من "ذهب الحمقى" إلى مادة ثمينة: العلماء يحولون البيريت إلى مغناطيس بالكهرباء


هذا الخبر بعنوان "“ذهب الحمقى” يصبح ذا قيمة.. العلماء يحولون المعدن الرخيص إلى مادة ثمينة" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما عُرف معدن البيريت، عبر قرون، بلقب ساخر هو “ذهب الحمقى” نظرًا لبريقه الأصفر المعدني الذي يخدع المنقبين، فيظنون أنه الذهب الثمين، ليكتشفوا لاحقًا أنه مجرد كبريتيد الحديد، وهو معدن وفير ورخيص لا يمتلك القيمة الاقتصادية للذهب. لكن العلم، بقدرته المعهودة على إعادة تعريف القيمة، قد يحوّل ما كان رمزًا للخداع المعدني إلى مادة ذات دور محتمل في ذاكرات الحاسوب المستقبلية والأجهزة الإلكترونية الموفرة للطاقة. فقد نجح فريق بحثي من جامعة مينيسوتا، في دراسة نُشرت مؤخرًا في دورية “ساينس أدفانسز” (Science Advances)، في تحويل البيريت (كبريتيد الحديد) من مادة غير مغناطيسية إلى مادة مغناطيسية باستخدام الكهرباء فقط. والأكثر إثارة هو أن هذا التحول قابل للعكس، حيث تصبح المادة مغناطيسية عند تطبيق جهد كهربائي، وتعود لحالتها الأصلية عند إزالته.
تكمن أهمية هذه الخاصية في أن المغناطيسية ليست مجرد سمة جمالية، بل هي أساس حيوي لتخزين البيانات في عالم التكنولوجيا. فالأقراص الصلبة القديمة وبعض تقنيات الذاكرة الحديثة تعتمد على التحكم في الحالات المغناطيسية لتمثيل المعلومات. ورغم أن التحكم بالمغناطيسية يتطلب عادةً طاقة، فإن إمكانية القيام بذلك بجهد كهربائي صغير وتيار ضعيف تقربنا من تطوير أجهزة ذاكرة أسرع وأكثر برودة وكفاءة.
كان الفريق البحثي يدرس البيريت لسنوات، ليس كمادة مغناطيسية، بل كمرشح محتمل لصناعة خلايا شمسية رخيصة وغير سامة، نظرًا لكون الحديد والكبريت عنصرين متوفرين بكثرة، خاصة الكبريت الذي يُنتج بكميات كبيرة كناتج ثانوي في صناعة البترول. ومع ذلك، لم يحقق البيريت الكفاءة المطلوبة في الخلايا الشمسية بعد.
في غضون ذلك، كان فريق آخر من الباحثين يعمل في مجال “المغناطيسية الأيونية”، الذي يسعى لاستخدام الجهد الكهربائي للتحكم في الخصائص المغناطيسية للمواد. ومن هذا التقاطع بين المسارين، انبثقت فكرة تحويل البيريت نفسه إلى حالة مغناطيسية. ووفقًا للدراسة، قام الباحثون بوضع عينة من كبريتيد الحديد غير المغناطيسي داخل جهاز يتلامس مع محلول أيوني (سائل يحتوي على جسيمات مشحونة)، أشبه بمشروب رياضي غني بالأيونات. ثم طُبق جهد كهربائي صغير جدًا، حوالي 1 فولت (أقل من بطارية منزلية)، مما دفع جزيئات موجبة الشحنة نحو السطح الفاصل بين المحلول والبيريت، مؤديًا إلى تراكم الإلكترونات داخل المادة. وعندما بلغت كثافة الإلكترونات حدًا معينًا، ظهرت خاصية المغناطيسية الحديدية، وهي أهم صور المغناطيسية تقنيًا.
يشبه ما حدث، بشكل مبسط، حقن المادة الساكنة مغناطيسيًا بشحنة كافية لتغيير طبيعتها الداخلية. والأجمل في التجربة هو أن التغيير ليس دائمًا؛ فعند إيقاف الجهد الكهربائي، اختفت المغناطيسية وعاد البيريت إلى حالته الأصلية غير المغناطيسية. هذا التفصيل بالغ الأهمية للتطبيقات الإلكترونية التي تتطلب مواد يمكن تشغيلها وإيقافها والتحكم فيها بشكل متكرر.
تفتح هذه النقطة آفاقًا واسعة لصناعة ذاكرة الحاسوب. ففي الأجهزة الحالية، يمثل استهلاك الطاقة مشكلة كبيرة، خاصة في مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والهواتف، والأجهزة القابلة للارتداء. كل عملية تخزين، قراءة، أو نقل للبيانات تستهلك طاقة وتولد حرارة. وإذا تمكن المهندسون من تصميم مواد مغناطيسية يمكن التحكم فيها بجهد كهربائي صغير ودون تيارات كبيرة، فقد نشهد مستقبلًا ذاكرات أكثر كفاءة، وأقل سخونة، وأكثر ملاءمة للحوسبة منخفضة الطاقة.
مع ذلك، لا يعني هذا الاكتشاف أن أجهزة الحاسوب ستُصنع قريبًا من “ذهب الحمقى”. لا يزال الباحثون بحاجة إلى اختبار العملية عند درجات حرارة أعلى، وتكرارها في مواد أخرى، ثم الانتقال من إثبات الفكرة في المختبر إلى جهاز عملي قابل للتصنيع.
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا