الهوية بين التنوع والصراع: دروس التاريخ ومستقبل المنطقة العربية


هذا الخبر بعنوان "الهويّة بين التنوع والصراع: دروسٌ من التاريخ وتأويلات المستقبل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الدكتور محمد الحوراني إلى أنه على الرغم من وجود اختلافات بين مكونات الشعوب في المنطقة العربية، إلا أن هذه الاختلافات كانت قادرة على خلق المزيد من التنوع والإبداع والابتكار في بعض البلدان العربية، وذلك بفضل بيئة قادرة على إدارة الاختلاف عبر أنظمة وقوانين عادلة وصارمة. وفي غياب هذه القوانين في بلدان أخرى، تحول الاختلاف إلى صراع ودمار، بسبب لجوء البعض إلى الخطاب الطائفي المرتكز على انغلاق فكري وتأجيج طائفي وتجييش فتنوي، مما قد يؤدي لاحقًا إلى مستنقع دموي يصعب الخلاص منه قبل سنوات من المعاناة والألم والتمزق المجتمعي. وعندها، تكون "المكارثية الدينية"، وفق تعبير المفكر ياسين الحافظ، قد خنقت المجتمع وأصابته بمقتل كبير في بناه وأسسه العميقة، بعد الهزات العنيفة والمتكررة. الأمر الذي سيؤدي إلى تفكيك المجتمعات المعنية وتهشيمها، بعد إفقادها المرجعيات العقلانية والتوافقية، وتسيّد وطغيان الخطاب الطائفي التحريضي، وهو الخطاب القادر على تفكيك المجتمعات وتدميرها، وطغيان النزعات العدوانية، كما حدث في الحرب الأهلية في لبنان، والعراق بعد عام 2003، والعشرية السوداء في الجزائر، فضلاً عما يقوم به المحتل الصهيوني في فلسطين عامة، وغزة على وجه الخصوص.
إن مثل هذه الهزات العنيفة في المجتمع تبيد جذوات الأمل والمحبة، وتدمر العلاقات الإنسانية النبيلة في أشكال التعبير والتفكير كلها، و"تضرب التكوين الهوياتي المعني بالتساؤل حول التخلف التاريخي"، وفق رؤية المفكر اللبناني جورج قرم. وهو التخلف الذي ارتبط طويلاً ووثيقاً بمسألة الهوية والشعور بالانتماء الجماعي. وقد أسهمت الممارسات الدينية الخاطئة والخطابات العرقية والطائفية الموتورة في تسعير ناره، لضرب أسسه وأركانه، من خلال معارك وحروب وجدال ديني ودوني عقيم، سيقود لاحقًا إلى تخندق واحتراب واقتتال مدمر لجميع المكونات، بعد لعن التجانس الثقافي والاجتماعي والإنساني بين هذه المكونات المجتمعية، والاستهزاء بالتاريخ المشترك في الدفاع عن البلاد ضد الغزوات والحروب عبر التاريخ، والنيل من الثقل الحضاري والتاريخي المديني، الذي كان مضرب المثل في يوم من الأيام.
إن محاولات البعض تسييس الهوية الدينية أو العرقية، وتجريم كافة أفرادها، وحرمانهم من حقوقهم، وإلصاق تهمة الخيانة بهم، تقود إلى تعزيز عصبية طائفية وعرقية ومناطقية. وما يزيد الأمر سوءاً أننا فشلنا حتى الآن في تحقيق تنمية اجتماعية شاملة تعزز بناء المواطنة، بحيث تذوب فيها جميع الهويات الإقليمية والدينية والإثنية والعشائرية في هوية وطنية جامعة.
إن ما يعانيه بلدنا اليوم يفرض علينا جميعاً أن نتبنى النمط الأهم من أنماط الوعي التاريخي، وهو التاريخ المتبصر، لأنه الأقدر على منعنا من الانزلاق إلى المنعطفات المدمرة. وهذا لا يتحقق إلا بتعزيز الثقة بين المكونات المجتمعية، وحضورها في مفاصل الدولة كافة، من خلال مشروع سياسي حقيقي قائم على إشراك الجميع في تأسيس دولتهم الوطنية الجديدة، ووضع حد للتجاوزات التي تستهدف أي مكون مجتمعي.
وبلدنا اليوم بأمس الحاجة إلى خطاب يحمي تعدديته وتنوعه الثقافي، لإعادة بناء الثقة بين المكونات المجتمعية، ومنع البلاد من الدخول في دوامة انتقامية. نحتاج خطاباً قائماً على المساواة في الحقوق والواجبات، بما يضمن عدم شعور أي فريق أو مجموعة أو طائفة أو عرق بالتهميش أو الإقصاء. وهذا لا يتم إلا بغرس ثقافة الوحدة والاحترام المتبادل، وإرساء الأسس لمستقبل مستقر، يقوم على جهود الجميع، وحضورهم الفاعل والبناء في المجتمع، دون تمييز بين مكون وآخر، وتعزيز خطاب وطني يركز على التاريخ المشترك والإنجازات الجماعية، بدلاً من تعميق الهويات الفرعية.
لقد أثبت التاريخ أن الفكر والممارسات الإلغائية الاستئصالية لا تنتج سوى مزيد من القتل والدمار، ولم تنجح فئة عبر التاريخ في إبادة أخرى، سواء قل عدد أفرادها أو كثر. بل إن هذه المكونات استطاعت بناء وطن حقيقي انطلاقاً من ثقافة المحبة والتسامح والإنسانية، وهذا ما تؤكده تجارب الشعوب والمجتمعات في منطقتنا والعالم. ما أحوجنا اليوم إلى التعلم من دروس التاريخ والاستفادة منها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة