الرياضة والسياسة: علاقة متشابكة بين التأثير والتأثر عبر التاريخ


هذا الخبر بعنوان "هل باتت الرياضة حبيسة السياسة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تنشر هذه المادة في إطار شراكة إعلامية بين عنب بلدي وDW.
لطالما كانت الفعاليات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم والألعاب الأولمبية، مسرحاً تتجلى فيه التأثيرات السياسية. هذه العلاقة ليست وليدة العصر الحديث، بل لها جذور تاريخية عميقة، مما يجعل الكثيرين اليوم يؤمنون بأن الرياضة باتت حبيسة للسياسة وأن حجم التداخل بينهما “هائل ومتعدد الأوجه”. قد تلعب الرياضة دوراً مزدوجاً بدءاً من تأجيج الصراعات وصولاً إلى القدرة على التخفيف من حدتها، بل وحتى بناء جسور التواصل.
تاريخياً، شهدت الرياضة لحظات تحولت فيها إلى شرارة للصراعات أو انعكاس للتوترات القائمة. أحد أبرز الأمثلة على ذلك هي حرب كرة القدم بين السلفادور وهندوراس عام 1969. وعلى الرغم من أن الأسباب الجذرية للحرب كانت اقتصادية واجتماعية، إلا أن التوتر تصاعد بشكل كبير خلال تصفيات كأس العالم 1970، حيث تحولت المباريات إلى مسرح للعنف والعداء، مما ساهم في إشعال فتيل الصراع المسلح.
غير أن الكاتب الصحفي والخبير الرياضي محمد حافظ ينفي أن تكون الرياضة “المسبب الرئيسي للصراعات” وإنما يعتبرها “مرآة للواقع السياسي القائم”. ويضيف مثالاً آخر متعلقاً بالمباراة التي جمعت بين الولايات المتحدة وإيران في دور المجموعات لنهائيات كأس العالم 1998، والتي تزامنت مع حزمة العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران، ما حوّل المباراة إلى “حدث سياسي” بامتياز.
وتابع الخبير الرياضي أن “من الأمثلة أيضاً في هذا السياق، انسحاب الاتحاد السوفيتي من المباراة الشهيرة أمام تشيلي في تصفيات كأس العالم. وهي مباراة اشتهرت باسم “مباراة الأشباح” بسبب اعتراض النظام السوفيتي آنذاك على إسقاط النظام الاشتراكي في تشيلي”.
على النقيض، يمكن للرياضة أن تكون أداة قوية للدبلوماسية وتخفيف التوترات، في ظاهرة يعرفها المختصون بما يسمى “الدبلوماسية الرياضية”، حيث تُستخدم الرياضة لتعزيز العلاقات الدولية وتجاوز الخلافات الثقافية والسياسية.
ويؤكد الخبير الرياضي والإعلامي اللبناني، إيلي نصار، على الدور التاريخي للبطولات الكبرى في تقريب الشعوب، ويقول: “تاريخياً كانت البطولات الكبرى وتحديداً كأس العالم لكرة القدم تجمع الأضداد، فقد شاهدنا مباريات كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية، ومباراة ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية قبل سقوط جدار برلين”.
وليس هذا فحسب، وإنما مباراة تنس الطاولة بين الولايات المتحدة والصين في أوائل السبعينيات، وهي المباراة التي مهدت الطريق لزيارة الرئيس نيكسون التاريخية إلى بكين عام 1972، وفتحت قنوات التواصل بين البلدين بعد عقود من العزلة.
هناك إجماع من قبل الخبراء بأن الأنظمة السياسية، سواء كانت ديكتاتورية أو ديمقراطية، كثيراً ما حاولت استغلال الفعاليات الرياضية لأهداف سياسية. والأمثلة في ذلك مختلفة، سواء لتعزيز الشرعية الداخلية والخارجية، أو لتحقيق مكاسب اقتصادية ودبلوماسية، إلى غير ذلك.
تاريخياً، كانت الأنظمة الديكتاتورية الأكثر ميلاً في استغلال الأحداث الرياضية بهدف تحويل الأنظار عن قضايا داخلية أو بهدف تلميع صورتها دولياً. وتأكيداً على أن التوظيف السياسي للرياضة “مؤكد ومنذ زمن بعيد”، يُدرج محمد حافظ كأس العالم لسنة 1934 كمثال، وذلك حين استخدم النظام الإيطالي الفاشي البطولة للترويج لنفسه. وتقول كتب ومقالات إن موسوليني كان يهدد اللاعبين بالإيذاء في حال فشلهم في نيل لقب بطولة العالم.
السيناريو تكرر أيضاً في مونديال عام 1938، حين كانت أوروبا تعيش على شفا الحرب العالمية الثانية والتي اندلعت مباشرة بعد نهاية مونديال فرنسا. وقبلها كان الجيش النازي قد غزا النمسا ومنع منتخبها من المشاركة في كأس العالم.
بالنسبة للخبير الرياضي إيلي نصار، فإننا نشهد اليوم تداخلاً أكبر في عملية اختيار الدول المستضيفة للبطولات. وما يبدو أكثر وضوحاً للبعض في مونديال 2026، هي الحسابات السياسية، والمضايقات التي تعرض لها لاعبون وحكام ومشجعون عند محاولاتهم دخول الولايات المتحدة أو كندا، ويضيف نصار: “بينما تغض فيفا البصر عن كل هذه الوقائع، فيما كان من الأولى فرض عقوبات على الدول التي لا تمنح تأشيرات دخول للاعبين للمشاركة في مسابقات دولية”.
حادثة البطاقة الحمراء لا شك أن قيام الاتحاد الدولي لكرة القدم بإلغاء البطاقة الحمراء التي حصل عليها المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون عقب مكالمة هاتفية شخصية أجراها دونالد ترامب مع رئيس فيفا جياني إنفانتينو، أقحم هذا التداخل في مستوى غير مسبوق، واشتدت خشية أقوى المتشائمين من أن تفقد الرياضة حتى قواعدها الأساسية المتمثلة في المساواة وفقاً للوائح معمول بها، وإن فقدتها فسوف تفقد الرياضة حتماً روحها.
سياسة
سياسة
سياسة
رياضة