الحب الصامت: كيف كانت الأفعال تتحدث عن المشاعر في زمنٍ مضى؟


هذا الخبر بعنوان "عندما يتحدث الصمت" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في زمنٍ ولى، لم تكن العلاقات أسهل بالضرورة، ولا كانت الماديات أكثر وفرة، لكن القلوب كانت تجد طريقها لبعضها البعض دون صخب. لم يكن الحب يقتحم الأبواب بالكلمات، بل كان يتسلل عبر نوافذ الحياة الصغيرة، من خلال تفاصيل قد لا يلتفت إليها أحد إلا بعد أن تتحول إلى ذكرياتٍ لا تُنسى. لم نكن نسمع كلمة "أحبك" كثيرًا، لكننا كنا نراها تتجسد في أفعال بسيطة: في يد أمٍ تُعيد الغطاء لطفلها، وفي أبٍ يخفي تعبه كي لا يثقل على أبنائه، وفي جدةٍ تحتفظ بأسماء أحفادها في دعائها. كان الحب يُخبز مع رغيف الخبز الساخن، ويُسكب في كوب الشاي، ويُطوى مع الثياب النظيفة، يجلس صامتًا على طرف المائدة يراقب الجميع حتى يشبعوا. لم يكن هناك حديثٌ كثيرٌ عن الحب، لأن الجميع كان يعيشه. كانت البيوت، رغم بساطتها، عامرةً بشيء لا تشتريه الأموال: السكينة.
أما اليوم، فقد كثرت الكلمات وقلّت معانيها. أصبحنا نتقن التعبير عن المشاعر أكثر من ممارستها، ونجيد نشر الحب أكثر من صناعته. تتوالى الكلمات الجميلة والصور الأنيقة والرسائل التي لا تنتهي، لكن كم من قلبٍ يشعر بالوحدة وسط هذا الضجيج؟ كم من أمٍ تنتظر زيارةً أطول من رسالة؟ وكم من أبٍ يتمنى جلسةً صادقة أكثر من منشورٍ يُكتب في يوم تكريمه؟ كم من روحٍ لا تحتاج إلى قصيدة حب بقدر حاجتها إلى كتفٍ يطمئنها، أو يدٍ تمتد إليها في عناء الطريق؟
لسنا بحاجة للتوقف عن قول "أحبك"، فنحن أحوج ما نكون إلى الكلمة الطيبة. لكننا بحاجةٍ أكبر إلى أن نمنحها معناها الحقيقي: أن تصبح "أحبك" وعدًا لا يُخلف، واحترامًا لا يتغير، وصبرًا عند الغضب، وحضورًا عند الغياب، ودعاءً في الخفاء، وتضحيةً لا يعلم بها إلا الله. فالقلوب لا تتغذى على الحروف وحدها، بل على الأفعال التي تمنح الكلمات روحها.
يبقى السؤال معلقًا: أين نحن اليوم من ذلك الحب الذي كان يُقاس بصدق المواقف، لا بجمال العبارات؟ أين نحن من زمنٍ كانت فيه الأم تقول لابنها: "انتبه لنفسك"، وهي تعني: أنت قلبي، وكان الأب يضع آخر ما في جيبه في يد أبنائه وهو يقول: "دبّروا أموركم"، بينما كان يقصد: لو استطعتُ لأعطيتكم عمري كله؟
لقد رحل كثيرٌ ممن كانوا يتحدثون بلغة الأفعال، لكن أصداءهم ما زالت تسكن الأشياء. كلما شممنا رائحة الخبز الساخن، تذكرنا أمًا. وكلما رأينا بابًا يُفتح قبل أن نطرقه، تذكرنا أبًا. وكلما اجتمعنا حول مائدةٍ قديمة، أدركنا أن أجمل ما فيها لم يكن الطعام، بل الذين كانوا يجلسون حولها. رحم الله الوجوه التي علمتنا أن الحب ليس قصيدةً تُقال، بل عمرٌ يُعاش، وحفظ الله من بقي منهم، وأدام على بيوتنا دفء المحبة التي لا تصرخ، لكنها تبقى… حتى بعد أن يغيب أصحابها. فبعض أنواع الحب لا تقول: "أحبك"، بل تقولها ألف مرة، وهي ترتب فوضاك، وتنتظرك، وتدعو لك، وتسامحك، وتختارك… كل يوم، بصمت. فالحب الحقيقي لا يعلو صوته، لكنه يترك أثرًا لا يمحوه الزمن (موقع:أخبار سوريا الوطن).
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات