الإعلام كسلاح استراتيجي: كيف تشكل الروايات موازين القوى الدولية؟


هذا الخبر بعنوان "الإعلام والتوازنات… حين تصبح الرواية جزءًا من ميزان القوى" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: المهندس محمود محمد صقر
بعد قراءة مقال الزميل المهندس حسان نديم حسن، المنشور في موقع “أخبار سوريا الوطن”، تحت عنوان: (الرئاسة الإمبراطورية: قراءة في كتاب “Regime Change” بمرآة الصحافة الأمريكية والعالمية)، تولدت لدي بعض الأفكار التي قد تثري هذا النقاش. وبإذن من السيد رئيس التحرير، أقدمها للقارئ، ليس كرد، بل كمساهمة في حوار أوسع، لأن الهدف من الحوار الصادق هو الاقتراب من الحقيقة لا الانتصار للرأي.
الخلاف، في تقديري، لا يدور حول وجود إعلام مهني أو تعددي، أو حول حق وسائل الإعلام في تبني رؤى مختلفة، بل حول سؤال أعمق: هل أصبحت وسائل الإعلام اليوم مجرد ناقل للأحداث، أم أنها تحولت إلى إحدى أدوات بناء التوازنات الدولية؟
الجيوبوليتيك لا يعتمد على محاكمة النوايا، بل على قراءة حركة المصالح وفهم كيفية تفاعل أدوات القوة المختلفة في بناء التوازنات أو إعادة تشكيلها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى وسائل الإعلام كمؤسسات معزولة عن البيئة السياسية والاقتصادية والثقافية التي تعمل فيها، ولا يمكن اختزالها في مجرد أداة دعائية. فالدول الكبرى لا تبني نفوذها على القوة العسكرية وحدها، أو الاقتصاد وحده، أو الدبلوماسية وحدها، بل على منظومة متكاملة تضم مؤسسات الدولة، والسلطات الدستورية، ومراكز الدراسات، والجامعات، والبحث العلمي، والدوائر الاقتصادية، والصناعة الثقافية، وشركات التكنولوجيا، ووسائل الإعلام؛ فجميع هذه العناصر تشارك، بدرجات متفاوتة، في تشكيل البيئة التي تُصنع فيها القرارات.
لذلك، فإن السؤال ليس: هل يوجد تأثير على وسائل الإعلام أم لا؟ فهذه صياغة مبسطة لواقع أكثر تعقيدًا. أما السؤال الأقرب إلى المنهج العلمي فهو: إلى أي مدى تتفاعل وسائل الإعلام مع المصالح الوطنية، والبيئة السياسية، ومصادر التمويل، والثقافة السائدة، ومراكز إنتاج المعرفة؟
في هذا السياق، قد يميل الخطاب الإعلامي أحيانًا إلى اختزال سياسات دولة كاملة في شخصية رئيسها، فيبدو وكأن جميع التحولات الكبرى تصدر عن إرادة فرد واحد. غير أن الدول ذات المؤسسات الراسخة تُدار عادةً عبر منظومات معقدة من المؤسسات والاختصاصات وآليات صنع القرار، حيث تتفاعل الرؤى السياسية مع الاعتبارات الاقتصادية والأمنية والقانونية، وتتقاطع فيها مصالح متعددة قبل أن تتبلور في صورة قرار أو سياسة عامة. ولا يعني ذلك التقليل من أثر القيادة السياسية؛ فالرئيس قد يترك بصمة واضحة في التوجهات الكبرى، لكنه يعمل داخل إطار مؤسسي أوسع يشارك في صياغة القرار وتنفيذه وتقويمه. ومن هنا، فإن اختزال المشهد في شخص واحد قد يحجب عن القارئ فهم البنية التي تتحرك من خلالها الدولة.
لذلك، فإن فهم السياسة الدولية لا يكتمل بمتابعة التصريحات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى قراءة المؤسسات، ومراكز التفكير، والبيئة الاقتصادية، والتحالفات، والرأي العام؛ لأنها جميعًا تشكل السياق الذي تُتخذ في إطاره القرارات.
في عالم اليوم، لم تعد المنافسة بين الدول تقتصر على الاقتصاد، أو التكنولوجيا، أو القوة العسكرية، بل امتدت إلى صناعة الرواية. فالرواية ليست مجرد تفسير للأحداث، بل قد تصبح جزءًا من الحدث نفسه. ولهذا، لا تتحرك الجيوش وحدها في لحظات التحول الكبرى، ولا تتحدث البيانات الرسمية وحدها، بل تتحرك معها الصور والخطابات والرموز والتغطيات الإعلامية والتحليلات وكل ما يسهم في تشكيل إدراك المجتمعات لما يجري. وقد تتحول صورة واحدة إلى رسالة سياسية، أو إلى رسالة تماسك داخلي، أو إلى وسيلة تؤثر في اتجاهات الرأي العام داخل الدولة وخارجها.
هنا يصبح الإعلام أكثر من ناقل للخبر؛ بل يصبح أحد عناصر البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها السياسة. ولذلك، فإن بناء التوازنات لا يعتمد على إدارة القوة العسكرية وحدها، بل يعتمد أيضًا على إدارة الإدراك العام. فكما أن الجندي يتحرك في الميدان، تتحرك الفكرة في العقول. وكما أن الجيوش ترسم حدود السيطرة، فإن السرديات ترسم حدود الإدراك. ولذلك، فإن الدول التي تنجح في تقديم روايتها لا تكسب بالضرورة كل المعارك، لكنها تزيد من قدرتها على حماية مصالحها وتعزيز حضورها والتأثير في بيئتها الداخلية والخارجية.
لا يعني ذلك أن وسائل الإعلام كلها تتحدث بصوت واحد، أو أنها تفقد استقلالها بالكامل؛ فالمشهد الإعلامي أكثر تنوعًا وتعقيدًا من هذه الصورة المبسطة. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن الإعلام أصبح جزءًا من البيئة التي تتفاعل فيها المصالح الوطنية، وأنه، بدرجات وأساليب مختلفة، يتأثر كما يؤثر. ولذلك، فإن قراءة أي مادة إعلامية، أيًا كان مصدرها، تصبح أكثر عمقًا عندما تُقرأ في سياق المصالح، لا في إطار حسن النيات أو سوء النيات. فالمصالح ليست تهمة، بل هي أحد القوانين الثابتة في العلاقات الدولية.
ولعل هذا هو الدرس الذي يستحق التأمل: فالدول لا تبني توازناتها بالسلاح وحده… بل تبنيها أيضًا بالمؤسسات، والاقتصاد، والمعرفة، والبحث العلمي، والثقافة، والإعلام، والقدرة على صياغة الرواية التي يفهم العالم من خلالها الحدث. فمعركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان؛ لأن من ينجح في التأثير في إدراك المجتمعات يضيف إلى قوته بُعدًا آخر، قد يكون، في كثير من الأحيان، أكثر دوامًا من أثر السلاح نفسه. (موقع أخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة