوط البيئية والمناخية. وقد نجحت تركيا في رفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة إلى أكثر من 72% من إجمالي إنتاج الكهرباء خلال شهر أيار الماضي، وهو رقم قياسي يعكس حجم الاستثمارات والتخطيط طويل الأمد الذي اعتمدته أنقرة خلال العقدين الماضيين، مما يدعم النمو الاقتصادي ويقلل فاتورة استيراد الطاقة ويعزز الأمن الطاقي.
بالنسبة لسوريا، أصبح التحول نحو الطاقة المتجددة ضرورة اقتصادية وتنموية واستراتيجية، لا سيما في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع الكهرباء، وآثار ضعف التغذية الكهربائية على الصناعة والزراعة والخدمات ومستويات المعيشة. وتبرز التجربة التركية كنموذج جدير بالاستفادة، نظراً لتشابه الموارد الطبيعية بين البلدين، وما يتيحه ذلك من فرص لتطوير قطاع الطاقة المتجددة في سوريا.
وفقاً لبيانات وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية، سجلت الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري مستويات قياسية في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، حيث بلغت مساهمة الطاقة الكهرومائية 46.4 مليار كيلو واط ساعي، وطاقة الرياح 18 مليار كيلو واط ساعي، والطاقة الشمسية 14.2 مليار كيلو واط ساعي.
ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الاقتصاد السوري لا يستطيع تحقيق نمو حقيقي ومستدام دون معالجة جذرية لأزمة الطاقة، مؤكداً أن الكهرباء عنصر أساسي في تكلفة الإنتاج وقدرة المنشآت الصناعية على الاستمرار والمنافسة. وأشار إلى أن الطاقة المتجددة قادرة على تخفيف جزء مهم من أعباء الإنتاج، خاصة للصناعات الصغيرة والمتوسطة، وأن التحول نحوها يمثل خياراً استراتيجياً للدول الساعية لتعزيز أمنها الطاقي وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وقدم عايش التجربتين التركية والأردنية كنموذجين مهمين يمكن لسوريا الاستفادة منهما خلال مرحلة التعافي الاقتصادي، حيث ساهم نجاح تركيا في خفض فاتورة استيراد النفط والغاز وتقليل الضغط على العملات الأجنبية، بينما حقق الأردن تقدماً لافتاً في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما أتاح له تحقيق فائض كهربائي والدخول في مشاريع ربط وتبادل كهربائي.
وأضاف عايش أن توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة في سوريا سيحقق مكاسب اقتصادية تشمل ضمان استدامة توليد الكهرباء، وتخفيف الاعتماد على النفط والغاز، وتقليل الكلف التشغيلية على القطاعات الصناعية والخدمية، وتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين. كما سيسهم في دعم التحول الرقمي وتطوير البنية التكنولوجية، لارتباط الكهرباء المباشر بمراكز البيانات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
من جهة أخرى، شهد شهر أيار تراجعاً ملحوظاً في حصة الفحم من إنتاج الكهرباء في تركيا، لتبلغ 17% فقط، وهو أدنى مستوى لها منذ 22 عاماً، بينما غطت محطتا طاقة الرياح والطاقة الشمسية نحو 23% من إجمالي إنتاج الكهرباء في تركيا خلال أيار، لتتفوقا للشهر الثاني على التوالي على محطات الفحم. وأسهمت محطات الطاقة الكهرومائية بدور رئيسي في تحقيق هذا الأداء، مدفوعة بهطولات مطرية غزيرة.
ويؤكد عايش أن سوريا تمتلك مقومات طبيعية مهمة لإنتاج نسبة كبيرة من احتياجاتها الكهربائية من مصادر متجددة، أبرزها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حيث تتجاوز معدلات السطوع الشمسي في معظم المحافظات 300 يوم مشمس سنوياً، بالإضافة إلى وجود مناطق تتمتع برياح مناسبة. ويتطلب الوصول إلى إنتاج مهم من الطاقة المتجددة في سوريا وضع استراتيجية وطنية واضحة تمتد لعشر أو عشرين سنة، وتحديث الإطار التشريعي الناظم للاستثمار، وتوفير التمويل من خلال قروض ميسرة واستقطاب استثمارات عربية ودولية.
يشير رجل الأعمال والخبير الاقتصادي أحمد الزيات إلى أن الطاقة المتجددة أصبحت قطاعاً استثمارياً قادراً على خلق فرص عمل واسعة وتحريك الصناعات المحلية، وأن دخول سوريا التدريجي في الاقتصاد الأخضر سيمنحها فرصاً أفضل للحصول على التمويل الدولي. ورأى الزيات أن التجربة التركية قامت على سياسات هدفت إلى تشجيع الصناعات على التحول التدريجي نحو مصادر طاقة أقل كلفة وأكثر استدامة، وأن نجاح التجربة التركية الصناعية ارتبط بدعم الكهرباء، خاصة للمشاريع التي تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة.
كما أكد الزيات على ضرورة تطوير شبكة النقل والتوزيع الكهربائية، والاستثمار في تقنيات التخزين الكهربائي، وتوطين جزء من الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة. وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن التوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة يحمل فوائد كبيرة، منها تخفيض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتقليص الضغط على القطع الأجنبي، وتحسين استقرار التغذية الكهربائية. وعلى المستوى البيئي، يسهم التحول نحو الطاقة المتجددة في تخفيض الانبعاثات الملوثة وتحسين نوعية الهواء. ويرى الزيات أن الاستثمار في الطاقة المتجددة هو خيار اقتصادي استراتيجي ينعكس مباشرة على النمو والاستقرار والأمن الوطني، وأن سوريا قادرة على بناء قطاع متطور للطاقة النظيفة إذا توفرت الرؤية الواضحة والإرادة الاستثمارية والتشريعات المناسبة.
سياسة
اقتصاد
علوم وتكنلوجيا
اقتصاد