توازنات ما قبل الاقتراع: متى يعقد مجلس الشعب جلسته الأولى؟


هذا الخبر بعنوان "توافقات ماقبل الاقتراع.. متى تعقد جلسة مجلس الشعب الأولى؟" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد تأجيل الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري مجرد إجراء تنظيمي يتعلق باستكمال الترتيبات الإدارية، بل أصبح مؤشراً أولياً على طبيعة التوازنات التي تحكم المرحلة السياسية الجديدة في البلاد. فبعد أشهر من تشكيل المجلس، لا تزال القوى الفاعلة تعمل خلف الكواليس للتوصل إلى تفاهمات تضمن انتخاب هيئة مكتب تحظى بأوسع قبول ممكن، وتمنع انطلاق المؤسسة التشريعية الجديدة وسط انقسام مبكر قد يؤثر سلباً على مجمل المرحلة الانتقالية.
وكانت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب قد أعلنت تأجيل الجلسة الافتتاحية، التي كانت مقررة مطلع الأسبوع الجاري، إلى موعد يحدد لاحقاً، دون توضيح أسباب القرار. إلا أن مصادر مطلعة على المشاورات الجارية أكدت لـ” سوريا 24 ” أن التأجيل يرتبط باستكمال التوافقات الخاصة بانتخاب رئيس المجلس ونائبيه وأمين السر، في ظل مشاورات متواصلة بين الكتل البرلمانية ومراكز القرار.
وتشير المصادر إلى أن الهدف لم يعد يقتصر على انتخاب رئيس للمجلس، بل يمتد إلى تشكيل هيئة مكتب تعكس التوازنات السياسية والقومية والدينية التي أفرزتها تركيبة المجلس الجديد، بما يمنح المؤسسة التشريعية قدرًا أكبر من الشرعية والتوافق في أول اختبار سياسي لها منذ سقوط النظام السابق.
ويخوض سبعة أعضاء حتى الآن سباق الترشح لرئاسة المجلس، وهم: جعفر الصادق عبد اللطيف طحان، المنتخب عن دائرة إعزاز في محافظة حلب، وجمال محمد النميري، المنتخب عن دائرة القنيطرة، وعبد الحميد العواك، المعيّن ضمن قائمة رئيس الجمهورية عن محافظة الحسكة، وعزام خانجي، المنتخب عن دائرة جبل سمعان، ومؤيد قبطور، المنتخب عن دائرة إعزاز، ومحمد علي ياسين، المعيّن ضمن القائمة الرئاسية عن محافظة حلب، إضافة إلى محمود محمد أسعد، المنتخب عن دائرة تدمر في محافظة حمص.
ورغم تعدد المرشحين، فإن مصادر سياسية وبرلمانية متقاطعة تؤكد أن المنافسة الفعلية باتت محصورة بين عدد محدود من الأسماء، مع استمرار الاتصالات لإقناع بعض المرشحين بالانسحاب، وصولاً إلى مرشح يحظى بتوافق واسع يجنب المجلس معركة انتخابية حادة في جلسته الأولى.
ومن بين أكثر الملفات حضوراً في المشاورات الجارية، يبرز موقف كتلة حلب، التي تعد من أكبر الكتل داخل المجلس، إذ ترى شخصيات فيها أن المحافظة، التي تمثل الثقل السكاني والاقتصادي الأكبر في البلاد، لا تزال تفتقر إلى تمثيل سياسي يوازي مكانتها داخل دوائر صنع القرار. وبحسب مصادر في حلب، فإن رغبة أكثر من عضو في الترشح لرئاسة المجلس دفعت الكتلة إلى إجراء اقتراع داخلي ملزم لحسم مرشحها الرسمي، وأسفر التصويت عن حصول محمد علي ياسين على 32 صوتًا، ليصبح المرشح الذي تمثله الكتلة في المشاورات الجارية.
وتؤكد المصادر أن هذا التصويت لم يكن تعبيراً عن انقسام، بقدر ما كان محاولة لمنع تشتت أصوات المحافظة، وإظهار موقف موحد خلال المفاوضات مع بقية الكتل. وتضيف أن سعي كتلة حلب إلى رئاسة المجلس لا يرتبط بالأشخاص وحدهم، بل يعكس رغبة في استعادة دور سياسي ترى أنه تراجع خلال المرحلة الماضية، مشيرة إلى أن المحافظة لم تحظ، حتى الآن، بتمثيل مؤثر داخل دوائر صنع القرار، رغم ثقلها السياسي والاقتصادي.
ومع ذلك، يشدد عدد من أعضاء الكتلة، بحسب المصادر، على أن هذا الموقف لا يعني الدخول في مواجهة مع رئاسة الجمهورية أو مع الكتل الأخرى، مؤكدين استعدادهم للتخلي عن مرشحهم إذا أفضت المشاورات إلى توافق وطني واسع حول شخصية تحظى بقبول غالبية أعضاء المجلس، باعتبار أن نجاح الجلسة الأولى يمثل أولوية تتقدم على المنافسة على المناصب.
وفي مقابل الحراك الذي تقوده كتلة حلب، برز خلال الأيام الماضية اسم المستشار القانوني وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري عبد الحميد العواك بوصفه المرشح الأكثر قدرة على جمع التأييد داخل المجلس، وهو ما جعل المشاورات تنتقل تدريجيًا من البحث عن تعدد المرشحين إلى البحث عن حجم الإجماع الذي يمكن أن يحظى به كل منهم. وتقول مصادر مطلعة لـ” سوريا 24 ” إن العواك بات يتصدر المشهد خلال الأيام الأخيرة، مستندًا إلى خلفيته القانونية ودوره في لجنة صياغة الإعلان الدستوري، فضلًا عن مشاركته في لجنة الحوار الوطني، وهي عوامل جعلت اسمه يحظى بقبول لدى عدد من الكتل التي تبحث عن رئيس قادر على إدارة مؤسسة تشريعية تضم أطيافًا سياسية واجتماعية متباينة.
وبحسب المصادر، فإن العواك يقدم نفسه في لقاءاته مع عدد من أعضاء المجلس على أنه يحظى بدعم الرئيس أحمد الشرع، غير أن المصادر ذاتها تؤكد أن رئاسة الجمهورية لم تحسم، حتى الآن، تبني مرشح واحد لرئاسة مجلس الشعب، ولم يصدر عنها أي موقف رسمي يشير إلى رغبتها في حسم الاستحقاق أو توجيه أصوات الأعضاء نحو اسم بعينه. وفي المقابل، تشير المصادر إلى وجود تحركات يقودها عدد من المسؤولين في الحكومة لحشد التأييد للعواك، انطلاقًا من قناعة بأن خبرته القانونية وشخصيته التوافقية تؤهلانه لقيادة المجلس في مرحلته الأولى. إلا أن تلك الاتصالات، بحسب المصادر، تعكس مواقف أصحابها، ولا ترقى إلى مستوى قرار سياسي صادر عن رئاسة الجمهورية، التي لا تزال تترك باب المنافسة مفتوحًا بانتظار ما ستفضي إليه المشاورات بين الكتل.
وترى مصادر وازنة في المكون المسيحي أن اسم العواك يحظى بارتياح داخل الأوساط الكنسية والمدنية، باعتباره شخصية قانونية ذات طابع مهني وتقني، ولم يرتبط اسمه بخلافات سياسية أو بمواقف أثارت حساسية لدى المكونات المختلفة، وهو ما يجعله، من وجهة نظرها، من أكثر المرشحين قدرة على إدارة المجلس خلال المرحلة الانتقالية.
وتضيف المصادر أن النقاش لم يعد يقتصر على هوية رئيس المجلس، بل امتد إلى شكل هيئة المكتب بأكملها، في ظل توجه متزايد نحو توزيع المناصب بما يراعي التنوع القومي والديني في البلاد، ويمنح المؤسسة التشريعية صورة مختلفة عن المجالس السابقة. وفي هذا السياق، تتحدث مصادر مطلعة عن اتجاه لأن يتولى رئاسة المجلس شخصية تحظى بتوافق واسع، على أن يشغل منصبي نائبي الرئيس ممثلون عن مكونات مختلفة، وسط تداول مقترحات بأن تكون إحدى نائبتي الرئيس امرأة، مع ترجيحات بأن تكون من المكون الكردي، فيما يذهب المنصب الآخر إلى شخصية مسيحية، حفاظًا على تقليد سياسي استمر لعقود، كان يقضي بوجود ممثل للمسيحيين في هيئة رئاسة المجلس.
ويبرز في هذا الإطار اسم نوار نجمة، المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، باعتباره أحد الأسماء المطروحة لشغل منصب نائب الرئيس، في ظل ما يحظى به من قبول لدى عدد من الأعضاء، وإن كانت المشاورات لا تزال مفتوحة ولم تُحسم بصورة نهائية. وتقول مصادر مسيحية إن الحفاظ على تمثيل المكون المسيحي داخل هيئة مكتب المجلس يحمل بعدًا سياسيًا ورمزيًا يتجاوز توزيع المناصب، خاصة في ظل تراجع عدد النواب المسيحيين في المجلس الجديد مقارنة بالمجالس السابقة، الأمر الذي يجعل الاحتفاظ بأحد المواقع القيادية رسالة طمأنة بشأن الشراكة في مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
وبالتوازي مع معركة رئاسة المجلس، بدأت ملامح كتل سياسية تتشكل داخل المؤسسة التشريعية، رغم أنها لم تباشر أعمالها بعد. فإلى جانب الكتلة الأقرب إلى الحكومة، برزت كتل أخرى تضم أعضاء ذوي توجهات إسلامية، وأخرى تضم شخصيات ليبرالية وقومية ومستقلين، إضافة إلى محاولات لتنسيق المواقف بين عدد من ممثلي المكونات القومية والدينية. وترى مصادر برلمانية أن هذه الاصطفافات لا تزال في طور التشكل، وقد تتغير بعد انتخاب هيئة مكتب المجلس، إلا أنها تعكس، للمرة الأولى، وجود توازنات سياسية حقيقية داخل مؤسسة تشريعية سورية، بعد عقود كان فيها مجلس الشعب أقرب إلى مؤسسة تصادق على قرارات السلطة التنفيذية من كونه ساحة للنقاش والتنافس السياسي.
وبينما لم يُحدد بعد موعد انعقاد الجلسة الأولى، تبدو المشاورات الجارية محاولة لتأسيس توافق يسبق الاقتراع، انطلاقًا من قناعة لدى غالبية الأطراف بأن نجاح المجلس في أول اختبار له سيكون جزءًا من صورة المرحلة السياسية الجديدة، وأن شكل هيئة مكتبه سيحمل دلالات تتجاوز توزيع المناصب، ليعكس طبيعة التوازنات التي ستدير الحياة السياسية في سوريا خلال السنوات المقبلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة