زيارة ماكرون إلى دمشق: فرنسا تستعيد دورها وتتطلع لشراكة استراتيجية مع سوريا


هذا الخبر بعنوان "هل يدرك ماكرون تأخر فرنسا خطوة في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تثير زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في 6 و7 من تموز الحالي تساؤلات حول أبعادها وأهداف فرنسا من تعزيز علاقاتها مع سوريا. في المقابل، تبرز استفسارات حول المصلحة السورية في الانفتاح على باريس في ظل المرحلة الجديدة التي تمر بها البلاد، خاصة وأن الزيارة تعد الأولى لرئيس دولة غربية إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، والأولى لرئيس فرنسي منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي في عام 2009.
الأهداف الفرنسية من الزيارة:
وصفت الصحافة الفرنسية الزيارة بأنها تحمل طابعًا دبلوماسيًا واقتصاديًا، واعتبرتها “تاريخية”. فيما أبدى جزء منها مخاوف حيال العلاقة الجديدة مع دمشق، وتأثيرها على التحالف مع الكرد، مذكّرًا بتاريخ من يحكم سوريا اليوم. الرئيس ماكرون أكد جاهزية بلاده لبناء الثقة مع سوريا في مجالات عدة بينها الطاقة والقطاع المصرفي، منوهًا إلى أن التحديات الكبيرة أمام الجانب السوري لا تلغي الفرص للشراكة بين الطرفين. وأوضح أن زيارته إلى دمشق “تؤكد التزام فرنسا بالوقوف إلى جانب الشعب السوري من أجل سوريا ذات سيادة موحدة بتعدديتها وتنعم بالسلام مع جيرانها”.
تحول سوري يدفع باريس للانفتاح:
قال الصحفي والباحث السوري صبحي فرنجية، إن فرنسا ترى التحول السوري خطوة بالغة الأهمية على مستوى السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، بعد انتقال دمشق إلى المظلة العربية البعيدة عن المحور الإيراني، وما رافقه من انفتاح سوري على الغرب. وأضاف فرنجية أن الانتقال الكبير في توجه السياسة السورية دفع باريس لتتويج الانفتاح على دمشق بزيارة الرئيس الفرنسي، مشيرًا إلى أن فرنسا تريد بناء علاقات متينة مع سوريا الجديدة، خاصة أنها لطالما كانت أحد أهم بلاد الاستثمار الفرنسي على مستوى مشاريع الطاقة والبنية التحتية. وأوضح أن الوفود التي رافقت ماكرون تُظهر بوضوح توجهات فرنسا نحو سوريا، من خلال بناء علاقات جيوسياسية جديدة وعلاقات اقتصادية واستثمارية.
استعادة الدور الفرنسي في الشرق الأوسط:
من جانبه، قال الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، إن باريس تسعى إلى استعادة دورها التقليدي في الشرق الأوسط، خاصة بعد تراجع حضورها خلال السنوات الأخيرة لمصلحة قوى إقليمية ودولية أخرى. وبيّن أن فرنسا تدرك أن أي ترتيبات مستقبلية تخص سوريا لن تكون مكتملة دون مشاركة أوروبية فاعلة، ولذلك تحاول العودة إلى المشهد السوري عبر بوابة الحوار السياسي والتعاون الأمني. ونوه اليمني إلى أن فرنسا تنظر إلى سوريا باعتبارها إحدى الساحات الرئيسة المرتبطة بملف الإرهاب الدولي الذي كان له تأثير مباشر على الأمن الأوروبي، سواء من خلال المقاتلين الأجانب أو الشبكات العابرة للحدود، ومن ثم فإن تعزيز التعاون مع دمشق في هذا الملف يخدم المصالح الأمنية الفرنسية بشكل مباشر. كما أن فرنسا تدرك، وفق اليمني، أن مرحلة إعادة الإعمار في سوريا ستفتح فرصًا كبيرة أمام الشركات الأوروبية، ولذلك فإن الحضور السياسي المبكر يمنح باريس موقعًا أفضل للمشاركة في أي مشاريع مستقبلية، إضافة إلى الهدف الفرنسي المتمثل في تعزيز حضورها الدبلوماسي داخل الاتحاد الأوروبي من خلال قيادة مقاربة جديدة تجاه سوريا، في ظل تزايد الأصوات الأوروبية التي ترى أن سياسة العزلة الكاملة لم تحقق النتائج المرجوة، وأن الانخراط المشروط قد يكون أكثر فاعلية.
الاستفادة السورية من زيارة ماكرون:
قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال مؤتمر صحفي عقده مع نظيره الفرنسي، إن لقاء الجانبين يمثل علامة تاريخية فارقة، وتتوّج الزيارة مسارًا من العمل المشترك الهادئ والعميق. وأضاف الشرع أن سوريا تفتح أبوابها اليوم بشراكة متكافئة وجسر تواصل حيوي لا غنى عنه بين الشرق والغرب، كما تواصل المضي بإيجابية في استكمال مسار الاندماج الوطني. وأشار إلى أن سوريا وفرنسا تؤسسان شراكة تبنى على المشاريع الملموسة التي تخدم الشعبين، لافتًا إلى أن النقاشات أثمرت عن رزمة استراتيجية من الاتفاقيات والعقود مع كبرى الشركات الفرنسية.
يرى الباحث محمد اليمني أن زيارة ماكرون إلى سوريا تمنح دمشق زخمًا سياسيًا مهمًا يعزز انفتاح المجتمع الدولي عليها، ويفتح الباب أمام توسيع العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية، كما أنها تساعد في تحسين فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري مستقبلًا، سواء عبر الشركات الفرنسية أو من خلال تشجيع مؤسسات التمويل الأوروبية على دراسة إمكانية دعم مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية. وبيّن اليمني أن حضور ماكرون إلى دمشق يمثل فرصة لتعزيز فرص التنسيق الأمني والاستخباراتي، وهو ما ينعكس على جهود مكافحة الإرهاب وضبط الحدود والحد من نشاط التنظيمات المسلحة، إضافة إلى أن أي تقارب فرنسي- سوري قد يشجع دولًا أوروبية أخرى على إعادة تقييم سياساتها تجاه دمشق، وهو ما قد يسهم تدريجيًا في تخفيف العزلة السياسية التي فرضت على سوريا خلال السنوات الماضية.
يعتقد الباحث صبحي فرنجية أن فرنسا، إضافة إلى ألمانيا، تعدان من الدول ذات التأثير الكبير داخل الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يجعل دخول فرنسا السياسي والاقتصادي إلى الساحة السورية دافعًا لتشجيع كثير من دول الاتحاد للتحرك بسرعة أكبر نحو إعادة العلاقات مع سوريا الجديدة وبناء توازنات سياسية واقتصادية كبيرة في المنطقة. وأوضح فرنجية أن تطوير العلاقات مع الحكومات الأوروبية يتوافق مع النهج السوري الجديد المتمثل في الانفتاح السياسي والتشجيع الاستثماري الذي يعود على سوريا وشعبها بالفائدة الاقتصادية، وإنهاء حالة العزلة السياسية مع الغرب، ما يعني تسارع التعافي السوري بعد سنوات الحرب الماضية. ونوه إلى أن تقوية العلاقات السورية مع فرنسا وأوروبا ستسهم في التأسيس لتعاون اقتصادي أمني، مشيرًا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي الكبرى جزء من التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، الأمر الذي سيمنح سوريا والتحالف دفعة قوية على مستوى التعاون الأمني في مواجهة إرهاب التنظيم العابر للقارات. كما أن التعاون الأمني مع سوريا التي تخوض حربًا كبيرة ضد تجارة وتهريب المخدرات، يعني بالضرورة فائدة للغرب، بعدما حول “حزب الله” اللبناني والميليشيات الإيرانية ونظام الأسد سوريا إلى مصنع للمخدرات ومصدر لها لكل أنحاء العالم، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي.
التأكيد على وحدة الأراضي السورية:
قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن فرنسا ملتزمة بسوريا حرة وذات سيادة وموحدة على جميع أراضيها، مضيفًا أن دولة القانون وحدها التي تسمح ببناء سوريا جديدة. وشدد ماكرون على ضرورة سيطرة الدولة السورية على كل أراضيها، مطالبًا بانسحاب كل من يحتل الأراضي السورية، ومؤكدًا أنها دولة مستقلة وذات سيادة.
أوضح الباحث محمد اليمني أن تأكيد ماكرون على وحدة الأراضي السورية يمثل استثمارًا مهمًا لدمشق في تعزيز الخطاب الدبلوماسي السوري داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية، مشيرًا إلى أن الموقف الفرنسي قد يدعم الجهود الرامية إلى استعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة عبر الوسائل السياسية والحوار الوطني، بما يحد من احتمالات التقسيم أو استمرار حالة الانقسام الجغرافي. ورغم الإيجابيات السابقة، فإن تأثير هذا الموقف على الوقائع الميدانية، وفق اليمني، سيظل مرتبطًا بعوامل عديدة، من بينها مواقف القوى الدولية والإقليمية الأخرى وتعقيدات المشهد العسكري واستمرار وجود قوات أجنبية في بعض المناطق، فضلًا عن طبيعة التفاهمات الدولية المرتبطة بالملف السوري. وبيّن اليمني أن الدعم السياسي الفرنسي يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإحداث تغيير جذري على الأرض ما لم يتحول إلى مواقف دولية أوسع وإجراءات عملية. من جهته، يعتقد الباحث صبحي فرنجية أن فرنسا والمجتمع الدولي بشكل عام ينظرون إلى سوريا كدولة واحدة، نظرًا إلى أن تقسيم سوريا ليس في مصلحة أحد، بل يمكن النظر إليه على أنه تهديد للرؤية الدولية لمستقبل البلاد كممر حيوي للطاقة والتجارة، ومن هنا جاء توضيح ماكرون على أنه تأكيد فرنسي على هذه الرؤية الدولية والإقليمية.
قدرة باريس على وقف الانتهاكات الإسرائيلية:
أدان الشرع الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة التي تقوض أمن المنطقة بأسرها، مؤكدًا ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في جنوبي سوريا. وقال إن نقاشات الجانبين السوري والفرنسي تطرقت إلى هذه الانتهاكات المستمرة، في ظل الموقف السوري الثابت الذي يرى أن أساس الاستقرار الحقيقي يفرض التزامًا دوليًا بإلزام إسرائيل بالعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والانسحاب الكامل من المناطق التي احتلتها بعد 8 من كانون الأول 2024. مطالبة الشرع بإلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي السورية بحضور ماكرون، تطرح أسئلة حول الدور الذي يمكن لباريس أن تلعبه في هذا المجال، ومدى قدرتها على تغيير الوقائع على الأرض. يرى الباحث صبحي فرنجية أن فرنسا يمكن أن تلعب دورًا وسيطًا إلى جانب الولايات المتحدة، من خلال استغلال علاقاتها مع إسرائيل، كما أن زيادة عدد الدول التي تدعم سوريا الموحدة وترى في السلوك الإسرائيلي تقويضًا لأمن دمشق وسلامة أراضيها، تصب في مصلحة سوريا، لأن ذلك يزيد الضغط على إسرائيل للوصول إلى اتفاق أمني ينهي هذه التحركات الإسرائيلية ويسمح لسوريا بتسريع خطواتها في سياق تعزيز الاستقرار والأمن والتعافي الاقتصادي. بينما يعتقد الباحث محمد اليمني أن فرنسا يمكن أن تلعب دورًا دبلوماسيًا عبر دعم تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بسيادة سوريا ووحدة أراضيها، والمطالبة بوقف أي انتهاكات تمس القانون الدولي، كما تستطيع الدفع نحو تفعيل دور الأمم المتحدة ورفع مستوى الرقابة الدولية على أي خروقات قد تشهدها المنطقة، والعمل على تعزيز دور قوات حفظ السلام الأممية. كما يمكن أن تستخدم فرنسا، بحسب اليمني، علاقاتها مع الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين لتشجيع مسارات التهدئة ومنع أي تصعيد قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع في الجنوب السوري، مع الإشارة إلى أن القدرة الفرنسية على إلزام إسرائيل بالانسحاب تبقى محدودة، لأن هذا الملف يرتبط بتوازنات دولية معقدة وبالموقف الأمريكي وبالاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، فضلًا عن طبيعة الصراع الإقليمي الأوسع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة